Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا انتشر "حرق الجثث" في العالم؟

تكمن الإجابة في عوامل اقتصادية وديموغرافية واجتماعية ودينية عدة

يتطلب حرق الجثث في الهند قطع ملايين الأشجار (اندبندنت عربية)

في حال بحثنا في محرك "غوغل" عن كلمة "حرق الجثث" بالإنجليزية، أولى النتائج التي ستظهر لنا هي إعلانات لشركات متخصصة في هذا النوع من الحرق منتشرة في أوروبا والولايات المتحدة، حيث راج تقليد حرق الجثث منذ بدايات القرن العشرين لأسباب بيئية وصحية وأخرى تتعلّق بالكلفة المادية، وتزايدت هذه العمليات مع انتشار فيروس كورونا. وتقدّم الشركات عبر مواقعها الإلكترونية معلومات تفصيلية عن الوسائل المتبعة لحرق الجثث، وكيفية التخلّص أو الحفاظ على الرماد المتبقي إما بحسب توصية المتوفي أو أهله وأصدقائه.

كما تقدّم المواقع الإلكترونية الكثير من المعلومات التاريخية حول حرق الجثث وعلاقتها بالأديان في العالم وتأثير نثر الرماد في الطبيعة على البيئة ومعلومات قانونية حول الحرية الشخصية وحرية اختيار مآل الجسد بعد الموت، وغير ذلك من معلومات مطمئنة لمن يريد الإقدام على هذه الخطوة بعد وفاته.

تفاصيل عملية الحرق

وفقاً لتقرير صدر عام 2017 عن جمعية الحرق في أميركا الشمالية فإنه للمرة الأولى، يختار عدد أكبر من الأميركيين حرق الجثث بدلاً من الدفن. أما عن أسباب اتخاذهم هذا القرار، فتكمن الإجابة في عوامل اقتصادية وديموغرافية واجتماعية ودينية عدة.

كلفة الحرق تبلغ ثلث تكلفة الدفن التقليدية التي تتطلّب النعش أو التابوت الخشبي ومراسم الدفن ونفقات إضافية أخرى. بينما "عندما تعمد أنت أو أحباؤك إلى حرق الجثث، فإنك تبسّط الخيارات التي ربما تكون مطلوبة من العائلة للقيام بها لخدمة الجنازة التقليدية"، بحسب دعاية إحدى شركات "الحرق".

أما السبب الثاني، فهو أن الكثير من الأميركيين يعيشون بعيداً من مسقط رأسهم، ما يمنعهم من المشاركة في المراسم التقليدية، فيكون قرار حرق الجثة وسيلة لهم لتقديم التعازي عن بعد. ويوفّر حرق الجثث قابلية للنقل ومرونة أكبر في خدمات إحياء الذكرى على عكس الخدمة التقليدية، ويمكن حرق الجثة على الفور وإقامة مراسم الذكرى بحسب توقيت كل قريب أو صديق للمتوفي ولو بعد أسابيع أو أشهر. وهناك سبب آخر هو تخفيف الأديان المختلفة من رفضها لحرق الجثث كبديل للدفن التقليدي، بخاصة بعد انتشار فيروس كورونا والمحاذير والممنوعات الكثيرة المفروضة على عمليات الدفن التقليدية وعلى أقارب المتوفي بسبب هذا الفيروس.

أما التأثير البيئي، فيتمثّل أولاً في التخفيف من استخدام الأرض لدفن الموتى، وهذا ما بات واضحاً في بعض الدول الأوروبية كألمانيا، حيث انحسرت مساحة المقابر التقليدية بما يقارب الثلث خلال أعوام قليلة بعد سريان الحرق.

ورماد الموتى لا تأثير ضار له في البيئة، سواء حُفظ في وعاء من السيراميك أو نُثر في الطبيعة أو في البحار كما يطلب الموتى عادة. تقدّم شركات الحرق عرضاً وافياً عن مسيرة عملية الحرق بالتفصيل، إيضاحاً لطالب حرْق جسده بعد وفاته، أو لأصدقائه الذين يمكنهم تقديم الطلب مباشرة عبر الموقع ودفع التكاليف إلكترونياً.

تستخدم محارق الجثث الحديثة أفراناً صناعية مصممة فقط لحرقها. تستغرق العملية حوالى ساعتين أو ثلاث ساعات حتى تكتمل. وتحرص المحرقة على تحديد هوية المتوفى بشكل صحيح ومن كون المشغّل والفرن آمنين والتعامل مع المتوفى بعناية واحترام والتأكد من نوعية الحالة إذا ما كانت تسمح لأسرة المتوفى بمشاهدة الحرق ومن عدد الذين باستطاعتهم الحضور من أقارب وأحباء المتوفى.

في البداية، يزيل العاملون في المنشأة المجوهرات أو المتعلقات الأخرى التي يرغب الأقارب بالاحتفاظ بها. وتُزال الأجهزة الطبية والأطراف الاصطناعية الميكانيكية أو التي تحتوي على بطاريات، لمنع حدوث تفاعل أثناء عملية الحرق. ولا يُعاد استخدام الأجهزة بأي حال من الأحوال، بل يتم تفكيكها وصهرها والتخلص منها بطريقة قانونية.

يؤدي حرق الجثث إلى تخلّص الجسم من عناصره الأساسية بعد تعرّضه للّهب المكشوف والحرارة الشديدة التي تبلغ 2000 درجة مئوية، ومن ثم إلى التبخّر، وفي بعض الأفران يوضع الجسد في حاوية قابلة للاشتعال مثل التابوت الخشبي أو صندوق صلب من الورق المقوى. والرماد الناجم عن عملية الحرق يحتوي غالباً على شظايا من العظام. وينتج من عملية الحرق ما يتراوح بين 3 إلى 9 أرطال من الرفات.

بعد الانتهاء من عملية الحرق، يُزال المعدن المتبقي وتُطحن البقايا. ومن ثم ينقل "الرماد" إما إلى وعاء مؤقت أو إلى جرّة توفرها الأسرة. وفي النهاية، يكمل الموكل أو المكلّف من قبل المتوفى الأعمال الورقية التي تحدّد من سيأخذ البقايا ونوع الحاوية التي ستوضع فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التاريخ الغربي للحرق

يتفق الأركيولوجيون وعلماء الآثار على أن حرق الجثث ربما بدأ خلال العصر الحجري المبكر أي حوالى 3000 عام قبل الميلاد، وكان على الأرجح في أوروبا والشرق الأوسط بحسب ما دلّت الحفريات حتى اليوم. وبالطبع، فإن هذا النوع من المعلومات تتغيّر دائماً بحسب الاكتشافات الجديدة التي تظهر دائماً عاماً بعد عام.

وبحسب تحقيق لمجلة "ناشيونال جيوغرافيك"، فإنه خلال أواخر العصر الحجري، بدأ حرق الجثث ينتشر عبر شمال أوروبا كما توضح اكتشافات الجرار الفخارية المزخرفة في غرب روسيا بين الشعوب السلافية.

مع ظهور العصر البرونزي - 2500 إلى 1000 قبل الميلاد، انتقل حرق الجثث إلى الجزر البريطانية وإلى ما يعرف الآن بإسبانيا والبرتغال. وتطورت مقابر حرق الجثث في المجر وشمال إيطاليا، وامتدت إلى شمال أوروبا حتى إيرلندا.

وعام 1000 قبل الميلاد، أصبح حرق الجثث جزءًا لا يتجزأ من عادات الدفن الإغريقية، والاعتقاد العلمي السائد أنه قد تم تشجيع عمليات الحرق لأسباب صحية، خصوصاً مع ارتفاع هائل في أعداد القتلى من المحاربين في بلاد الإغريق التي خاضت حروباً طاحنة على مدى قرون. وانتقلت هذه العادة من الإغريق إلى الرومان الأوائل نحو 600 قبل الميلاد. ويبدو أنه أصبح دارجاً إلى حدّ اضطرت السلطات المحلية إلى إصدار مراسيم رسمية في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تمنع حرق الجثث داخل المدن.

بحلول زمن الإمبراطورية الرومانية بين أعوام 27 قبل الميلاد حتى عام 395 ميلادية، باتت عملية حرق الجثث تمارس على نطاق واسع. وتم تخزين بقايا الجثث المحترقة بشكل عام في أواني حُفظت داخل مباني تشبه "الكولومباريوم". وبعدما أصبحت المسيحية دين الإمبراطورية الرومانية، استُبعد حرق الجثث بصفته عملاً وثنياً، واعتمُد القبر الحجري لدفن الموتى. وبحلول عام 400 بعد الميلاد، حلّ الدفن في قبور محل حرق الجثث بالكامل، باستثناء حالات ظروف نادرة كالطاعون أو الحروب الكثيفة.

منذ ما يزيد قليلاً على قرن، عرض البروفيسور برونيتي من إيطاليا نموذجه لفرن حرق الجثث في معرض فيينا عام 1873، فعادت حركة حرق الجثث رويداً رويداً على جانبي المحيط الأطلسي. وفي بريطانيا، رعى جراح الملكة فيكتوريا السير هنري طومسون هذه الحركة وأسس مع زملائه جمعية حرق الجثث في إنجلترا عام 1874. وبنيت أولى محارق الجثث في أوروبا عام 1878 في ووكينغ بإنجلترا وغوتا في ألمانيا.

في هذه الأثناء، انطلقت عمليات الحرق في أميركا الشمالية بدءًا من عام 1876، عندما بنى الدكتور جوليوس لوموين أول محرقة جثث في واشنطن. وعام 1884، افتتحت المحرقة الثانية في لانكستر بولاية بنسلفانيا. وسرعان ما ظهرت محارق الجثث في بوفالو ونيويورك وبيتسبرغ وسينسيناتي وديترويت ولوس أنجليس.

وبحلول عام 1900، كان هناك بالفعل 20 محرقة جثث قيد العمل. ومن ثم أسس الدكتور هوغو إريكسن جمعية حرق الجثث الأميركية عام 1913 حين كان هناك 52 محرقة جثث في أميركا الشمالية، وتم إحراق أكثر من 10000 جثة في ذلك العام.

وعام 1975، تم تغيير الاسم إلى رابطة حرق الجثث في أميركا الشمالية بعضوية الولايات المتحدة وكندا. في ذلك العام، كان هناك أكثر من 425 محرقة وحوالى 150000 عملية حرق.

حرق الجثث والبيئة

خلال الأعوام الأربعة الماضية، بحسب تحقيق "ناشيونال جيوغرافيك" بالإنجليزية، تجاوز عدد عمليات حرق الجثث عمليات الدفن في القبور في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وبدأت الشركات بالظهور والترويج لعمليات إبداعية لاستخدام رماد المتوفى، مثل استعمالها لإنشاء شعاب مرجانية بحرية، أو ضغطها في مكابس خاصة لتحويلها إلى ألماس.

البيئة

من الصحيح أن حرق الجثث أقل ضرراً من دفن جسم مليء بالفورمالديهايد في التراب، إلا أن معارضي هذه العملية على الصعيد البيئي يعتبرون أن حرق الجثث يتطلّب الكثير من الوقود، وينتج منه ملايين الأطنان من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. لكن في الواقع، تمّ حساب كميات هذه الانبعاثات وتبيّن أن متوسط ​​حرق الجثث في الولايات المتحدة مثلاً، يستهلك القدر ذاته من الطاقة تقريباً وله الانبعاثات ذاتها مثل خزّانين من الغاز في سيارة.

في الهند حيث تدخل عملية حرق الجثث في صلب المعتقدات الدينية لدى الهندوس، يتم الحرق في محرقة في الهواء الطلق، ما يتطلب قطع ملايين الأشجار من أجل الحطب الذي تحتاج إليه عمليات الحرق لآلاف الموتى يومياً، وتزايد هذا العدد تلقائياً مع موجة تفشي فيروس كورونا في الأشهر الماضية في البلاد، ما أدى إلى موت الآلاف، فانتشرت عمليات الحرق في كل مكان وتم استخدام آلاف الأطنان من الخشب، ما أسهم في تلوث إضافي على التلوث الكبير أصلاً للهواء ولنهر الغانج حيث تُرمى بقايا عمليات الحرق.