Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

برامج "التوك شو"... كلام في الهواء

بينما تزدهر في مصر بسبب التسلية والإثارة والأميّة تعاني في لبنان الهجران وتعتمد الإطلالة الفردية وسيلة جذب

أصبحت برامج التوك شو جزءاً حيوياً في الإعلام السياسي العربي للوصول إلى قاعدة عريضة من الجماهير (غيتي)

بين مصر ولبنان، تبقى برامج "التوك شو" على طرفي نقيض، فبينما شوارع ومقاهي وبيوت القاهرة شاهدة على شعبيتها بأصوات المذيعين والمذيعات، وهم يصدحون بأخبار اليوم مزودة بتوابل ما وراء الخبر وتسريبات ما أمامه، فإنه على الجهة المقابل يبقى حظ تلك البرامج في لبنان ضئيلاً، إذ لا تزال محدودة وتمشي بخطى خجولة في عالم التلفزيون.

ومع تراجع الإنتاجات الضخمة والتغييرات في استراتيجيات المعلنين، وأيضاً وجود وسائل التواصل الاجتماعي، تبدلت المعايير في عالم التلفزيون، وحلت برامج بمواصفات جديدة ومختلفة لم تكن رائجة قبل سنوات، أو في الأقل وجودها سابقاً ارتكز على معايير مختلفة. واعتاد المشاهد اللبناني على برامج الـ "توك شو" بحلة مختلفة عن تلك التي بدأت تظهر اليوم، منها ظاهرة الـ "وان مان شو" التي بدأت تطل على القنوات اللبنانية.

سياسة وتسييس

وعلى مدى عقد ونصف عاشت برامج الـ "توك شو" عصرها الذهبي، فالسنوات الخمس السابقة لأحداث يناير (كانون الثاني) 2011 شهدت تفجراً وتقبلاً غير مسبوقين لهذه البرامج. هامش حرية غير مسبوق مصحوب بجرأة كبيرة لدى حفنة من المذيعين والمذيعات الذين وقفوا في منطقة رمادية، فلا هم مارسوا أدوراهم كمذيعين حياديين، ولا هم أعلنوا عن كونهم فاعلين ضمن صفوف المعارضة، إضافة إلى تعطش جماهيري كبير لمن يتحدث بلسان غضبهم من أوضاع اقتصادية ومعيشية في المقام الأول، وسياسية في المقام الثاني، ثم جاءت أحداث 2011 ليتم تتويج برامج الـ "توك شو" ملكة على رأس قائمة عوامل التغيير السياسي.

لسنوات طويلة ما زالت مستمرة، خضع مقدمو الـ "توك شو" للسياسة والتسييس، وهو ما جعل الشاشات عامل تغيير وتحفيز سياسي واقتصادي واجتماعي ونفسي. كتيبة كاملة من المذيعين والمذيعات حولتهم أحداث 2011 إلى أشباه آلهة، وهي الكتيبة التي دعمت وشجعت التغيير، وكتيبة أخرى تحولت أشباه شياطين، وهي التي أنكرت في البداية وجوب التغيير ثم عارضته.

أما المشاهد المصري فهرع البعض إلى سن قوائم سوداء لمذيعين ومنعهم من دخول بيته والتسلل إلى شاشته، وهي القوائم التي انقلبت رأساً على عقب بعد سنوات احتقان ما بعد 2013 والأحداث التي أدت إلى إنهاء حكم جماعة الإخوان المسلمين، إذ عاد المذيعون المحظورون نفسياً إلى أستوديوهاتهم وإطلالاتهم وتحليلاتهم ومملكتهم.

وبعيداً من القوائم السوداء والبيضاء وتحول مذيعين ومذيعات إلى ناشطين وبرلمانيين ومستشارين لمسؤولين ومروجين لأيديولوجيات دون غيرها، إضافة إلى أدوارهم في الأستوديوهات، فإن إقبال المشاهد المصري على مشاهدة هذه النوعية من البرامج في عصر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والقدرة على انتقاء وصناعة من يشاهد ماذا ومتى، ما زال قوياً ومستمراً وإن كان دائم التغير.

عادات المشاهدة

تغيرت عادات المشاهدة كثيراً بين الشباب المصري، فالغالبية المطلقة من الشباب والشابات الذين سألتهم "اندبندنت عربية" عن برنامج الـ "توك شو" الأفضل لديهم ردوا بإجابة مقتضبة، "لا نشاهد التوك شو"، ولم يشاهدونه وهم أبناء عصر "تيك توك" و"يوتيوب" والمؤثرين والمؤثرات، وانتقاء ما يودون متابعته من دون اضطرار للجلوس على الكنبات وتناول الوجبة كاملة عنوة!

الباحث في جامعة بني سويف محمد طه يشير في دراسة عنوانها "تقييم الشباب المصري لمصداقية البرامج الحوارية خلال الانتخابات الرئاسية 2014 والبرلمانية 2015" إلى أن غالبية الشباب "لا تعتمد على هذه البرامج كمصدر للمعلومات حول الأحداث والقضايا".

والأسباب الأهم التي رصدها الباحث لعزوف الشباب عن هذه البرامج هي ما وصفه بـ "غياب" الصدقية والإشارة الواضحة إلى مصدر الخبر، ناهيك عن الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي التي يحيا بين جنباتها الشباب كمصدر للأخبار، إضافة إلى الاعتماد على كلام المذيع وشرحه واجتهاده الشخصي في تحليل الأوضاع.

الاجتهاد الشخصي للمذيع والكاريزما التي يتمتع بها، وقدرته على الحشد والتجييش والتحفيز، وتوجيه الرأي العام لا سيما باستخدام وسائل مثل الصياح أو السخرية أو الترهيب أو الخبط على الطاولة، إضافة إلى توابل مثل ترفع شعار "شاهد قبل الحذف" أو "أجرأ كلام للمذيع الفلاني" أو "المواجهة النارين بين فلان والمذيعة فلانة" وغيرها، هي نفسها عوامل تضمن التصاق قطاع عريض من المشاهدين المصريين أمام الشاشات.

مسلية ومفيدة

رجاء مصطفى ربة بيت (62 عاماً)، تقول إنها تمضي يومها أمام شاشة التلفزيون، "ففي النهار أتابع مسلسلات عربية ولبنانية وأفلاماً هندية مشوقة، وفي المساء أتفرغ لبرامج التوك شو". وترى أن هذه البرامج مسلية ومفيدة "أحب المذيعين الوطنيين، مشاعرهم متدفقة ولا يخفونها، حتى إن البعض يصيح ويفقد أعصابه، بينما يتحدث على الهواء مباشرة أثناء التطرق لمعضلة تتعلق بالوطن وأمنه، وكنت أحب مذيعاً يغنيني عن الأفلام والمسلسلات دأب على الظهور في الأستوديو مرة حاملاً أسطوانة غاز وأخرى مصطحباً خروفاً أو حماراً، وثالثة مرتدياً زياً مدرسياً ويحمل حقيبة على كتفيه، لكنه اختفى الآن".

اختفى مذيعون وصمد آخرون في عام 2021 على الشاشات المصرية، ويبقى المؤكد هو أن فئة من المصريين، باستثناء الشباب، ما زالت متيمة أو متعلقة أو مؤمنة بما يقدمه البعض من برامج الـ "توك شو" من حزمة تبدو متنافرة، لكنها في حقيقة الأمر متكاملة. معلومة حتى وإن كانت غير مؤكدة، خبر ولو كان مجهلاً، تحليل على الرغم من أنه شخصي أو سابق الإعداد أو التوجيه، إثارة ولو كانت نابعة من صوت عال أو خناقة محسوبة بين ضيفين، وليمة خبرية وتحليلية تعتمد على المشهيات أكثر من الأطباق الرئيسة، إضافة إلى كثير من الكلام.

تعبئة الجماهير

أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يقول إن الكلام مكون رئيس في الثقافة العربية بوجه عام، وفي الثقافة المصرية بوجه خاص، "فحتى تطبيقات التواصل الاجتماعي تتحول في جانب غير قليل منها بقدرة قادر عندنا إلى كلام، وأحد أسباب الانتشار الكبير لتطبيق (كلوب هاوس) مثلاً اعتماده على الكلام وإفساح المجال للجميع من دون تفرقة ليتكلموا بلا هوادة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى صادق أن الـ "توك شو" "أصبح منصة مثله مثل الدراما من مسلسلات وأفلام لطرق باب مواضيع معقدة أو للتسلية أو للإلهاء أو كل ما سبق، كما أنه فرصة للوصول إلى الجماهير الغفيرة وتعبئتها وكسبها، لذلك هي جزء حيوي في الإعلام السياسي العربي للوصول إلى قاعدة عريضة تجلس ليلاً أمام التلفزيون، أو تعيد مشاهدة ما فاتها على "يوتيوب"، لذلك هي أداة اجتماعية وسياسية بالغة الأهمية تثير قضايا سياسية مهمة، كما تلهي بعيداً عبر فستان رانيا يوسف مثلاً، ثم تعيد المبعدين إلى السياسة مجدداً وهلم جرا".

من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن 25 في المئة من المصريين فوق سن 10 سنوات يعانون الأمية الأبجدية (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2020)، وهو ما يعني أن الشاشات المرئية تضمن لنفسها التربع على عرش المشاهدة لحين إشعار آخر.

أذواق المشاهدين

من جهة أخرى، تختلف الأذواق بين شعب وآخر في عناصر الجذب على التلفزيون، فما يجذب المشاهد المصري قد لا ينطبق بذاته على المشاهد اللبناني، وهذا ما يؤكده المدرب على الأداء التلفزيوني والإعلامي أنطوان كسابيان، الذي أوضح لـ "اندبندنت عربية" أن المشاهد اللبناني ليس معتاداً على هذا النموذج من الـ "توك شو"، وإنما يعتاد عليه تدريجاً ويتقبله اليوم أكثر من السابق.

ويبقى المشاهد اللبناني مختلفاً عن نظيره المصري من جهة ذوقه في البرامج ومن جهة اهتماماته، وبشكل عام يجب تقديم برامج للبناني لا يمل منها، فهو ينجذب إلى مواضيع معينة أو أنواع من البرامج بلهفة في فترة معينة إذا كانت رائجة، لكن سرعان ما يمل بعدها فيحتاج إلى التجديد، سواء كانت مواضيع سياسية أم ترفيهية أم اجتماعية.

ويضيف كسابيان، "هذا ما يفسر أن الإعلامي طوني خليفة قد لاقى نجاحاً باهراً في مصر في حقبة معينة، واستطاع أن يثبت وجوده، وقدم أنجح برامج الـ (توك شو) معتمداً على الإطلالة المنفردة على الشاشة في برنامجه، ولبى تطلعات الشعب المصري فحافظ على النجاح لفترة طويلة، لكن عندما كرر التجربة على المحطات اللبنانية فشل فيها، ولم يكن الإقبال جيداً عليها، واضطر إلى مواكبة تطلعات الجمهور اللبناني في البرامج التي قدمها لاحقاً".

إطلالة فردية

في برنامج الـ "توك شو" عامة وبخاصة ذاك الذي يعتمد على الإطلالة الفردية لمقدم البرنامج، التي تعتبر تجربة حديثة نسبياً في لبنان، يحاول كل إعلامي أن يسلك طريقاً لا يدوس فيه في طريق الآخر، فلكل منهم أسلوب خاص، ولطوني خليفة أسلوبه الخاص في تناول الأحداث الآنية، أما ماريو عبود فله أسلوب الصحافي الموضوعي الذي يتناول فيه مواضيع الساعة ويطرح أسئلة الناس، ويقدم المعلومة التي لا يعرفها أحد في إطار رصين، فيقدم في برنامجه العناصر المطلوبة كافة في برنامج تلفزيوني في القرن الـ 21.

في برنامجه "مأخر بالليل" يتناول سلام الزعتري الأحداث السياسية الآنية بأسلوب ساخر ضمن نموذج الإطلالة الفردية في الـ "توك شو"، في وقت تقدم ديما صادق برنامجها "حكي صادق" بطريقة النقد الكاريكاتوري اللاذع والأكثر قسوة.

ويعتبر كسابيان أنه يجب عدم الحكم على برنامج "حكي صادق" اليوم، بل ربما بعد فترة عندما يتعب ويُستنزف لاعتبار أن ضمان الاستمرارية صعب في هذا النموذج، خصوصاً في لبنان، إذ ثمة حاجة إلى "شحن" أي برنامج من هذا النوع حتى يستمر، أما في مصر فهذه المشكلة غير موجودة، ويمكن أن يستمر سنوات طويلة ويجذب المشاهدين.

وجود وسائل التواصل الاجتماعي اليوم يخدم هذا النوع من البرامج، خصوصاً تلك التي تعتمد على الـ "وان مان شو"، فيعتمد كل إعلامي على حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي بهدف دعم برنامجه والتسويق له من خلال جذب متتبعيه وحصد نسبة مشاهدة أعلى، ووجودها ينعكس إيجاباً على هذه البرامج التي قد تجذب بمعدل أكبر عبرها مقارنة بالتلفزيون، عندما ينتشر أي مقطع من برنامج على نطاق واسع.

كُلف أقل

وتستمر برامج الـ "توك شو" على القنوات اللبنانية اليوم بأسلوبها المعتاد، مع حوارات تتناول مواضيع الساعة والأحداث الآنية، وتجدد في الأسلوب لزيادة عنصر الجذب فيها وإبعاد شبح الملل الذي يمكن أن يطال المشاهد اللبناني، وهذا ما تعول عليه القنوات لتضمن الاستمرارية لبرامجها ورفع نسبة المشاهدة، فتُقدمها بطريقة عصرية تواكب متطلبات العصر وتدعمها وسائل التواصل الاجتماعي بدرجة عالية.

في الوقت نفسه، يعتاد المشاهد اللبناني على تلك البرامج بحلتها الجديدة وكلفتها الإنتاجية المتدنية من النواحي كافة، بما يواكب أيضاً الواقع الإعلاني اليوم، لكن يطرح السؤال هنا حول ما إذا كان هذا النموذج من البرامج قادراً على حصد النجاح في لبنان وتأمين نسبة المشاهدة التي يحصدها في مصر أو في الدول العربية الأخرى من سنوات عدة؟

الإعلامي سلام الزعتري ممن خاضوا هذه التجربة في إطار سياسي ساخر وبإطلالة منفردة من طريق الصدفة كما شاءت الظروف، بحسب ما أوضح في حديثه، ولا ينكر أنه تحد كبير لا يمكن الاستهانة به، فمن الأسهل أن يحاور أشخاصاً آخرين لخلق التفاعل أو تقسيم البرنامج إلى فقرات عدة، "وهذا النموذج من الـ(توك شو) موجود في الدول الغربية وفي الولايات المتحدة الأميركية منذ سنوات عدة، لكنني قررت أن أخوض التجربة الجديدة في لبنان الذي لم يعتد المشاهد عليها، واعتمدت أسلوباً ترفيهياً ساخراً لجذب الناس ولأتمكن من تمرير الرسالة التي أود أن أوصلها".

في هذا النوع من البرامج لا بد من إيجاد المضمون المناسب لجذب المشاهد وتحفيزه على متابعة البرنامج، وثمة حاجة إلى التجديد في الأخبار والمعلومات أكثر من أي برنامج آخر، لذلك يحاول الزعتري المزج ما بين المزاح والسخرية حيناً والجد أحياناً، إنما حتى إضحاك الناس يُعتبر صعباً عندما يقدم الإعلامي برنامجه منفرداً، فيصعب خلق هذا التفاعل وتزيد الضغوط، خصوصاً أن جعل المشاهد يبكي سهل، بينما يصعب إضحاك اللبناني اليوم وجذبه بسبب الظروف الصعبة في البلاد، لذلك يعتبر التنويع ضرورياً والتجديد الدائم أيضاً ضمن المعايير الأساسية لضمان نجاح هذا النوع من البرامج.

وحرصاً منه على الاستمرارية في هذا النموذج، قرر الزعتري إدخال المقابلات لخلق التفاعل في مكان ما، خصوصاً أنه يركز على الـ "أون لاين" بشكل خاص، إذ إن أكثر المتتبعين هم من جيل الشباب، يضاف إلى ذلك أن المتابعة هنا تكون نسبتها أعلى دائماً، بينما في لبنان يلحق المشاهد المحطة أكثر من البرنامج لأسباب لها علاقة بسياسة كل من القنوات، "أصبح البرنامج ألطف وأكثر جاذبية وكانت ردود الفعل إيجابية، مما يؤكد أن المشاهد اللبناني بدأ يعتاد على هذا النوع من البرامج الأكثر انتشاراً اليوم في العالم العربي، وإن كانت الموازنة المخصصة لـ (توك شو) قد تراجعت، لكن لا بد من انتظار موسم الخريف المقبل لقياس الأمور بشكل أفضل".

ولا ينكر الزعتري أنه ما من مردود مادي من البرنامج، لكن هدفه أن يوصل من خلاله رسائل معينة ترتبط بالواقع في البلاد ومعلومات بطريقة مسلية جذابة، والتفاعل صعب فعلاً مع هذا النوع من البرامج في لبنان عبر التلفزيون، فتبقى أهميته في ما يتميز به من صدقية وهيبة في برامج الـ "توك شو"، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي استطاعت أن تحقق انتشارها على نطاق واسع، مما يضمن استمراريتها في العالم العربي وبطبيعة الحال في لبنان.