Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بطلة ريم الكمالي تستيقظ يوماً فتجد حياتها مقلوبة

"يوميات روز" رواية تعيد طرح قضية تهميش المرأة وسؤال جدوى الكتابة

لوحة للشاعرة والرسامة نجوم الغانم (اندبننت عربية)

من عالم الأحجية البعيد المتناول الذي تجلت فيه روايات كاتبات خليجيات مثل رجاء عالم ورجاء صانع وجوخة الحارثي وهدى حمد وسواهن، تخرج رواية الكاتبة الإماراتية الشابة ريم الكمالي بعنوان "يوميات روز" (دار الآداب 2021) لتقرب أفكار المرأة الخليجية ورغباتها وقناعاتها من القارئ ولتحمل القارئ نوعاً من وعد بالتلصص (voyeurisme) على عالم مجهول، فتتجلى بطلة الكمالي المقنعة بالصمت القسري كائناً يتوق للكتابة والإبداع والتحليق وكسر القيود التي تكبله وتكبل وجوده، تتجلى بطلة يتوق القارئ لاكتشافها واكتشاف عوالمها،

وحدها الكتابة تنقذ المرأة

يكتشف قارئ ريم الكمالي في روايتها "يوميات روز" أن المرأة البطلة مهمشة على ثلاثة أصعدة: على الصعيد الوجودي وعلى الصعيد العاطفي وعلى الصعيد الفكري، ثلاثة أصعدة تلخص هوية الأنثى، ثلاثة أصعدة تجد الأنثى نفسها فيها سجينة عاجزة، لا هي قادرة على الهرب ولا هي قادرة على البقاء،

أولاً من ناحية الوجود تجسد البطلة والراوية روزه ابنة المرحومين عبدالله وغاية المرأة الممحوة والمقهورة اجتماعياً، فبعد وفاة والديها تضطر روزه إلى ترك بيتها وعلمها وصديقاتها لتتوجه إلى بيت عمومتها للبقاء لديهم وخلف أسوار بيتهم الكبير، فروزه "ابنة تجار" ولا يليق بابنة التجار الثرية أن تذهب للتعلم بمنحة إلى دول عربية، أو أن تكمل علمها في أي مكان آخر، أو أن تُظهر وجهها أو أن تقص شعرها أو أن ترتدي ملابس عصرية. انكفت روزه عن الوجود اجتماعياً وإنسانيا بعد وفاة والديها، فحتى رسائل صديقتها ومعلمتها لم تعد تصلها، وحتى اسمها لم يعد نفسه، فقد تلخص وجودها واسمها بمكانة عائلة والدها ومن بعده زوجها فتقول، "أما اليوم وبوصفي فرعاً أنثوياً منتهياً في بيت والدي أنال كنية "ابنة التجار"، وغداً بعد زواج وإنجاب سأكنى بـ "أم فلان" وتمضي بي الألقاب من المعلوم إلى المجهول" (ص: 32)،

تنتقل هوية روزه من فتاة ذكية طموح تريد إكمال علمها واكتشاف العالم، إلى فتاة صامتة مجهولة لا تتكلم ولا تعترض ولا ترفع صوتها ولا تعبر عن أفكارها ورغباتها وأحلامها، وتحرص ريم الكمالي على تجسيد الكتابة كمفر وحيد من هذا الصمت القاتل فتقول روزه عن نفسها "كنتُ امرأة كاتبة على الرغم من خضوعي لمن حولي" (ص: 218)

تصبح الكتابة المفتاح الوحيد لهذا السجن العائلي والاجتماعي والوجودي الذي لا ينفك يطبق أقسى بعد على جسد السجينة ووجودها.

التهميش العاطفي

تهميش آخر يطال بطلة ريم الكمالي وهو تهميش على الصعيد العاطفي، فهذه الفتاة الشابة التي خسرت والديها وحياتها تُسرق منها أنوثتها وعلى الحب والعشق، فيسلبها الموت حبيبها ثم تسلبها عائلتها فرصتها بالسعادة عندما تزوجها برجل كهل، ويشعر القارئ بعبء هذا الزواج القاسي والظالم منذ السطر الأول عندما تختار روزه أن تبدأ يومياتها بالحديث عن زوجها وقلعته، تختار أن تقدم تشابيه واستعارات تجسد الزوج بصورة الخامل العاجز الفارغ الهامد الذي "نسيه الفناء" (ص:9)، فهل أقسى من تهميش عاطفي ومن تحويل فتاة يانعة عاشقة إلى جثة صامتة لا تشعر ولا تحلم؟ تقول روزه في محاولة منها للتشبث بالحياة، "حين يغلفني السكون كعادتي أؤلف في رأسي حكايات وقصصاً عن طبيعة وبشر، وأنسى زوجي التسعيني المتكئ على الجدار خلفي ككومة" (ص: 7). وتتثبت الكتابة مرة جديدة المخلص والمنقذ من الفراغ والصمت والمحيط المجحف، وقد تقترب هذه الرواية بموضوعها وأسلوبها الإنشائي من روايات الستينيات الرومانسية التي تدور حول قصة حب خجول ينتهي عموماً بمأساة بسبب فروق اجتماعية أو دينية، حتى إن الشطحات الوصفية والعاطفية تقابر بأسلوبها الروايات العربية في جيلها الأول، ويبقى التهميش الأبرز والذي يشعر القارئ بوطأته طوال السرد هو التهميش الفكري، فتضطر الراوية إلى الصمت في مختلف الحالات والمواقف والتزام السكوت، فلا حول لها ولا قوة، هي الفتاة اليتيمة العاجزة المكبلة بقيود العائلة والدين والمجتمع فتقول روزه، "عليّ ألا أنسى بأنني امرأة والمرأة تنتمي إلى كتب ميتة، ولا أمل إلا للبقاء على الخرس كحرز لي" (ص: 31).

تلتزم روزه الصمت عندما تُجبر على تغيير طريقة ارتدائها ملابسها وطريقة تسريحها شعرها وطريقة حديثها، تلتزم روزه الصمت عندما تُمنع عن إكمال علمها أو السفر أو التواصل مع صديقتها ومعلمتها، تلتزم الصمت وأكثر تختار أن ترمي بكتاباتها هي التي وجدت في الكتابة ملاذاً لها، فهل ترمي بكلماتها خوفاً من أن يقرؤوها؟ خوفاً من أن تزيد قسوة السجن؟ خوفاً من ألا تجد الكلمات صداها؟ وكيف تتعامل هذه الفتاة مع الواقع، فهي التي تستخدم لغتها وخيالها لتحول "واقعها المر إلى أدب" (ص: 8)، وهل الكتابة كافية؟

رواية يوميات

يلاحظ قارئ رواية ريم الكمالي أنها وعلى الرغم من الوهم الذي تقدمه بأنها تفضح أسرار المرأة الخليجية وحياتها على الرغم مما تحمله كلمة "يوميات" من تشويق وإثارة، إلا أنها لم تقدم سوى ومضات قليلة عن المجتمع وعاداته وتقاليده وأخباره ونسائه ورجاله، وعلى الرغم من أن اليوميات تتناول مرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ الإمارات العربية المتحدة والعروبة إلا أنها لم تتوقف عند الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة، كما أنها تركت القارئ على نهمه لاكتشاف دبي العام 1969. يتحرق قارئ الكمالي على مدى 220 صفحة تقريباً ليقترب من الوجوه والشخصيات والعوالم المطروقة، إلا أن الكمالي تتركه بعيداً منها فيبقى القارئ على مسافة من دبي من فترات تاريخية شيقة ومثيرة للاهتمام، من وظائف في البحر والبر كان يمكن أن تكون زاخرة بمئات المغامرات والأخبار، فمثلاً شخصية عم روزه وشخصية الجدة وكذلك شخصية الزوج كلها وجوه لم تقربها الكاتبة من قارئها، على الرغم من غزارتها وسماكتها النفسية التي كان من الممكن أن تتوسع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن الجدة وحدها الغنية بالمعتقدات والموروثات الثقافية والدينية والاجتماعية كان يمكن أن تحتل قسماً كبيراً من السرد، إلا أن الكمالي استغرقت في يوميات بطلتها البسيطة التي انحصرت بكم هائل من العواطف والشجون والشطحات الوصفية، فصفحات كثيرة كان من الممكن الاستغناء عنها لمصلحة تعمق أكبر في تحديد طباع الشخصيات صفحات بأسرها كان يمكن تقليصها لمصلحة بناء سردي أقوى وأمتن وموظف لصقل الشخصيات وقصصها ومعتقداتها،

"يوميات روز" رواية الإماراتية ريم الكمالي الثالثة محاولة جميلة تقدم بشيء من الخجل والشاعرية فتاة استيقظت ذات يوم ووجدت أن حياتها قد انقلبت رأساً على عقب أو ربما، فالنهاية وحدها هي التي تعيد وضع الأمور في نصابها، وتترك القارئ محتاراً حول ما قد قرأ للتو هل هو حلم أو واقع؟

المزيد من ثقافة