إذا رغبت في صناعة منتج ناجح اهتم بالحجم ربما أكثر من الجدارة

كقاعدة عامة جعل الشيء أكبر يزيد كفاءته سواء أكان مصنعا للسيارات أو سفينة رحلات بحرية أو محطة كهرباء، لكن ذلك ينطبق ضمن حدود معينة

لا تستفيد طائرات "جمبو" من حجمها الكبير إلا إذا حلّقت بحمولة ركاب كاملة! (رويترز)

هل هي نهاية طائرة "ايرباص إيه 380" A380؟ كان ذلك سؤالاً طرحه زميلي الصحافي سيمون كالدر في مقال نشرته "الإندبندنت" أخيراً. ويتمثّل الجواب أساساً في أن الأمر يعتمد على شركة "طيران الإمارات"، العميل الرئيس لطراز "سوبر جامبو". إذا لم تطلب الشركة مزيداً من الـ"إيه 380"، فقد تضطر "ايرباص" إلى إغلاق خط إنتاج تلك الطائرات.

وفيما تحظى تلك الطائرة بشعبية كبيرة بين الركّاب نظراً للهدوء والراحة في داخلها، تبدو تكلفتها التشغيليّة مرتفة للغاية، ويظهر أن الناس غير مستعدين للدفع أكثر مقابل تلك المزايا.

كقاعدة عامة، جعل الشيء أكبر يزيد كفاءته، سواء أكان مصنعاً للسيّارات أو سفينة رحلات بحريّة أو محطة كهرباء. في المقابل، ينطبق ذلك الأمر ضمن  حدود معيّنة، كما أن هناك حدّاً أدنى للحجم والكميّة تكون معه تكاليف إنتاج الوحدة المُفرَدَة مرتفعة للغاية. مثلاً، إذا صنّعت 1000 سيارة في السنة، فستكون باهظة للغاية.

ولكن أبعد من تلك النقطة، يجب أن نعلم أن ضخامة الحجم لها تكاليف اخرى. إذ تصعب إدارة المصانع الضخمة، كما أنّ الناس تدفع أكثر لسفن الرحلات البحريّة الأصغر حجماً والأكثر حميميّة، مما تدفعه لقاء الفنادق العائمة. وكذلك تثير محطات الطاقة الضخمة قلقاً كبيراً عندما يتوجّب إغلاقها للصيانة.

ما يحدث هو أن هناك حالات يمكنك فيها الحصول على معظم الميزات الاقتصاديّة للحجم مقابل مخاطر أكثر قابلية للإدارة. في الطائرات، تمثّل الـ"بوينغ- 777" هي العمود الفقري لشركات الطيران في الرحلات الطويلة، وطائرات "737" و"ايرباص إيه 320" هي المفضّلة لرحلات المسافات القصيرة. وتكمن المشكلة في طائرة "إيه 380"   في أنها يجب أن تطير بكامل طاقتها الاستعابيّة كي تكون مربحة للشركة، ولذلك لا تنفع في مسارات رحلات كثيرة.

والسؤال الثاني يتعلق بالتكنولوجيا. لماذا تزدهر بعض التكنولوجيات بينما تندثر بعض التقنيات الواعدة الاخرى بسرعة؟ الإجابة هي أن بعض التقنيّات التي تعمل بشكل جيد ليست اقتصاديّة.

تشكّل المراكب البحريّة- الجويّة من نوع "هوفركرافت" تقنية جيّدة تماماً، واستُخدِمت في النقل عبر بحر المانش، قبل شق نفق تحته يربط بين فرنسا وانجلترا، جعل تكلفتها تبدو مرتفعة تماماً.

ثمة تقنيات كفوءة لكنها لا تملك سوى حفنة صغيرة من التطبيقات العملية. مثلاً، توليد الكهرباء باستخدام طاقة المد البحري، لكن لا يوجد سوى مواضع قليلة تجمع بين كونها مصباً يصلح لبناء سدّ كبير من جهة، وتكون أيضاً موضعاً لمدّ بحري قوي من الجهة الثانية.

وحتى مع وجود تكنولوجيا مجرّبة وموثوقة كتلك المستخدمة في توليد  الكهرباء من الطاقة الكهرومائيّة، استنفد العالم المواقع المناسبة لتشييد السدود، وبالمناسبة فإن تلك المشاريع مُكلفة جداً أيضاً ولها أضرار بيئيّة عدّة.

وأعتقد أن أفضل مثل عن التكنولوجيا الجيّدة المُكلِفَة للغاية هي الطاقة النوويّة. إذا لم يكن للحكومات دخل بها، لن يبنِ أحد محطة نوويّة في أي مكان.

إذ ثبت أنه من الصعب خفض تكاليف الطاقة النوويّة أكثر مما جرى تخيّله في خمسينيات القرن العشرين، عندما صرح لويس لستر شتراوس، رئيس لجنة الطاقة الذرية في الولايات المتحدة، أن الطاقة النوويّة ستجعل الكهرباء "رخيصة للغاية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من ناحية أخرى، هناك تقنيّات انخفضت تكاليفها أسرع من التوقعات، مثل توليد الكهرباء من طاقة الرياح، وهي الآن رخيصة إلى درجة أنها صارت في غنىً عن الدعم بأموال حكوميّة، لكن وقتاً طويلاً قد يمضي قبل توقّف تلك الأموال.

والمثال الأكثر وضوحاً عن ذلك هو الهاتف المحمول. في ستينيات القرن العشرين، كان بإمكانك الحصول على هاتف في سيارتك في المملكة المتحدة لقاء تكلفة مرتفعة. والآن أصبحت المكالمات الهاتفيّة رخيصة جداً.

المثال الآخر الواضح للتكنولوجيا التي ستحدث ثورة في حياتنا هو انخفاض تكلفة البطاريات. وتمثّلت عبقرية إيلون ماسك في رؤية أن البطاريات التي تستخدم للحواسيب المحمولة يمكن تقويتها كي تصلح لتشغيل السيارة، وبالتالي الاستغناء عن محرك الاحتراق الداخلي.

لقد كُتب الكثير حول هذا الموضوع وأعتقد أن النقطة الإضافية الوحيدة الجديرة بالذكر هنا، هي أنه إذا انخفضت تكاليف تخزين الكهرباء فسيصبح كل شيء ممكناً، بما في ذلك الطائرات الكهربائيّة.

في الوقت نفسه، تعتبر طائرة "إيه 380" مثالاً رائعاً على منتج يعمل جيداً لكنه سيفشل تجارياً، لكن... هذه هي قصة التكنولوجيا.

© The Independent

المزيد من آراء