صفقة القرن

أعلن جاريد كوشنر، صهرُ الرئيس الأميركيّ ومفوضُه للسلام في الصراع العربيّ- الإسرائيليّ، أن إعلانها سيكون في يونيو(حزيران) المقبل

قرار تقسيم فلسطين العام 1947 وضع القدس تحت وصاية دولية (رويترز)

تساءلتُ قبل شهورٍ على حسابي بـ "تويتر" حول ماهيةِ "صفقة القرن"، وجاءتني الردودُ في غالبيتها رافضةً رفضاً قاطعاً هذه الصفقةَ المشبوهةَ التي تعني "الاستسلامَ والخنوعَ والانبطاحَ والذلّ والهوانَ والتفريطَ بالأرضِ والعرضِ الخ"، لم أجدْ جواباً لتساؤلي حول معلوماتٍ محددة عن الصفقة، ولم يكن السيد كوشنر بين من علّق على تساؤلي ليجيبني، ولذا فإن معظمَ- وليس كلَّ- من تعاملَ مع تساؤلي رفضَ الصفقة وتجنّب الجوابَ لأنهم ببساطةٍ لا يعرفونه.

أسوقُ هذه المقدمةَ وأنا مثل البقية: لا أعرف ما هي صفقة القرن، ولست متفائلاً بمضمونها، خصوصاً بعد اعتراف ترمب بالقدس عاصمةً لإسرائيل وبالجولان جزءاً منها، ولكنني أعرف أن رفض الصفقة حتى قبل الإعلانِ عنها، برأيي ليس من الحصافةِ ولا من الحكمة في شيء، فرحت أراجعُ المشاريعَ والمبادراتِ والصفقاتِ التي مرّت على الصراع العربيّ- الإسرائيليّ طوال السبعينَ سنةً الماضية.

 صدرَ قرارُ التقسيم الشهير رقم 181 عن الأمم المتحدة في العام 1947- أي قبل الإعلان عن إسرائيل- والذي يعطي الفلسطينيين 42 في المئة أي 11 ألف كم (مساحة لبنان)، وتشمل عكا غرباً حتى رفح جنوباً والجليل الغربي وكل أراضي الضفة الغربية، وتكون القدس تحت الوصاية الدولية. طبعاً رفضنا هذا القرار ودخلنا في حرب النكبة وقامت دولة إسرائيل بعدها بستة أشهر في مايو (أيار)1948. واستمر الرفض، من أجل المجابهة والتحرير الكامل للأراضي الفلسطينية، وخوّنّا الرئيسَ التونسيّ الراحلَ- الحبيب بورقيبة- لأنه دعا إلى القبول بقرارِ التقسيم.

اندلعت حربُ يونيو 1967 فكانت النكسةُ، فضاعت كل فلسطين- بما فيها القدس- وسيناء وأجزاءٌ من الجولان السورية.

في ديسمبر (كانون الأول) في العام 1969 تقدّم وزير الخارجية الأميركي- وليام روجرز- بمبادرة سمّيَت باسمه، تدعو إلى وقف القتال بين مصر عبد الناصر وإسرائيل، تمهيداً لتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 الداعي إلى الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في عام النكسة، رفضنا المبادرة التي لم تتحمّس لها إسرائيل كثيراً سوى من أجل وقف القتال والتقاط الأنفاس.

ثم جاءت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 التي حقّق العرب فيها نصراً عسكرياً ونفسياً تاريخياً، وتوقّف القتال بسبب ثغرة الدفرسوار عند الخيمة101.

بعدها دخل الرئيس المصري أنور السادات في مفاوضات كامب ديفيد في العام 1978 من منطلق قوة واستعاد سيناء كاملةً، ورفض الفلسطينيون الدخول في تلك المفاوضات بدعم عربي رافضٍ اتفاقية "الخنوع والاستسلام"، وشكّل العرب جبهة "صمود وتصدي" بقيادة صدام حسين وحافظ الأسد وعلي عبد الله صالح ومعمر القذافي، وقاطعوا مصر وعلّقوا عضويتها في جامعة الدول العربية. أذكر أنني شاركت بتظاهرات طالبية عارمة انطلقت من جامعة الكويت رافضاً تلك الاتفاقية "الخيانية الاستسلامية" في العام 1978.

 راوحت القضية الفلسطينية في مكانها بين حروب عربية-عربية، وحروب عبثية تحرّكها إيران عبر لبنان وغزة - ولا تزال- لتعزيز تدخّلها وموقفها التفاوضي في أماكن أخرى، فجاء مؤتمر مدريد في العام 1991، الذي تمخّض عن اتفاقات سريّة في أوسلو وقّعها الرئيس الفلسطيني حينها - ياسر عرفات- مع الجانب الإسرائيليّ في البيت الأبيض في العام 1993، وصافح قادة إسرائيل إسحاق رابين وشمعون بيريز، تلاها مفاوضات الساعات الأخيرة في كامب ديفيد بين الجانبين قبل تسليم الرئيس الأميركي بيل كلينتون الرئاسة إلى الرئيس المنتخب جورج بوش الابن، رفض عرفات ما عُرض عليه في تلك المفاوضات، فانهارت عميلة أوسلو بمجيء اليمين الإسرائيلي المتطرّف بقيادة إرييل شارون.

على عشاء في واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) في العام 2002 جمعني مع دينيس روس- المفوض الأميركي للسلام في تلك المحادثات- سألته: ماذا قدمتم لعرفات في كامب ديفيد؟ فقال 98 في المئة من أراضي الضفة وغزة على أن تُعوّض الـ 2 في المئة المتبقية من أراضي الداخل، واقتسام القدس وصندوق تعويضات للاجئين ومساعدات مالية لبناء دولة فلسطينية قابلة للبقاء. ذُهلت وتساءلت: لِمَ لَمْ يقبل؟ فأجاب: كان يطمع بعرض أفضل من بوش. قبل الانتهاء من العشاء سألته بخبث: سعادة السفير، كيف لي أن أصدقك؟ فأجاب بأخبث: إما أن تصدقني أو تصدق عرفات.

راوحت القضية بعدها، واستمر العرب بالاقتتال والفوضى "الخنّاقة"، قتلنا من بعضنا أضعاف ما قتلت إسرائيل، وشرّدنا من بيننا أضعاف اللاجئين الفلسطينيين، وقضمَ الاستيطان أراضي الضفة وعزلَ أهلها بجدار عنصريّ ظالم، وتلاشتِ السلطة الفلسطينية، فجاءت حماس التي بمجيئها انشقّ الفلسطينيون واقتتلوا ولا يزالون، فخرجتِ القضيةُ من الأنسنة العالمية، إلى الخطاب الدينيّ المتخلّف، الذي لا يختلف عن غوغائية استبداد الخاكي العسكريّ أو الصهيونيّ العنصريّ، فخرجَ الإنسان الفلسطينيُّ المنكوبُ بين احتلال إسرائيليٍّ وحصارٍ حمساويٍّ صائحاً بحرقة: بدنا نعيش!

 واستمرّ الرفض لأيّ شيء حتى قبل الإعلان عنه، من دون بديلٍ سوى بديلِ المقاومة الإيرانية- الأسدية الكلامية التي تتعرّض للقصف الإسرائيليّ باستمرار من دون ردعٍ أو تصدٍّ، فأعلنّا رفضنا صفقةَ القرن قبل أن نعرفَ ما هي.

 لننتظرْ ثمّ لنرفضْ بعدَ أن نتعرّف على ما نرفضه! ومن يدري! فقد يأتي اليوم الذي نندمُ فيه على رفضنا صفقةَ القرنِ مثلما ندمنا على رفضِ قرارِ التقسيم والفرصِ الضائعة التي تلته.

المزيد من آراء