Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العالم العربي والصحة النفسية: التحديات لا تزال قائمة

توقعت منظمة الصحة العالمية أن الاكتئاب سيكون السبب الثاني الأكثر شيوعاً للإصابة بالإعاقة في أنحاء العالم

على الرغم من التقدم الذي أحرزته معظم الدول العربية في مجال الصحة النفسية فإن التحديات لا تزال قائمة (رويترز)

إذا اطلعنا على الأرقام والإحصاءات حول عدد وأنواع الأمراض النفسية التي تصيب الشعوب العربية الصادرة عن المنظمات الدولية المتخصصة على رأسها منظمة الصحة الدولية، سنصاب بالدهشة، على الرغم من أنه علينا ألا نصاب بالدهشة أو التعجب. فأسباب الأمراض النفسية باتت معروفة، وهي الحروب والتهجير والفقر والبطالة وغياب آفاق واضحة للمستقبل، وهذه كلها يعاني منها معظم شعوب العالم العربي.

أسباب بلا حلول

في منطقتنا، لا تؤدي معرفة أسباب المشكلة إلى إيجاد الحلول لها، بل على العكس، تزداد تعقيدات هذه المشكلة. فبغياب الإحصاءات الدقيقة لحجم أمراض الاضطرابات النفسية، وبغياب الوعي الكامل لأهمية الصحة النفسية في وضع الدول على السكة الصحيحة نحو التقدم والازدهار، وفي ظل شبه غياب للمستشفيات والأطباء النفسيين الذين يقع على عاتقهم المساهمة في التخفيف من عبء الأمراض النفسية على الأفراد والمجتمعات على السواء، ينتشر التعاطي غير المنظم وغير الصحي للأدوية النفسية، وبدل المشكلة الأولى نخلق الثانية، مثل الإدمان على مثل هذه الأدوية. وتساهم الأدوية التي توصف عشوائياً بمنع الوصول إلى حلول حقيقية لكل مشكلة على حدة، وقد تكون في معظمها لا تحتاج إلى أدوية، فتُحال إلى أطباء متخصصين في الأمراض النفسية، أو تكون تحتاج إلى دواء فنرفعها عن كاهل هؤلاء. ويأتي على رأس القائمة في الحلول المطلوبة، التوعية الاجتماعية حول الأمراض النفسية، فلا يتعاطى المجتمع مع المرضى "كمجانين"، أو يطلب خروجهم من الاجتماع العام، كما هو حاصل في معظم المجتمعات المتخلفة أو البعيدة عن التمدن. 

وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته معظم الدول العربية في مجال الأمراض النفسية، فإن التحديات لا تزال قائمة. 

الصحة النفسية ثروة

يمكن القول أن لكل الدول ثرواتها من المياه والنفط والسياحة والتطور التقني، وهذه الثروات تساهم في تقدم مجتمعاتها ونموها، لكن الثروة الأساسية التي تقوم عليها كل الأوطان، والتي من أجلها تعمل بلا كلل من أجل التقدم والتطور، هي ثروة الإنسان. فلا أوطان بلا هذه الثروة، ولا حاجة لتقدم هذه الأوطان إذا لم يكن من أجل هذه الثروة.

عموماً، تعاني المجتمعات في الزمن الحديث، أي عصر العولمة والإنترنت وانفتاح العالم وتدفق المعلومات، ويضاف إليها جميعها جائحة كورونا الحالية، من تعقيد الأمور وفهمها وتحليلها لدى الأفراد الذين يتأثرون بكم المعلومات الهائل الذي يصل إليهم يومياً، وعليهم الاختيار في ما بينها. وتعاني هذه المجتمعات عدم الاستقرار والحراك سريع الوتيرة والتقلبات الاقتصادية المرتبطة بالقرارات السياسية، ما يولد فيها الشعور بالقلق والتوتر والخوف والضجر والاكتئاب. 

وتوقعت منظمة الصحة العالمية في تقرير صدر قبل عامين أنه بنهاية عام 2020، سيكون الاكتئاب هو السبب الثاني الأكثر شيوعاً للإصابة بالإعاقة في أنحاء العالم بعد مرض نقص تروية القلب. وبالنسبة إلى الفئة العمرية للأشخاص بين 15 و44 عاماً، يعتبر الاكتئاب السبب الأول للإعاقة، يعقبه تناول المشروبات الكحولية.

هذه أمراض عامة في العالم، لكن في عالمنا العربي علينا أن نضيف على الأسباب الآنفة، الكثير من الأسباب التي تزيد من عدد ونوعية الاضطرابات النفسية المنتشرة بين الشعوب العربية، وتحديداً في أجيال القرن العشرين حتى اليوم. فهذه الأجيال بمعظمها عاشت عدة أنواع من العنف تبدأ بالعنف المنزلي بسبب طرق التربية القديمة المُسيطرة، وصولاً إلى العنف الاجتماعي والعنف العام المتمثل بالحروب والقتل التهجير والتدمير والفقر والبطالة وتفشي الأمراض وغياب الرعاية الصحية والتعليمية، وهذا ما يجعل من الأمراض النفسية أمراضاً أساسية في العالم العربي، كالأمراض السارية والشائعة مثل القلب والسكري والجلطات الدماغية وكل أنواع السرطانات. فأمراض الجسد والنفس في العالم العربي متساويان كماً ونوعاً، ومتصلان في ما بينهما بعدما تبين أن الأمراض النفسية يمكنها أن تؤدي إلى إعتلالات جسدية كثيرة.

ويمكن القول إن الوعي في معظم الدول العربية بأهمية مشاكل الصحة النفسية، نادراً ما يُترجم إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.

أرقام صادمة

في الإحصائيات الصحية للبنك الدولي هناك سبعة بلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتصدر في ظاهرة الاكتئاب لدى النساء، وأيضاً الاكتئاب لدى الجنسين والهوس وانفصام الشخصية واضطرابات الشخصية النرجسية، والاكتئاب الحاد الذي يتسبب في تفاقم حالات الانتحار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي إحصائيات رسمية تونسية فإن ربع السكان أصابهم بالاكتئاب، وفي المغرب تؤكد الإحصاءات أن قرابة نصف المغاربة يعانون أمراضاً نفسية مثل الاكتئاب والقلق المستمر والفصام. وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن أكثر من مليون ليبي من أصل سبعة، يحتاجون إلى رعاية صحية نفسية. وفي مصر تشير الأرقام إلى أن ربع المصريين مصابون بنوع من الاضطرابات النفسية.

وكما ترى آمال موسى في أحد مقالاتها، "إذا دققنا النظر في طبيعة الأمراض النفسية في المجتمعات العربية سنجد أنها تتوزع بين أمراض تعود إلى أسباب متصلة بالماضي، مثل الانفصام واضطرابات الشخصية النرجسية، حيث الأنموذج الثقافي العربي يعاني من التشظي، ولا يمكن للمنتمي إليه تحقيق السعادة. ومن جهة ثانية، نجد ما يحيل إلى علاقة متوترة مع المستقبل من خلال أمراض القلق والاكتئاب، وهي في مجملها وليدة الأزمات والصعوبات الاقتصادية، بدليل أن الفئة العمرية المستهدفة أكثر من غيرها بالقلق المستمر والاكتئاب بمختلف درجاته هي الشباب المعنيون ببناء مستقبلهم وتأمين الاستقرار الاقتصادي الذي يمكنهم بدوره من تحقيق السعادة الشخصية". 

وبحسب جميعة الصحة النفسية العربية، فإن المجتمعات العربية تعاني ثغرات في الوعي الصحي - النفسي، والتشوش والخلط، حيث يصر بعض المتخصصين النفسيين على اعتماد نظريات علاجية تتحدى اللاوعي العربي الجماعي، ويخوض بعضهم الآخر حملات دعاية مضادة للعلاج الدوائي يدعمهم في ذلك المعالجون التقليديون. ويساهم المجتمع والفرد في تعميق هذه الهوة، إذ يشعر المريض بالإهانة إذا ما قيل له إن اضطرابه ليس عضوياً، بل وظيفياً، أي "تعصيب". فهو لا يرغب بأن يبدو "مجنوناً" أمام المجتمع، وهذا ما يؤدي بدوره إلى صعوبة الوصول إلى علاجه. والاختلاف واضح في كيفية التعاطي مع هذه الأمراض بين الدول، ففي الدول المتقدمة، هناك توصيف جيد للاضطرابات النفسية، فحين ندرك الأعراض وعوامل الخطورة والمضاعفات، استناداً إلى بيانات حقيقية وواضحة، يسهُل التعرف على المرض النفسي وعلاجه. 

والمشكلة الأبرز في العالم العربي أن المشكلات العامة الكثيرة التي لا تنتهي، ترفع عدد المصابين بأمراض نفسية، فينتقل كثيرون بشكل مطرد من خانة الأصحاء إلى خانة المرضى بعد إصابتهم بما يسمى "اضطرابات ما بعد الصدمة" نتيجة لحروب شرسة أو تهجير أو موت قريب. ويحتاج هؤلاء إلى تعامل خاص بسبب معاناتهم.

وتقول الدراسات إن من بين الأشخاص الذين شهدوا حروباً أو صراعات أخرى خلال السنوات العشر الماضية، يرجح أن يصاب واحد من كل 11 شخصاً باضطرابات نفسية معتدلة أو شديدة، وإن واحداً من كل خمسة ممن يعيشون في منطقة تشهد صراعات يصاب بالاكتئاب أو القلق أو اضطراب الكرب أو الاضطراب الثنائي القطب، أو الفصام.

وباختصار، فإن المشكلات المترتبة على حالات الطوارئ مثل الانفصال الأسري وانعدام الأمان، وفقدان أسباب الرزق، واختلال شبكات النسيج الاجتماعي، وانخفاض درجة الثقة والموارد، تؤدي إلى الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب أو الفصام أو إدمان الكحول، ثم الحزن والأسى وردود الفعل الحادة الناجمة عن الإجهاد. وتزداد معدلات الاكتئاب والقلق مع تقدم العمر في الأماكن المتضررة من النزاعات. ويشيع الاكتئاب لدى النساء أكثر من الرجال.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الاضطرابات العصبية تصيب مئات الملايين من الناس في جميع أرجاء العالم. في كل عام يتوفى تقريباً 6.2 مليون شخص بسبب السكتة الدماغية، وأكثر من 80 في المئة من هذه الوفيات تقع في البلدان ذات الدخل المنخفض أو المتوسط. وهناك أكثر من 50 مليون شخص ممن يعانون الصرع على الصعيد العالمي. وهناك ما يقدر بـ47.5 مليون شخص ممن يعانون الأمراض المسببة للخرف.

جائحة كورونا

أما خلال جائحة كورونا وانتشارها، فقد أضيفت إلى الأمراض النفسية أمراض أخرى. فقد جلبت هذه الجائحة العديد من التحديات بالنسبة إلى العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يعملون في ظروف صعبة، والطلاب الذين اضطروا إلى التكيف مع حضور الدروس من المنزل، والتواصل بقدر محدود مع المعلمين والأصدقاء. والعمال الذين تتعرض سبل عيشهم للخطر، والعدد الهائل من الأشخاص الذين وقعوا في براثن الفقر أو الذين يعيشون في بيئات إنسانية هشة ويفتقرون إلى الحماية. والأشخاص المصابون بالحالات الصحية النفسية، ويعاني العديد منهم من العزلة الاجتماعية أكثر من ذي قبل، ناهيك عن هؤلاء الذين يواجهون الحزن على رحيل شخص عزيز لم يتمكنوا في بعض الأحيان من وداعه.