Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل صار لوكاشينكو عبئا على بوتين؟

أصوات تنادي بالوحدة بين روسيا وبيلاروس حلاً لكل أزمات المنطقة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو (أ ف ب)

عادت أجواء التوتر لتخيّم على عدد من مناطق الفضاء السوفياتي السابق، وعلى الرغم من أن التحقيقات لم تكن قد بدأت بعد، منذ إرغام طائرة "ريان إير" الإيرلندية التي كانت في طريقها من اليونان إلى ليتوانيا، على الهبوط في مطار "مينسك" عاصمة بيلاروس، واعتقال أحد ركابها ورفيقته المواطنة الروسية، فقد توالت العقوبات والتهديدات في حق بيلاروس ورئيسها ألكسندر لوكاشينكو من جانب بلدان الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الغربية الأخرى، من دون انتظار نتائج هذه التحقيقات.

روايات وتأويلات

تفاصيل حادثة إرغام طائرة "ريان إير" كثيرة، وتحمل بين ثناياها كثيراً من المتناقضات، فيما يكتنف الغموض معظم جوانبها. فمن قائل إن قرار الهبوط بمطار مينسك كان بإرادة خالصة من جانب طاقم الطائرة، إلى آخر يقول إن هناك من أرغم الطاقم على الامتثال لأوامر تقول بضرورة تغيير وجهة الطائرة والهبوط في مطار مينسك، إلى ثالث يكشف عن وصول بلاغ من منظمة "حماس" حول وجود قنبلة على متن الطائرة.

وتوجد أخبار أخرى تتحدث عن خطة دبّرتها أجهزة الأمن البيلاروسية لاختطاف أحد ركاب الطائرة، وهو معارض بيلاروسي كان انضم إلى فصائل المعارضة التي دبرت محاولة إطاحة رئيس بيلاروس صيف العام الماضي، بل وهناك من مضى إلى ما هو أبعد من أجل الزج باسم روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، في إطار ما يقال حول أن كل ما يجري من محاولات لإثارة عدم الاستقرار في بلدان الفضاء السوفياتي السابق يستهدف في نهاية المطاف "روسيا ورئيسها".

وبينما كانت الدوائر السياسية في الاتحاد الأوروبي تعكف على درس ما اتخذته لاحقاً من قرارات وعقوبات ضد بيلاروس وعدد من كبار قياداتها ومسؤوليها، كانت موسكو تنتفض بحثاً عن سبيل لإنقاذ بيلاروس من براثن هذه العقوبات شديدة الوطأة، بعيدة المدى التي لا بد من أن تنسحب تبعاتها بشكل أو بآخر على مصالح روسيا في المنطقة.

وكانت المصادر الرسمية سواء المتحدثة باسم الكرملين أو الخارجية الروسية قد سارعت إلى إدانة هذه العقوبات، وطالبت بتقصي الحقائق، وإن صدرت "التعليمات" على ما يبدو إلى ممثلي الأوساط الإعلامية المعروفة بصلاتها القريبة من الكرملين ودوائر صناعة القرار بالتفرغ لتناول هذه القضية من مختلف جوانبها، بما في ذلك ما تريد أن يكون بمثابة "بالون اختبار" للرأي العام المحلي والدولي.

وكشفت المصادر الرسمية عن خطاب رسمي لرئيس بيلاروس قالت إنه سيتناول فيه كل ملابسات الحادثة، قبل أن يتوجه إلى سوتشي على ضفاف البحر الأسود للقاء الرئيس بوتين شريكه الاستراتيجي ونصيره الرئيس الذي سبق وأنقذه من براثن محاولات المعارضة إطاحته في أغسطس (آب) الماضي، وهو ما سجّلناه في حينه في أكثر من تقرير من موسكو خاص بـ "اندبندنت عربية".

لوكاشينكو لم يدفع ثمن إنقاذه

وانطلقت البرامج الحوارية الرئيسة على القنوات التلفزيونية الرسمية في محاولة للتخفيف من وقع "الحادثة"، بعد أن أعلن دميتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين "على حد فهمنا كان هناك بلاغ عن وجود تهديد معين على متن الطائرة. ووفقاً للقواعد الدولية جرى إصدار تنبيهات ضرورية. أو بعبارة أخرى كان هناك احتمال وجود تهديد محدق بحياة المواطنين الروس، بل وبحياة جميع من كانوا على متن الطائرة، وكما يقال جرى اتخاذ بعض الخطوات من المراقبين الجويين بهدف التقليل من هذا التهديد".

وكانت الخارجية الروسية قد اكتفت بالقول إن ما حدث "يتوافق مع المعايير الدولية"، "وإن الشركاء الغربيين يواصلون الكيل بمكيالين"، فيما أعادت إلى الأذهان إرغام طائرة رئيس بوليفيا إيفو موراليس بعد انتهاء زيارة له لموسكو عام 2013 على تغيير مسارها والهبوط في مطار فيينا لتفتيشها بحثاً عن المواطن الأميركي إدوارد سنودن الذي كان أعلن طلبه اللجوء إلى روسيا. أما عن اعتقال رومان بروتاسيفيتش المعارض البيلاروسي فقالت إنه "أمر داخلي يخص بيلاروس".

وبينما تعكف المؤسسات الرسمية والأجهزة الأمنية الروسية على درس كل ما يتعلق بالحادثة وردود الفعل الغربية تجاهها، تعالت الأصوات التي تباينت توجهاتها ومقاصدها بقدر تباين مواقف أصحابها، منهم "مواطنون" من بيلاروس جرت دعوتهم إلى هذه البرامج الحوارية للتعبير عن وجهة نظر وموقف مينسك، ومن هؤلاء من أقر بحق بيلاروس في ملاحقة معارضيها أينما كانوا، واستشهد بذلك بما قاله بوتين من موقعه كرئيس للحكومة الروسية عام 1999 مع بدء حملته ضد الانفصاليين الشيشان حول أنه "سيلاحق الإرهابيين أينما كانوا وحتى في المراحيض".

لكن اتجاهاً بدأت ملامحه تظهر على استحياء تارة، وتلميحاً يكاد يبلغ حد التصريح تارة أخرى، وصراحة تبدو أقرب إلى المناشدة تارة ثالثة، وكلها تدور في إطار "ضرورة الاستفادة من الحادثة بما يخدم مصالح روسيا وأهدافها بعيدة المدى".

وكان التوجه الذي يقول ضمناً بالندم على ما قامت به موسكو لإنقاذ "حليفها" ألكسندر لوكاشينكو في بيلاروس بعد الانتخابات الرئاسية في أغسطس من العام الماضي، من دون أن يقابل ذلك بخطوات في اتجاه يخدم مصالح الدولة الروسية، ومنها "اعتراف بيلاروس بشرعية ضم القرم"، قالوا ما معناه إن "لوكاشينكو لم يدفع ثمن إنقاذه في العام الماضي"، كما أنه يمارس ضغوطاً ضد الحزب الموالي لروسيا في بيلاروس، فضلاً عن أنه لم يستجب بعد لإقامة قاعدة عسكرية روسية في بيلاروس، لكن هناك أيضاً من قال إن ما قامت به بيلاروس لاعتقال شاب في الـ 26 من عمره لا يعني أية قيمة أو أهمية سياسية، لم يكن يستحق مثل هذه التضحيات، وهو تقدير يعني ضمناً "تصديق ما قالته الدوائر الغربية حول أن النظام في بيلاروس دبر عملية إرغام الطائرة على الهبوط بمطار مينسك لاختطاف المعارض البيلاروسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لوكاشينكو في مصيدة الغرب

وظهر آخر يقول إن لوكاشينكو وقع في مصيدة نصبتها له الدوائر الغربية بتدبير الإبلاغ عن متفجرات على متن الطائرة، ليتخذ ما تنص عليه تعليمات مواجهة المخططات الإرهابية، أي إبلاغ قائد الطائرة بهذه المعلومات وتوصيته بالهبوط في أقرب مطار، وكان في تلك اللحظة "مطار مينسك". أما عن المعارض البيلاروسي رومان بروتاسيفيتش الذي شارك في تأجيج جماهير المعارضة ضد لوكاشينكو صيف العام الماضي من موقعه كرئيس لموقع "نيكستا" الإلكتروني في بولندا، فقالت مصادر روسية إنه شارك في السابق في فصائل "الإرهابيين النازيين" التي دفعت بها السلطات الأوكرانية إلى "الجمهوريتين الانفصاليتين" دونيتسك ولوجانسك غير المعترف بهما، في جنوب شرقي أوكرانيا.

وتساءلت هذه المصادر عن السبب الذي حال من دون مساءلته عن مشاركته في هذه "العمليات الإرهابية" في حينه، فيما عزت ذلك إلى أن لوكاشينكو كان آنذاك صديقاً للسلطات الأوكرانية التي كان يخطب ودها على الرغم من علاقاته الوثيقة مع روسيا، وموقع بلاده في "الدولة الاتحادية بين روسيا وبيلاروس". لكن هناك من انبرى ليكشف عن انقسامات بين صفوف المعارضة البيلاروسية في الخارج، ويظل بروتاسيفيتش طرفاً فيها مع سفيتلانا تيخانوفسكايا زعيمة المعارضة في إطار التنازع على قسمة ما يرد إلى المعارضة من أموال لدعم نشاطها، وإن لم نجد ما يؤكد هذه المعلومات.

هل تتخلى موسكو عن لوكاشينكو؟

على أن كل ذلك لم يكن سوى تمهيد ومقدمات للتوصية بما يجب أن يكون عليه سلوك لوكاشينكو خلال الأسابيع القليلة المقبلة، إن كان يريد حقاً أن تقف روسيا إلى جانبه، على اعتبار أنه ليس هناك سوى روسيا والصين وحدهما تقفان إلى جوار بيلاروس في وجه الضغوط الغربية.

وفي هذا الصدد جرى التلويح باحتمالات تخلي موسكو عن حمايته بما قد يسفر في نهاية المطاف عن ملاحقته عبر "محكمة لاهاي"، شأن ما جرى مع عدد من قيادات يوغوسلافيا السابقة، لمحاسبته على جرائم ثمة من يقول "إنها متعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان".

وتحول كثير من المراقبين إلى التركيز على ما يجب أن يفعله لوكاشينكو لاستمالة موسكو إلى جانب جهوده الرامية إلى الخروج من المأزق الراهن. وإذ أشاروا إلى أنه يظل مدعواً إلى مواصلة الإصلاحات الدستورية في بيلاروس، والاستفتاء على الدستور الجديد الذي يجب أن يعقبه الاستفتاء الشعبي، مقدم لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، قالوا بضرورة البحث عن البدائل الموالية لموسكو لقيادة بيلاروس.

وتظل التكهنات في إطار ما يجب أن تقوم به روسيا بالتعاون مع بيلاروس خلال الفترة المقبلة من منظور السير بخطوات حثيثة نحو تنفيذ ما جرى توقيعه من اتفاقات حول الدولة الاتحادية التي يتعثر التوصل إليها منذ جرى الإعلان عنها للمرة الأولى في أبريل (نيسان) 1996، قبيل الولاية الثانية للرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين. وذلك كله يتوقف على أمرين، أولهما الانتهاء من تقصي الحقائق والكشف عن حقيقة "البلاغ حول وجود متفجرات على متن الطائرة"، وما إذا كان قائد الطائرة الإيرلندية هو الذي اتخذ قرار الهبوط في مطار مينسك بعد استشارة قيادة شركة "ريان إير". أما الأمر الثاني فسيتوقف على ما قد يصل إليه من نتائج الرئيسان بوتين ولوكاشينكو في لقائهما المرتقب يوم الجمعة المقبلة في سوتشي، الذي تظل دولة الوحدة بين بلديهما هي "الغائب الحاضر" دائماً ضمن جدول أعمال الرئيسين، وهناك من يقول في روسيا إن الوحدة المرتقبة مع بيلاروس يجب أن لا تتوقف عند حدود الدولتين، لتضم إليها لاحقاً أوكرانيا، بما يحقق "الحلم المؤجل" والأمل المرجو في إعادة بناء الدولة السلافية، ربما كمقدم لاستعادة "روسيا التاريخية"، في إطار الحدود التي تحدث بوتين عنها خلال الأسابيع القليلة الماضية، في إشارة غير مباشرة إلى "حدود الإمبراطورية الروسية القديمة".

المزيد من تحلیل