Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كاتبات عربيات يقتحمن بجرأة السيرة الذاتية الموسومة بالذكورية

وريثات شهرزاد يصورن عوالمهن بصبر ويبحن بما ظل مكتوماً في نفوسهن

لوحة للرسام أنس سلامة (صفحة الرسام على فيسبوك)

إذا كان النقد المعاصر قد تمكن من الإلمام بالمجال الإجناسي للسيرة الذاتية، بوصفها نوعاً من الكتابة المتعلقة بأدب الذات، فإنه لم يتمكن من وضع تعريف واضح لها، فالسيرة الذاتية، كما استتبت مقوماتها في الآداب العالمية، ظلت من دون ضفاف أو أسيجة، تتداخل مع أجناس أخرى من دون أن تذوب فيها، تأخذ منها من دون أن تفقد ملامحها المخصوصة. فهي هذا التنوع والتموج والتعدد، حتى تعريف الناقد الفنس فيليب لوجون الذي بات يتردد على كل الألسنة والذي يقول "إن السيرة الذاتية قصة استعادية نثرية يروي من خلالها شخص واقعي وقائع وجوده الخاص، عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة عامة". حتى هذا التعريف بدا للنقاد والباحثين عاماً وملتبساً بل غامضاً. فهو لا يلقي بالاً للمرحلة التاريخية التي تكتب فيها السيرة التي تخضع في طرائق كتابتها وأساليب عرض أحداثها، إلى عنصري الزمان والمكان. وهذا ما أكدته الناقدة الإنجليزية إليزابيث بروس التي عدت السيرة الذاتية مؤسسة كلامية لا تُفهم جيداً إلا في ظل المواضعات التي تشملها، فهي نص محكوم بالزمان والمكان.

في هذا السياق، سياق االتأكيد على تاريخية النص السير ذاتي نشير إلى جدة هذا الجنس في الثقافة العربية، بحيث ينعقد الإجماع على أنه بدأ مع "أيام" طه حسين، لكن الأمر الذي يلفت الانتباه، أن هذا الجنس الأدبي المستجد قد ظل إلى وقت قريب تحت هيمنة الكتاب الذكور يضعون قوانينه، ويسطرون مناهجه، ويصوغون أساليبه وطرائق تصريف القول فيه.

وريثات شهرزاد

وياتي كتاب الباحث المغربي محمود عبدالغني "يعترفن أحسن" الصادر عن دار "خطوط وظلال"، ليستدرك بدءاً من العنوان، تاريخ السيرة الذكوري، ويفتح فيه نافذة جديدة تخفف من غلوائه، داعياً إلى الإصغاء إلى أصوات نسائية رفعت هي أيضاً الستائر عن عالمها السري وفتحت للقارئ أبوابه المغلقة. بل يعد المتقبل أن يكون بوحهن أحسن، أحسن من الرجال طبعاً، فهن من سلالة شهرزاد الخبيرة بأسرار الحكي والقص.

لهذا انصب اهتمام الناقد محمود عبد الغني في هذا الكتاب الجميل على نوع مخصوص من السيرة الذاتية، وهو السيرة النسائية التي بدأت، منذ سنوات قليلة، تغنم مساحات جديدة في الثقافة العربية.  

للكتاب عنوان أول هو" يعترفن أحسن" وعنوان فرعي أول هو "سرد الـ "أنا" في الكتابة الذاتية النسائية العربية"، وعنوان فرعي ثان هو "دراسة ونصوص".

والكتاب يحتوي على قسمين اثنين كبيرين، القسم الأول يضم مقدمة تدور حول السيرة النسائية عامة والسيرة النسائية العربية على وجه الخصوص، أما القسم الثاني فيحتوي على عدد من النصوص النثرية كتبتها مبدعات عربيات انعطفن من خلالها على الذات، بالنظر والتأمل.

في المقدمة، يوضح الكاتب محمود عبد الغني طبيعة العمل الذي ينهض به، إذ يعتبر نفسه منتمياً إلى فئة مخصوصة من الكتاب ظلوا جسر تواصل وتواشج بين المؤلف والقارئ، "يسعون بينهما" يحسب تعبير الكاتب الفرنسي أندريه لوفيفر. وهذه الفئة من الكتاب، تضم المترجمين ومؤرخي الأدب وواضعي القواميس والمختارات الشعرية. وقد تعمد الكاتب الفرنسي حصر فئة واضعي المنتخبات في جنس الشعر، لأن منتخبات النثر لم تعرف الانتشار الكافي لتجد لنفسها موقعاً رسمياً.

أما أهمية هذه الفئة التي تحدث عنها لوفيفر فتكمن في قدرتها على التقرير في شأن قبول الأعمال الأدبية أو رفضها، كما أنها تضطلع بمهمة إيصال هذه الأعمال إلى القارئ. على أن النقد كثيراً ما هون من شأن هذه الفئة، وربما عمد إلى ازدرائها، وعد ترجمتها أقل قيمة من الأصل، وأعمالها النقدية غير ذات شأن، ومختاراتها مبتورة لا تلم بكل الأسماء الكبيرة.

معيار السيرة

يعلق الكاتب على النقد الموجه لواضعي المختارات قائلاً، "إن اختيار كاتب معين وإهمال كاتب آخر، عملية محكومة بعوامل تتجاوز مجرد الجودة الأدبية معياراً له"، بحسب لوفيفر. بل إن هناك بعض المنتخبات الأدبية التي أهملت كُتاباً كباراً أو أدرجت قصيدة أو قصة لكاتب كبير من دون حتى عناء إثبات اسمه. بعض المنتخبات الأدبية الألمانية أهملت الشاعر هاينريش هاينه، وبعضها ضم قصيدة له لم يظهر عليها اسمه. والشيء نفسه ينطبق مثلاً على الشاعر العربي لبيد بن ربيعة في الموسوعة البريطانية الموسعة، التي أتت على ذكر قصيدة لبيد من دون ذكر اسمه. ويمكن الإحالة على العديد من الأنطولوجيات العربية التي لم تدرج عدداً من كبار الشعراء ضمن مختاراتها، فيما أدرجت شعراء آخرين لا يضاهون الأولين قيمة وحضوراً.

يعترف الكاتب أنه لم ينتخب أعمال كل الكاتبات العربيات "ذوات الجدارة"، ففي الواقع يقول الكاتب، "أحتاج كي أجعل من هذا الطموح ممكناً إلى مضاعفة حجم هذا الكتاب، وإنه ليؤسفني ألا يتوفر لي الحيز الكافي الذي يسمح لي بتمثيل كل النصوص السير ذاتية والتخييلية الذاتية النسائية، للوقوف كفاية على هذه الأعمال الأدبية التي تمثل نوع الكتابات الذاتية تمثيلاً قوياً. وعلى الرغم من كل شيء، فهذه المنتخبات التمثيلية تجد بمن دون شك طريقها إلى الجمهور المحتمل".

هذا الجمهور المحتمل ربما كان محدوداً لأن قراء الأدب الذاتي قليلو العدد، بالمقارنة مع قراء نصوص التخييل الذين يستنبتون أجنحة ويطيرون بعيداً. وبنبرة متفائلة يقول الباحث محمود عبد الغني، "وربما ساعدنا هذا الأدب على الانتشار في هذه اللحظة التاريخية التي تشهد بروز أفكار الجندر، وقوانين جديدة تقوي موقع المرأة ضمن خارطة الوجود البشري، فهذه اللحظة من شأنها أن تخلق قراء جددا لهذا الأدب. وبكل تأكيد سيكون جمهوراً ليبرالياً خالياً من عقدة التمييز بين الجنسين في العمل والإنتاج والمشاركة في تغيير ملامح هذا الوجود".

إظهار وإخفاء

يشير الكاتب إلى أن الثقافة العربية لم تتوفر على نصوص ذاتية نسائية قديمة تعود بذاكرتنا وذوقنا الأدبي إلى القرون البعيدة. هذا النقص الفادح للملفوظ الذاتي النسائي في الثقافة العربية القديمة قابله انتشار واضح لهذا الملفوظ في الثقافة الحديثة.

يشبه الباحث نصوص مختاراته "يعترفن أحسن" بمنتزه كبير، دقيق التصميم ومتشعب الممرات، لكنه تؤدي إلى مركز واحد يقول، "ما نحن بصدد تقديمه عبارة عن سير ذاتية لنساء أجدن الحديث عن تجربتهن". ثم يستدرك الكاتب متسائلاً، "هل يمكن معرفة الحقيقة حول إنسان ما، خصوصاً إذا كان ذلك الإنسان امرأة؟".

ربما قامت السيرة الذاتية على المنطق الكنسي للاعتراف الكنسي في الغرب المسيحي، وهذا أمر لم تعرفه ثقافتنا، فلهذا يشكك النقاد في حقيقة "بوح" كُتابنا واعترافاتهم. وكما قال شكري المبخوت فإن الإشكال كله عائد إلى أن حكاية المرء عن نفسه تجعله يعيد إنشاء عالم من خيال، ظلاله الكلمات والمدلولات، فيحرك كائنات النص ويبث فيها من روحه ويملي عليها أفعالها وأقوالها، يحيي من يشاء ويميت من يشاء. فالسيرة الذاتية لعبة إظهار وإخفاء، تقديم وتأخير، والكاتب العربي كما قال أحمد أمين لا يستسيغ تعرية كل النفس. وإذا كان الأمر على هذه الشاكلة بالنسبة إلى الكتاب، فلا شك أنه سيكون أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الكاتبات.

 يؤكد الكاتب أن عمله ليس دراسة في السيرة الذاتية النسائية، ولا مقارنة بين هذه السيرة الذاتية وبين السيرة الذاتية التي خطتها أقلام الذكور، وإنما هو بكل بساطة بؤرة اجتمعت فيها نماذج من السيرة الذاتية النسائية. ويضيف، "سندع النصوص التي نقدمها في هذا الكتاب تجيب بنفسها، وسنعتمد على عناصرها ونسيجها الكلي، وأسرارها الخاصة، في طرح خلاصات نابعة منها باعتبارها إنتاجاً أدبياً في المقام الأول، فيها الذات منظوراً إليها من طرف هذه الذات نفسها".

الذات السردية

يشير الكاتب إلى أثر الكتابة الذكورية في أدب الذات النسائي، موضحاً أن تاريخ النقد الأدبي للسيرة الذاتية لم يخل من هيمنة مفاهيم الكتابة، وأن هذا الجنس الأدبي، وكذلك المعايير النقدية، على الرغم من التعديلات التي تطرأ عليها، ظلت ذكورية، سواء في وضع حدود نظرية للسيرة الذاتية أو في ذكر ممن دونة النماذج النصية المعتمدة في بناء تلك الحدود النظرية والمعيارية. ويضرب الباحث مثلين دالين على ذلك، فالناقد المصري جابر عصفور تناول بالدرس في كتابه "زمن الرواية" سيرا ذاتية رجالية وتجاهل تجاهلاً كاملاً سيراً ذاتية نسائية. أما الباحثة التونسية جليلة الطريطر فقد أنجزت دراسة قيمة في جزئين، وهي بحث في المرجعيات النظرية للسيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث، من دون إشارة واحدة لسير ذاتية نسائية عربية. اعتمدت الباحثة مما دونت من النصوص العربية الحديثة، ضمت سبع سير ذاتية ذكورية فقط، على الرغم من تنامي تعاطي الكاتبات العربيات لهذا النوع السردي الذي مازال يُستقبل بنوع من الحذر المقرون بالحرج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما النصوص التي اختارها الباحث بنباهة فائقة فهي تنتمي إلى عدد من الكاتبات العربيات اللاتي كتبن ذواتهن من دون أن يتضرجن خجلاً من أنفسهن، ونذكر منهن: سالمة السيد سعيد بن سلطان، نوال السعداوي، فاطمة المرنيسي، فاطمة أوفقير، رجاء نعمة، مي التلمساني، ريم هلال، عالية ممدوح، رجاء عبدالله الصايغ، نبيلة بن عيسى وليانة بدر.

نصوص هؤلاء الكاتبات تتغير أساليبها وتتعدد طرائق صياغتها، لكنها تلتقي جميعها في الحفر عميقاً في طبقات الروح. كل وريثات شهرزاد يفضن في الحديث، يصورن عوالمهن بصبر وأناة، يبحن بما ظل مكتوماً ومسكوتا عنه، يقلن مشاعرهن. لكن هؤلاء النسوة لا يكتفين بذلك، بل يرفعن أصواتهن بالاحتجاج والإدانة، ويوحين أن الأدب سليل الحياة، وهذا ما تقوله نصوصهن جهاراً. ولكون الأدب سليل الحياة، فهذا يعني أن الأدب يسهم في تحرير هذه الحياة، في نقلها من مجال الضرورة إلى مجال الحرية.

الواقع أن جل الكاتبات شديدات الانهماك في الواقع، والسيرة عندهن ليست تعبيراً عن حقائق النفس وحسب، بل هي تعبير عن حقائق الواقع وقد امتزجت بحقائق النفس، فالإحساس بالخلل ينتاب كل شيء، في معظم هذه النصوص، ولهذا تتحول الكتابة النسائية الذاتية إلى طريقة نقد للحياة، ومحاولة لتقويم ما اختل من أمرها.

المزيد من ثقافة