Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على جونسون أن يعتاد على دور بريطانيا كجهة موحدة وليس كقائد للعالم

علينا أن نقبل أخيرا بالحدود التي يحتمها علينا حجم المملكة المتحدة وأن نتعاون من أجل العمل ضمن حدودنا

حِس بوريس جونسون "المسرحي" ظهر جليا في قمة الدول السبع، ولقائه الأول بالرئيس الأميريكي جو بايدن (رويترز) 

إن بوريس جونسون سياسي محظوظ للغاية - ويجب ألا تغطي الضرورات التي فرضتها جائحة كوفيد -19 واقترابه من الموت (بسبب إصابته بالفيروس) هذه الحقيقة.

رشح نفسه لرئاسة حزب المحافظين فور انتهاء الاستفتاء على "بريكست" وعاد منتصراً بعد ما تبين أن تيريزا ماي عاجزة عن إتمام المهمة. وقد راهن على انتخابات في ديسمبر (كانون الأول) 2019 وأحرز فوزاً ساحقاً.

ها هو يخرج إلى عالم ما بعد الجائحة (كما نأمل أن يكون) بصفته رئيس وزراء مملكة متحدة تترأس مجموعة أهم دول العالم، أي مجموعة الدول السبع، وسوف تستضيف كوب 26، وهو التجمع العالمي بشأن المناخ، خلال فصل الخريف المقبل. وبين الحدثين، تنظم المراحل الأخيرة من يورو 2020 المؤجل في لندن. ومع أن اجتماع هذه اللقاءات في المملكة المتحدة ليس سوى صدفة، ما كان بوريس جونسون ليقدر أن يتمنى الحصول على منصة أفضل من أجل استعراض الدور العالمي لبريطانيا بعد "بريكست".

يمثل انعقاد مجموعة الدول السبع في كورنوال فرصة، وامتحاناً كذلك- وهو اختبار يتيح بالفعل للآلة الحكومية أن تستعرض نقاط قوتها التي لا شك فيها في تنظيم الفعاليات، إضافة إلى حس جونسون المسرحي. وزيادة على ذلك، تأتي عطلة نهاية الأسبوع مع ثلاث مكافآت إضافية: فإضافة إلى أن جونسون يستضيف أول اجتماع قمة متعدد الأطراف يعقد "شخصياً" منذ أن أوقفت الجائحة السفر الخارجي، حتى بالنسبة للشخصيات البارزة؛ وأن الاجتماع يعقد من دون وجود دونالد ترمب المزعج؛ وأنها الرحلة الأولى في رئاسة جو بايدن- إنما يضاف إليها كذلك انعقاد اجتماع ثنائي بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وليس من شيم جونسون أن يهرع بطريقة مذلة لاستقبال رئيس البيت الأبيض الجديد (كلما أسرعنا في نسيان هرولة تيريزا ماي المخجلة إلى واشنطن من الذاكرة، كان أفضل). فتوازن الأفضليات يختلف هذه المرة. والبيت الأبيض ما بعد ترمب يجاري الأمور.

لا يسعني أن أتذكر لحظة وصول لرئيس أميركي إلى البلاد تشبه وصول جو وجيل بايدن إلى قاعدة سلاح الجو الملكي في ميلدنهول عند غروب شمس يوم الأربعاء، فيما توجه الثنائي الرئاسي إلى القوات الأميركية المجتمعة بخطاب محضر بعناية بما معناه أن "أميركا قد عادت وعادت معها العلاقة الخاصة".

ويوم الخميس، يوقع "ميثاق أطلسي" جديد، ويستبدل ذلك الذي وقعه روزفلت وتشرشل منذ 80 عاماً. وهو مليء إجمالاً بعبارات متوقعة وإعلانات نوايا. لكن الأساس- وهو من شيم جونسون تماماً- ليس المحتوى أو البنود المكتوبة بخط صغير، بل الأسلوب والشكل: الصورة، التي يكملها البحر والسفينة، والتي تدل على أن المملكة المتحدة ربما غادرت الاتحاد الأوروبي لكن لا ينقصها الأصدقاء؛ وأن التفاهم العابر للأطلسي ما زال بخير؛ وأن المملكة المتحدة تمتلك خيارات.

تظهر هنا نقطتان على الأقل تستدعيان الحذر. أولهما أنه على المدى البعيد، هناك كثير من المعوقات أمام الاتفاقية التجارية التي تشكل هدفاً مهماً، إن لم تكن الهدف الوحيد، بالنسبة للمملكة المتحدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة على المدى القصير. فالاختلافات على المعايير الغذائية وحماية البيانات أساسية ومتجذرة، والمملكة المتحدة أقرب إلى الاتحاد الأوروبي منها إلى الولايات المتحدة في هذه المسائل. (وليست هذه الاختلافات بجديدة، فهي نفس الاختلافات التي أخرت المفاوضات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ أكثر من 20 عاماً). ولن تغير مواثيق الأطلسي هذا الأمر، مهما بلغ عددها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما النقطة الثانية، فتأتي على شكل الطلقة التحذيرية التي أطلقها الدبلوماسيون الأميركيون على ما يبدو باتجاه لندن فيما كان الثنائي بايدن يقلع من واشنطن. وتضمنت نصيحة حادة خلاصتها باختصار أنه يستحسن بالمملكة المتحدة أن تتوصل إلى حل وسط مع بروكسل حول بروتوكول إيرلندا الشمالية، وإلا.. لكن مدى تأثيرها على عطلة نهاية الأسبوع هو موضوع آخر. فلا شك في أنها لم تكن موجهة إلى لندن فحسب، بل إلى الجالية الانتخابية الإيرلندية في الولايات المتحدة- والرسالة التي حملتها هي أن إنجلترا الماكرة لن تنجح في خداع بايدن من أجل خيانة المصالح الإيرلندية.

لكن هناك نقطة ثالثة، وهي أكبر بكثير. فجونسون، كما قلت، سياسي محظوظ. خلال عطلة نهاية الأسبوع هذا على الأقل، يترأس على  الأقل جزءاً من الساحة العالمية. فهو يستمتع بالأضواء، ويحسن الترحيب بالآخرين- أتذكرون لندن في عام 2012؟ وسواء للأفضل أو للأسوأ، أسهم تدخله الشخصي في حل عدة عقد دبلوماسية (لكن لا شك أن بعضها، مثل حال إيرلندا الشمالية، عاد ليظهر مجدداً دون أن يحل على الإطلاق، لكن هذه قصة أخرى). وبعض أشد منتقديه، ومنهم الرأي العام الفرنسي، وقعوا تحت سحره.

لكن كل ذلك يقود إلى خطر حقيقي: أن يبالغ جونسون في تقدير قوته، ومعها الدبلوماسية البريطانية. تجمع قمة الدول السبع هذه زعماء ست دول ثرية ورئيس أميركي تقليدي- سوف يتصرف خلافاً لسلفه، باعتباره نداً يتساوى مع الموجودين (مع أنه ليس كذلك). كما أنه يجب التصدي لأزمة حقيقية تواجه العالم الآن، وهي الجائحة. وسوف تطرح أزمة المناخ على بساط البحث كذلك، لكن سوف تتركز عليها الأضواء خلال كوب26 في نوفمبر (تشرين الثاني).

خلال الأيام المقبلة، من المهم جداً ألا ينسى جونسون والآلة الدبلوماسية البريطانية أبداً أنهم الجهة المضيفة والميسرة للنقاش، وليسوا الحكم النهائي. ويقتضي عملهم توفير الراحة للزوار وضمان سير الاجتماع بسلاسة، والتوصل إن أمكن، إلى بعض النقاط الأساسية للعمل الدولي التي يمكن أن يلتزم بها الجميع. يبدو ذلك قليلاً، لكنه يعتبر تطوراً بالنسبة لما حدث في بياريتز منذ سنتين أو في كيبيك في عام 2018 حين غادر ترمب باكراً.

وهذه المرة قد يكون أحد المخاطر أن يبدو الاجتماع- على الرغم من مشاركة اليابان فيه باعتبارها عضواً إضافة إلى أستراليا والهند وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية بصفتها مدعوة- كأنه يميل نحو شمال الأطلسي، ويعود ذلك جزئياً إلى القمة البريطانية- الأميركية التي سبقته (والحديث عن إحياء "العلاقة الخاصة"). إن كانت المملكة المتحدة جادة في رغبتها بإعادة إنتاج نفسها كلاعب دولي وليس أوروبياً أو أطلسياً، عليها إذن أن تبدأ بالاعتراف بأنها دولة حجمها متوسط وإمكانياتها متوسطة، وأن إرسال نصف أسطولها البحري من أجل رفع العلم في مياه متنازع عليها بعيداً عنها (كما فعلت) قد لا يكون أفضل الطرق لكي تبعث هذه الرسالة. 

لا بد أنه سيكون من الأفضل أن تستخدم المملكة المتحدة علاقاتها الدولية من أجل جمع وقيادة أوسع مشاركة ممكنة في أي مشروع تقرر تنفيذه. وأن يعتبر جونسون نفسه ليس أفضل من الباقين، بل شخصاً أقرب إلى كبير المنظمين والجامعين. وقد تكون العقبة هنا أن دولاً أخرى قد وضعت هذا الدور نصب أعينها- واحتلته إلى حد ما- وكندا أفضل مثال على ذلك.

وقد يعتبر إلقاء نظرة إلى جدول أعمال بايدن هذا الأسبوع في أوروبا تذكيراً مفيداً لجونسون والمملكة المتحدة بشأن الدور الذي قد يناسبهما في مرحلة ما بعد "بريكست". نعم، استهلت بعقد اجتماع قمة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وقمة مجموعة الدول السبع التي استضافتها المملكة المتحدة. لكن يوم الإثنين، سوف يشارك بايدن في قمة الناتو لهذا العام في بروكسل، والثلاثاء، سيبقى في بروكسل من أجل لقاء قادة الاتحاد الأوروبي؛ وسيكون الأربعاء في جنيف، حيث سيلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وسوف تتبعه عناوين الأنباء العالمية بعيداً عن المملكة المتحدة.

إن العالم واسع، وهو عالم يمكن أن تضطلع فيه بريطانيا ما بعد "بريكست" بدورها، لكن عليها أن تحذر زعمها المتواصل بـ"القيادة". فقد بدأت المملكة المتحدة فعلياً بخسارة ذلك الدور، إن تولته أساساً، في زمن توقيع أول ميثاق أطلسي تقريباً. وبعد مرور 80 عاماً على ذلك، بما فيها 50 عاماً شكلت فيها جزءاً من أوروبا، على المملكة المتحدة أن تقبل، أخيراً، الحدود التي يفرضها عليها حجمها وثروتها وأن تعمل بتعاون أكبر ضمن هذه المحدوديات. لكن يبقى أن نرى إن كان جونسون رئيس الوزراء الذي سيقود هذا التغيير في العقلية.

© The Independent

المزيد من تحلیل