Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة بايدن الأوروبية: أية قيادة وأي عالم؟

العنوان الذي يكرره رئيس الولايات المتحدة هو "عودة أميركا"

من الأقوال الشائعة "فرنسا بلد، وبريطانيا شعب، وأميركا فكرة". وهي بالطبع فكرة "أوروبية" تتأرجح بين "الكونية" و"الانعزالية". خلال الحرب الأهلية الأميركية منتصف القرن التاسع عشر قال المحارب في جيش الاتحاد أندروز بيريس، "الحرب هي طريقة الله لتعليم الأميركيين الجغرافيا". واليوم يرفع الرئيس جو بايدن شعار "الدبلوماسية أولاً" كطريقة لتعليم الأميركيين التاريخ. المحطة البريطانية الأولى في رحلة بايدن الأوروبية تعيد التذكير بأصوله الإيرلندية. هو يقول "نحن الإيرلنديين الوحيدين الذين لديهم حنين إلى المستقبل". وهم يتخوفون من حنين الرئيس الأميركي إلى الماضي غير البعيد. فالرحلة الأوروبية التقليدية لرؤساء الولايات المتحدة الأميركية لم تعد تقليدية. وبرنامج بايدن مكثف، قمة الدول الصناعية السبع في كورنوال البريطانية، وقمة الحلف الأطلسي في بروكسيل، والقمة الأميركية- الأوروبية، وقمة جنيف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ذلك أن العنوان الذي يكرره بايدن هو "عودة أميركا". فالرئيس جورج بوش الأب خاض حرب "عاصفة الصحراء" التي أخرجت صدام حسين من الكويت، وأعلن قيام "نظام عالمي جديد" بقيادة واشنطن. والرئيس جورج بوش الابن أخذ أميركا إلى غزو أفغانستان والعراق وحاول "بناء الأمم" بالقوة. والرئيس باراك أوباما عاد بأميركا إلى سياسة "القيادة من المقعد الخلفي". الرئيس دونالد ترمب ذهب ببلاده إلى اللاقيادة عبر سياسة "أميركا أولاً". والرئيس بايدن يتحدث عن عودة أميركا إلى القيادة والجلوس إلى رأس الطاولة. وما تؤكده وثيقة الأمن القومي التي حملت "التوجه الاستراتيجي الموقت" للإدارة الجديدة هو "وجوب أن تشكل الولايات المتحدة مستقبل النظام الدولي في عالم متغير".

والعالم متغير بالفعل. وأميركا متغيرة. التحدي الاستراتيجي أمام أميركا اليوم هو صعود الصين وعودة روسيا إلى الثأر لانهيار الاتحاد السوفياتي. وأميركا في الداخل منقسمة سياسياً بحدة إلى درجة أن الجمهوريين مختلفون مع الديمقراطيين على كل شيء تقريباً. ولا فائدة، كما يقول الديمقراطيون لبايدن من رهانه على التفاهم مع الجمهوريين وتغليب الوحدة الوطنية. وباء كورونا فرض نفسه على قمة الدول السبع التي تشارك واشنطن الشكوك في مصدر فيروس "كوفيد-19" وهل هو من الخفافيش أم أنه تسرب من مختبر ووهان. وليس في التوقعات أن تكشف الصين الحقائق مهما عجزت عن إزالة الشكوك. لكن العنصر اللافت في الموضوع هو الانطباع السائد الذي بدا واقعياً، "مركزة القرار في الصين أثبتت قدرة فائقة على إدارة الوباء أفضل من الديمقراطيات"، كما يقول المؤرخ البريطاني نيال فيرغوسون في كتاب "أقدار مشؤومة: سياسات إدارة الكوارث". وتحديات ما بعد الانسحاب من أفغانستان وشراء تركيا صواريخ "أس400" الروسية، ومستوى الإسهام الأوروبي في التمويل والدفاع يهيمن على قمة الناتو. واللعبة مع بوتين معقدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأبسط مثال على الخلط بين الماضي والمستقبل إعلان بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن "ميثاق أطلسي" جديد بين واشنطن ولندن. فهو، من جهة، تجديد لما سمي "العلاقات الخاصة" بين أميركا وبريطانيا التي كانت ثورة الاستقلال الأميركي ضدها. وهو، من جهة ثانية، تذكير بميثاق الأطلسي الذي وقعه الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن الظروف مختلفة. وقامات الرجال مختلفة. فلا أميركا اليوم هي أميركا التي فاخر رؤساؤها بإنقاذ أوروبا خلال حربين عالميتين وحرب باردة في القرن العشرين من "النازية والفاشية والشيوعية والعسكريتاريا اليابانية". ولا بريطانيا التي فقدت الإمبراطورية وخرجت من الاتحاد الأوروبي ولا تزال تبحث عن دور هي بريطانيا التي وقفت في وجه هتلر. لا بايدن هو روزفلت، وإن كان من حزبه الديمقراطي. ولا جونسون هو تشرشل، وإن أصدر كتاباً عنه وحاول الاقتداء به. لا الصين التي صارت الاقتصاد العالمي الثاني بعد أميركا هي صين الخمسينيات من القرن الماضي، وإن كان طموح الرئيس شي جينبينغ أن يصل إلى مقام ماوتسي تونغ. ولا روسيا هي الاتحاد السوفياتي، وإن أعادها بوتين إلى دور قوة عالمية وحكمها مطولاً في دور قيصر وزعيم حزب ورئيس.

في العام ألف، كانت الصين صاحبة حضارة ترى نفسها مركز العالم، قبل الانحدار والاحتلال وحرب الأفيون. وفي القرن العشرين كانت أوروبا مركز العالم المنقسم بين أميركا والاتحاد السوفياتي. والسؤال في القرن الحادي والعشرين، وسط عودة أميركا إلى القيادة هو هل تصبح الصين من جديد مركز العالم؟

المزيد من تحلیل