Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سلطنة عمان تواجه أولى تحدياتها السياسية في العهد الجديد

أقرت عددا من المبادرات الاقتصادية على وقع احتجاجات تشهدها مدن عدة

اعتاد المتابعون للشأن العُماني أن تكون السلطنة في صدارة الأخبار عبر السياسات التي يصنعها رجال الدولة، إلا أن الساعات الماضية شهدت حضوراً للمواطنين بشكل غير مألوف.

إذ أظهرت لقطات وصور نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، محتجين محتشدين في مدينة صحار شمال البلاد، مطالبين بتحقيق إصلاحات في نظام العمل، واحتواء أزمة البطالة وخسارة الشباب وظائفهم جراء التردي الذي يخلقه فيروس كورونا، لتتصدر الاحتجاجات الأخبار المقبلة من الدولة الخليجية الهادئة.

واستجاب الديوان السلطاني للمطالب سريعاً، بعد أن وجه السلطان هيثم بن طارق بسرعة "تنفيذ المبادرات التشغيليّة بوفير ما يزيد عن 32 ألف فرصة عمل خلال هذا العام".

وقالت وكالة الأنباء العمانية إن المبادرة تتضمن أيضاً "توفير ما مجموعه 2000 فرصة عمل بالقطاع الحكومي بنظام العقود المؤقتة حسب الاحتياجات الفعلية للمؤسسات الحكومية في مختلف محافظات السلطنة، وتوفير ما مجموعه مليون ساعة للعمل الجزئي في المؤسسات الحكومية بمختلف محافظات السلطنة".

وتضمن التوجيه دعم أجور العمانيين الداخلين الجدد لسوق العمل في القطاع الخاص بما مقداره 519 دولار أميركي، بالإضافة إلى صرف إعانة شهرية مقطوعة من صندوق الأمان الوظيفي تقدر بحوالي 500 دولار أميركي لمدة ستة أشهر للعاملين لحسابهم الخاص المؤمن عليهم لدى الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية المتأثرة أعمالهم بسبب الوضع الاقتصادي، والمواطنين العاملين بدول مجلس التعاون الخليجي.

صلالة تربط الجنوب بالشمال

لم يكن التوجيه السلطاني هو الاستجابة الرسمية الأولى، إذ أصدرت وزارة العمل بياناً أمس 24 مايو (أيار) أكدت فيه اهتمامها الكبير بـ "تجمع عدد من المواطنين أمام مبنى المديرية العامة للعمل بمحافظة شمال الباطنة، مطالبين بإيجاد فرص عمل وحل مشكلة بعض المسرحين منهم، وقد تم الاستماع لهم بكل مهنية، وأخذ بياناتهم العلمية والعملية، لاستيعابهم بحسب الفرص المتوافرة في القطاعات المختلفة".

وأكدت الوزارة أن مصلحة المواطنين وخدمتهم تمثل أهمية وغاية نبيلة، وهي تعمل في ذلك مع القطاعات الأخرى "وفق إمكاناتها المتاحة"، مضيفة، "نود التنويه على أهمية التكاتف مع مؤسسات الدولة للحفاظ على المكتسبات وأخذ الأخبار من المصادر الرسمية".

لكن بيان الوزارة لم يكن مقنعاً للمتظاهرين، فقد شهد ما بعد تجمعات الـ 23 من مايو (أيار)، تمدد الحركات الشعبية إلى مناطق عدة بشكل متفاوت، كان أبرزها تلك التي شهدتها صلالة جنوب البلاد، اليوم 25 مايو (أيار).

وكانت المقاطع المصورة المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي النافذة الوحيدة للأحداث، في ظل عدم تجاوب السلطات الرسمية وقادة الحراك الشعبي مع الإعلام، والتي أظهرت وجوداً مكثفاً لقوات الأمن، مع قوافل من عربات الجيش والشرطة، كما تُظهر إطلاق الشرطة الغاز المسيل للدموع واعتقالها متظاهرين.

وأظهرت التسجيلات المتداولة متظاهرين في صلالة، وهي مدينة تبعد حوالي 850 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة مسقط.

ووفق ما يتبين، فإن أعداد المتظاهرين في كل مدينة بالعشرات، إلا أن القوات الأمنية استخدمت الغازات المسيلة للدموع والعصي، فيما أظهرت اللقطات القبض على بعض منهم، إلا أن الداخلية لم تصدر أي بيان يؤكد إيقاف أحد أو إجراء أية اعتقالات.

تحدي السلطان الإصلاحي

وتشهد الدولة النفطية الساعية إلى تنويع اقتصادها تراجعاً اقتصادياً منذ أشهر، على خلفية الإغلاقات المرتبطة بفيروس كورونا، والانخفاض الذي أصاب أسعار النفط العام الماضي.

وتأتي الأزمة في ظل تحول البلاد نحو إصلاحات وصفت بالمهمة في عهد السلطان الجديد هيثم بن طارق، الذي تولى مقاليد الحكم في يناير (كانون الثاني) 2020، بعد سلفه السلطان قابوس، وهو الذي نجح في أخذ أكثر خطوات التغيير جرأة في تاريخ البلاد الحديث، مثل إقراره نظاماً أساساً للحكم.

ولدى السلطنة خطط منذ وقت طويل لإصلاح الاقتصاد وتنويع الإيرادات وفرض ضريبة تتسم بالحساسية وإصلاح الدعم، لكن تنفيذ هذه الخطط تأخر في عهد السلطان الراحل قابوس. وقدم هيثم بن طارق سلسلة إصلاحات في محاولة لجعل الأوضاع المالية للحكومة مستدامة،

وكان شغل في السابق منصب رئيس لجنة "رؤية عمان 2040"، وهي خريطة طريق للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، تهدف إلى معالجة مشكلات مثل معدلات البطالة المرتفعة والفساد.

وكانت عُمان أمرت قطاعات الدولة في أبريل (نيسان) 2020 بتسريع عملية استبدال الموظفين الأجانب بمواطنين عمانيين، خصوصاً في المناصب العليا، لتأمين مزيد من فرص العمل لمواطنيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأمهلت وزارة المالية القطاع العام حتى يوليو (تموز) 2021 لوضع جداول زمنية لتعيين العُمانيين، بما في ذلك في المناصب الإدارية.

ويشكل الأجانب أكثر من 40 في المئة من سكان عُمان البالغ عددهم 4.6 ملايين نسمة، إلا أن الأزمة وتراكماتها جاءت على عجل قبل أن تؤتي إصلاحات الحاكم الجديد الذي يسير في عامه الثاني أكلها.

2011 في الذاكرة

المشهد يعيد إلى الأذهان مظاهرات مشابهة، لكن أكثر اتساعاً، بدأت على وقع الربيع العربي في أوائل العام 2011، التي ركزت على عكس تونس ومصر والبحرين، على المطالبة بالوظائف ومزاعم وجود فساد، وليس على التغيير السياسي.

لكن المفارقة كانت أن صحار أيضاً كانت في قلب الأحداث في ذلك العام، الذي شهدت فيه مناطق أخرى مناوشات بين المحتجين ورجال الأمن الذين استخدموا الرصاص المطاطي وخراطيم المياه لتفريق المحتجين، كما دخل مئات من العاملين في شركة "تنمية نفط عمان" الحكومية في إضراب عن العمل.

وبدأ الديوان السلطاني في استجابة لها بحملة تغيير واسعة، بدأت بإقالة جميع الوزراء وتعيين وزراء جدد، باستثناء يوسف بن علوي وزير الشؤون الخارجية، وراوية البوسعيدية وزيرة التعليم العالي، إضافة إلى زيادة الحد الأدنى للأجور في القطاعين الخاص والعام من 364 دولاراً إلى 520 دولاراً في الشهر، لتهدأ الاحتجاجات في البلاد باستثناء صحار التي استمرت بعد ذلك بإظهار بعض الموجات المتقطعة، لتعود مرة أخرى في 2021 لتثير الملف من جديد.

هل تصدق نبوءة ابن علوي؟

وعلى الرغم من أن ما تشهده عُمان اليوم لا يزال في نطاقات محدودة، إلا أنه يعيد للأذهان كذلك بداية موجات الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية قبل عقد من الآن، والتي تناولها وزير الخارجية العماني السابق يوسف بن علوي في حوار أخير.

وأثارت تصريحات الوزير المتقاعد الشهر الماضي حول إمكان حدوث ربيع عربي جديد في المنطقة جدلاً واسعاً، إذ قال "إن ربيعاً عربياً واحداً لا يكفي".

وأضاف ابن علوي في حوار مطول بثه التلفزيون الحكومي، "كيف كانت الأسباب التي دعت إلى الربيع الأول؟ وهل الآن تغير الأمر أم يحتاج إلى ربيع ثان؟"، مبيناً أن هناك إشارات نحو هذا الربيع، بالنظر إلى أن الأسباب والأوضاع التي دعت إلى حدوثه عام 2011 تتشابه مع الأوضاع الحالية.

وتابع، "الأمر يتوقف على كيفية إشعال فتيل هذا الربيع، يمكن احتواؤه قبل حدوثه، لكن بعد ذلك سيكون من الصعب السيطرة عليه".

المزيد من تقارير