Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أقدم نصب تذكاري للحرب في العالم مدفون بـ"تل البنات" في سوريا

الاكتشاف جاء بعد عقود من سعي العلماء لفك طلاسم المقابر الجماعية هناك

البعثة الأميركية بإدارة توماس مكليلان من متحف الجامعة للآثار والأنثروبولوجيا الأميركي (صورة أرشيفية ـ اندبندنت عربية)

منذ عام 1988 لم تتوقف مساعي علماء الآثار لمعرفة طبيعة تل سوري أثري يحوي في جوفه مقابر ومدافن جماعية، قبل أن يغمره نهر الفرات، وظل التل مثار تساؤلات دفعتهم لفك شيفرات تعود للألفية الثالثة قبل الميلاد وأسرار مدافن ومقابر جماعية حملت اسم "تل البنات".

تلة "البيضاء" الغامضة

وفي منطقة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي يرتفع تل "البنات"، أو ما يسمى "البيضاء" بمساحة تمتد 32 هكتاراً. وعبر عقود، وصلت إلى هذا المكان عدة حملات تنقيب توصلت في نهاية المطاف إلى اكتشاف مهم نشرته مجلة Antiquity (العصور القديمة) في أواخر مايو (أيار) الماضي أفضى بأن التل يحوي أقدم نصب تذكاري للحروب في العالم إلى الآن.

وتوصل علماء الآثار إلى أن دفن القتلى بشكل منهجي يشير إلى أن "التلة نصب تذكاري لجيش الدولة مقارنة بقتلى الجيوش المهزومة بعدما كانوا يدفنونهم بمقابر جماعية وبشكل عشوائي"، ولمحت الدراسة عن وجود نصب تذكارية عدة لمعارك أخرى مع نقوش مثّلت تكريماً للنصر.

اكتشافات متواصلة

ولمعرفة أكثر عن الموقع الأثري تحدث لـ "اندبندنت عربية" الباحث السوري الكردي في علوم الآثار، إسماعيل شيخ نبي (جول بك)، وبحسب رأيه تكمن أهمية النصب في "كونه يهدف إلى تخليد قتلى الحرب بشكل خاص الجهة المنتصرة، بينما قتلى العدو يدفنونهم من دون اهتمام".

ويرى أن ما يقود للاعتقاد إلى اعتباره كنصب تذكاري للحرب والوصول إلى عدة براهين منها عدم العثور على هياكل عظمية تعود لنساء، واحتواء المدافن على تجهيزات العسكر ومستلزماتهم الحربية وأسلحتهم، وحتى بعض أجزاء من عرباتهم العسكرية، وأهمية النصب التذكاري، حسب الباحث "جول بك" يكمن في كونه الأقدم والأكبر، وهناك تشابه بطريقة الدفن مع هرم "سقارة" المدرج بمصر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مزيد من البحوث

من جانبهم، يعتقد الفريق الباحث أن ما وصلوا إليه من اكتشاف جديد يحتم عليهم الاستمرار بالعمل على مشروع كبير، ويوفر الكشف الأخير أرضية خصبة للمزيد من البحوث الأثرية بغية فهم مغزى باقي المواقع في شمال ووسط سوريا.

وقالت الباحثة والبروفسورة، آن بورتر، من جامعة تورونتو والمؤلفة الرئيسة للبحث التي عملت قبل عقود ضمن فريق التنقيب بالموقع، إن "القدماء كرموا القتلى في المعركة كما نفعل نحن".

وكانت أعمال التنقيب قد بدأت من قبل البعثة الأثرية برئاسة الأميركي توماس مكليلان وآن بورتر بين 1988 و 1999 قبل غمر وادي نهر الفرات من قبل "سد تشرين".


 
هياكل ومدافن معقدة 

الاكتشاف المثير للاهتمام عن النصب التذكاري يدفع بالمقابل الباحث الأثري "جول بك" إلى تسليط الضوء على هياكل الدفن غير المعتادة الموجودة هناك، وهي ذات أهمية خاصة، لأنها تشير إلى علاقات اجتماعية معقدة تتجاوز التقسيمات الطبقية البسيطة. ويستعرض أقسام المدافن والمقابر الجماعية وفق شرحه للهياكل العظمية: "لقد شملت بلا أدنى شك الرعاة الذين يستخدمون السهوب إلى الشرق من المستوطنة، والمزارعين في وادي النهر، وتشمل الهياكل في تل جنائزي كبير خارج المدينة، وواحد آخر داخل المدينة أسفل المباني العامة في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد".

ويشرح الباحث أكثر عن واقع المقابر التي تضمها التلة، فهي بالإضافة إلى كل ذلك تحوي قبراً مبنياً بالحجارة من خمس غرف شُيدت جنباً إلى جنب مع تلك المباني في التل المخروطي (تل النبات)، أو المسمى التل الأبيض.

ويلفت النظر إلى وجود هندسة معمارية فريدة من نوعها، فإن العديد من الأشياء تحوي أوجه تشابه في جنوب بلاد ما بين النهرين والأناضول وبحر إيجه، حيث "يضم التل أواني المرمر المزينة ببيض النعام ومجموعة متنوعة من الأشياء المطعمة ليست سوى بعض المواد التي تعكس هذه الروابط الدولية".

الحفريات قبل غمر الفرات

في المقابل، ركزت الحفريات على الجهة الجنوبية الغربية والشمالية الغربية عبر البعثات الأثرية في نطاق ضيق من الربع الجنوبي الشرقي، وتشير المسوحات الجيوفيزيائية التي أجراها بروس بيفان وتاتينا سيمكالوفا عام 1997 إلى أن "التل الشمالي بدا كواحد من عدة مدافن ترابية صغيرة، ويلقب بتل البنات". 

ويضيف الباحث الأثري، في مستهل حديثه عن أعمال التنقيب المتوالية التي عملت في التل "سبق هذا الجزء تنقيب في جبل بازي بشكل منفصل تحت إشراف أديلهيد أوتو وبيرتولد إينواج عام 1993، فصاعداً، وكشف عن بوابة غير عادية (مبنى بازي الثاني) على قمته".

وهكذا أثمر جهد العلماء والفريق البحثي باكتشاف جديد عن أقدم نصب تذكاري دفع بالباحثين إلى السعي للغوص أكثر في معرفة طبيعة التلال الأثرية على امتداد شرق نهر الفرات واكتشاف المزيد من أسرارها بعد معرفتهم الأخيرة وكشفهم عن أقدم نصب تذكاري عن الحرب.

المزيد من تقارير