Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخارج يفرمل تدخله بأزمة الفراغ الحكومي في لبنان

الدول التي انغمست في مبادرات تتجنب الانحياز لأي فريق وبدء المزايدات الانتخابية

وزير الخارجية الفرنسي كان أول من أطلق في لبنان شعار "ساعدوا أنفسكم لنساعدكم" (رويترز)

انحصرت الاتصالات من أجل إنجاح مبادرة رئيس البرلمان نبيه بري إخراج الحكومة اللبنانية من العقد التي تعترض ولادتها بين "حزب الله" الذي كان تعهد تسهيل وساطة الأول، مع "التيار الوطني الحر" ورئيسه النائب جبران باسيل، من دون أن تقود إلى اختراق ما، في وقت يستمر تدهور الأوضاع المعيشية والحياتية للبنانيين يوماً بعد يوم على وقع الفراغ الحكومي الذي يحول دون معالجات الحد الأدنى المطلوبة.

وعلى الرغم من إعلان بري، الثلاثاء 8 يونيو (حزيران)، أن هذا الأسبوع سيكون حاسماً في الأزمة الحكومية لعله يتوصل إلى مخرج لعقدة تسمية وزيرين مسيحيين، فإن لا نتائج ملموسة من هذه الاتصالات، توحي بقرب انتهاء الفراغ الذي تلحّ الدول والمنظمات الدولية المعنية بالمساعدات للبنان على وضع حد له، كي تتمكّن من أن تسهم في انتشال وضع ماليته واقتصاده المتهاوي من الحفرة التي تزداد عمقاً.

إجراءات مالية لا تحل المشكلات الكبرى

فالإجراءات المالية التي أعلن عنها مصرف لبنان بالبدء  بتسديد 400 دولار أميركي شهرياً وعلى مدى عام، نقداً بالعملة الأجنبية، للمودعين أصحاب الحسابات منذ ما قبل أكتوبر (تشرين الأول) 2019 على مدى عام، وما يوازيها بالعملة اللبنانية على سعر صرف يبلغ 12120 ليرة، قد يستفيد منه بعض صغار المودعين مؤقتاً، لكنه لا يحل المعضلات الكبرى المتعلقة بإفلاس الدولة ووقف الدعم عن المحروقات والأدوية ومواد غذائية كثيرة باتت مفقودة، فضلاً عن خطر انقطاع التيار الكهربائي لنقص التمويل للفيول أويل من أجل تشغيل معامل الكهرباء القديمة. كما أن هذا الإجراء لا يحل مشكلة مئات الآلاف من المعدمين تحت خط الفقر الذين ازدادت أعدادهم كثيراً والذين حرمهم ارتفاع معدل البطالة من مدخول يكسبونه من عمل يومي غير ثابت.

تراجع التكهنات حول العراقيل الخارجية

بات لسان حال العواصم التي تتابع الوضع اللبناني "القرف" كما يقول أحد السياسيين المتصلين بعواصم القرار، من العراقيل التي تعترض قيام الحكومة، على الرغم من إدراكها لاضمحلال دور الدولة، ما يزيد من صعوبة استدراك الوضع الاقتصادي لاحقاً.

ويصرّ بعض المتصلين من السياسيين اللبنانيين بعواصم القرار على أن التكهنات اللبنانية حول ارتباط أزمة تأليف الحكومة بالتعقيدات الإقليمية غير واقعية أمام العراقيل المحلية والصراع على السلطة الذي تارة يأخذ طابعاً طائفياً وطوراً منحى شخصياً، على الرغم من أن بعض جوانب هذا الصراع متصل بما يجري في الإقليم. وينقل هؤلاء عن معظم العواصم أن الدول والمحاور الإقليمية منشغلة عن لبنان بما هو أهم منه، إزاء تحليلات بأن "حزب الله" لا يمارس ضغوطاً كافية على حليفه الرئيس عون ورئيس "التيار الوطني الحر" لأن إيران تمسك بتأليف الحكومة ورقة في إطار مفاوضاتها حول الاتفاق النووي ودورها في المنطقة، مع واشنطن، أو حيال معطيات بأن الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري يتمسك بشروطه لتأليف الحكومة نزولاً عند رغبة هذه الدولة العربية أو تلك، منعاً لقيام معادلة حكومية لـ"حزب الله" وإيران. فهذه النظرية بالنسبة إلى دبلوماسيين متابعين غير متماسكة، نظراً إلى أن الحكومة التي يجري العمل من أجل قيامها هي من الاختصاصيين غير الحزبيين.

تراجع الربط بين أزمات المنطقة وتعطيل الحكومة قد لا يكون نهائياً، إلا أنه جعل فرقاء كثراً وفي طليعتهم بري الذي يردد أن المشكلة محلية مئة في المئة، يقتنعون بأن لا بد من تفكيك الشروط التي يضعها بعض القوى السياسية في الداخل، والتوقف عن انتظار تدخل الخارج، الذي بات لسان حاله "قلّعوا شوككم يأيديكم"، حسبما تبلغ بعض القادة السياسيين، ومنهم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الذي كان أول من أطلق شعار "ساعدوا أنفسكم لنساعدكم" في الصيف الماضي.

فرنسا لحكومة تفاوض صندوق النقد وتحضر للانتخابات

خلية الأزمة المكلفة متابعة مبادرة بري بتشكيل حكومة من 24 وزيراً من اختصاصيين غير حزبيين من دون حصول أي فريق على الثلث المعطل، على قاعدة ثلاث ثمانات برئاسة الحريري، تبدي استغرابها إزاء المناورات التي يقوم بها بعض الفرقاء، في مطالبهم التوزيرية، وتحاول في اتصالاتها مع الفرقاء إغراءهم بأنها على التزامها تجييش المجتمع الدولي لتقديم مبالغ مالية عاجلة للبنان كي ينهض تدريجاً بموازاة الإصلاحات التي يشترط صندوق النقد الدولي تنفيذها، على الرغم من أن التأخر في التأليف زاد الأمور صعوبة وراكم المشكلات البنيوية في الاقتصاد وعلى الصعيد الاجتماعي. وترفض باريس إقحامها في التفاصيل التي يختلف عليها اللبنانيون، بعد أن شعرت بأنها أحرقت أصابعها عند انطلاق مبادرة رئيسها إيمانويل ماكرون خلال زيارته الثانية إلى بيروت في 1 سبتمبر (أيلول) الماضي. وهي تركز على تقديم المساعدات لمؤسسة الجيش والقوى الأمنية لتصمد كضمانة حفظ الأمن إزاء احتمالات اهتزاز الاستقرار الأمني بفعل تدهور الأحوال المعيشية وانتشار الفقر وتوقّف خدمات أساسية. وأبلغ مسؤولون فرنسيون بعض القادة اللبنانيين الذين التقوهم أنه لم يعُد من مهمات أساسية أمام الحكومة المقبلة سوى بندين: استكمال التفاوض مع صندوق النقد الدولي على رزمة الإصلاحات والقروض المقابلة لها، والتحضير للانتخابات النيابة في مايو (أيار) 2022.

موسكو لا تنحاز لأي فريق وواشنطن تراقب

في وقت تركّز الدبلوماسية الأميركية على الجيش اللبناني، وتقدم له المساعدات العسكرية والتدريب وتحث الدول الحليفة الغربية والعربية على مدّه بما يضمن صموده على الصعيدين الصحي والطبي، بعد انخفاض قيمة رواتب ضباطه وجنوده، وتراهن عليه لحفظ الاستقرار ولا تبدي أي رأي أو موقف سوى تكرار ما يجمع عليه المجتمع الدولي بأن قيام الحكومة هدف عاجل. فالجانب الأميركي منشغل بأزمات أكثر أهمية، كانت أصلاً صرفته عن الاهتمام بالوضع الإقليمي، الذي عاد فجذب واشنطن بسبب حرب غزة- القدس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما موسكو التي انغمست في الأشهر الماضية في محاولة التقريب بين الفرقاء وحثت على الأمر ذاته، فاستقبلت وفداً من "حزب الله" والحريري وباسيل، وتستعد لاستقبال مزيد من القادة اللبنانيين، فإنها مع إعلانها تأييدها قيام الحكومة في سرعة برئاسة الحريري على الرغم من خصومته مع عون، انطلق من أنه يحظى بتكليف من أكثرية المجلس النيابي، أخذت تحاذر ممارسة النصح والضغوط على أي من الفرقاء بعدما قامت بمساعٍ مع باسيل لتليين موقفه. وباتت الدبلوماسية الروسية تؤكد للقادة اللبنانيين، أنها لا تقف مع فريق على حساب الآخر، وتفضّل البقاء على علاقة مع جميع الفرقاء.

أما الموقف العربي، فهو متفاوت الاهتمام والمتابعة بأزمة الحكومة في لبنان. وإذا كانت القيادة المصرية قامت بحراك سياسي لافت، فزار بيروت وزير الخارجية سامح شكري قبل شهرين وناقش أسباب تعثر تأليف الحكومة، وتعاطفها مع الحريري الذي ظهر في استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي له في فبراير (شباط) الماضي، إلا أن موقفها انتهى إلى تأييد حاسم لمبادرة الرئيس بري ووساطته من أجل تسهيل قيام الحكومة.

الخليج لا يتدخل ولا يعترض على أحد

وينقل أكثر من سياسي لبناني عن مسؤول خليجي قوله إن التكهنات عن أن هذه الدولة أو تلك تعارض تشكيل حكومة في لبنان نتيجة موقف من الحكم فيه، هي مجرد شائعات. فالدول الخليجية لا تتدخل في المسألة الحكومية وتترك للقوى السياسية أن تأخذ خياراتها، وليس لديها اعتراض على أحد، ولا تريد من لبنان سوى ألا يكون منصة للعمل ضد الدول الخليجية. وهناك استعداد لمساعدة البلد اقتصادياً، استناداً إلى مشاريع أُعدّت سابقاً وجرى التحضير لها، وجل ما يهمها، كائناً من تولّى المسؤولية ألا تُقابل مساعداتها بالمواقف العدائية التي تمسّ أمنها وموقفها وسيادتها، خصوصاً إذا كان له طابع رسمي أو من جهة ممثلة في الحكومة، لا أكثر.

إذا كانت هذه العينة من المواقف الدولية تشير إلى ما يسمّيه بعض السياسيين اللبنانيين "تعب" دولي وعربي من لبنان، فإن انتظار توافق فرقائه على تركيبة حكومية هو الاتجاه الغالب، وسط توقّع الدول العربية بأن يحافظ على سياسة النأي بالنفس عن صراعات المنطقة.

إلا أن الصراع السياسي الداخلي بين القوى المختلفة قد يكون أقحم تأليف الحكومة في الحسابات الانتخابية للاستحقاق النيابي الذي يسبق انتخابات رئاسة الجمهورية بخمسة أشهر  العام المقبل، وهو سبب إضافي لمزيد من التعقيدات في تأليف الحكومة، لأنه يعزز المزايدات باستنهاض العصبيات على أشكالها المناطقية والطائفية والسياسية.

المزيد من تقارير