Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التونسية أمامة الزاير من اللون الغنائي إلى القصيدة المركبة

إستعادة السرد الصوفي شعرياً ومحاورة "منطق الطير"

لوحة للرسام وليد نظامي (صفحة الرسام على فيسبوك)

في إحدى المحاضرات الشهيرة قارن بول فاليري الشعر بالنثر، مبرزاً وجوه الاختلاف بينهما. ومن أجل توضيح ذلك أهاب بتشبيه الكاتب الفرنسي مالرب الذي عدّ الشعر رقصاً والنثر مشياً. فهذا التشبيه في نظر الشاعر الفرنسي "خصب جميل لا أعرف أصحّ منه ولا أدقّ ولا أشمل". ثم مضى بأسلوبه الشعريّ الجميل يعدّد هذه الفوارق، ويعلّق عليها شارحاً أومستدركاً. ومن وجوه الاختلاف، نجد المشي كالنثر يقصد به صاحبه أن يصل إلى غاية واضحة ويحقق فكرة مرسومة. فالمشي على هذا واسطة تزول متى برز وجه الغاية، أو هو فعل متجدّد سوف ينطوي بعد حين. أما الرقص فهو الواسطة والغاية، الطريق والهدف، الوسيلة ونقطة الوصول. ومن وجوه الاختلاف أيضاً أن المشي كالنثر يسلك به صاحبه أقصر الطرق وأقومها وأقلها عوجاً ومنعطفات، ليصل إلى بغيته التي يرجوها من دون تريث. ولكن الرقص بخلاف ذلك، لا يحلو إلا إذا أكثر من اللف والدوران، وأمعن في الجيئة والذهاب؛ فالخط المستقيم سبيل الماشي والناثر، والخط المنحرف سبيل الراقص والشاعر! يستمرّ بول فاليري في تعداد الفوارق القائمة بين النثر والشعر واضعاً بينهما، الحاجز تلو الحاجز، لاقناع القارئ أنهما ينتميان إلى طبيعتين مختلفتين بل متباعدتين بل متناقضتين.

تداخل الشعري والنثري

تذكرت محاضرة بول فاليري وأنا أقرأ ديوان الشاعرة التونسية أمامة الزاير الجديد "أحد عشر تمريناً من أجل القيامة" (رؤى ما بعد منطق الطير)، ففيه يتداخل النثر والشعر تداخل التسوية والتعمية والتشابك. وديوان الشاعرة، كمعظم الدواوين الشعرية المعاصرة، لم يُلق بالاً للفوارق التي أشار إليها فاليري بين الأجناس والأنواع، بل تعمّد عن سابق إصرار، أن يلغي كل الحواجز القائمة بينها، ليكون نصاً بلا ضفاف، فيه تنصهر كل الأنواع والأجناس.

لكن على رغم كل هذا فإن القارئ لا بدّ أن يرتبك وهو يقرأ هذه النصوص، لا بدّ أن يتساءل عن طبيعتها. فبعضها يبدو بقوانين النصوص السردية أوثق صلة، لغة وبناء وطريقة تعبير. فما هي الأسباب التي تسوّغ إذن إدراجها في كتاب شعري؟ وهل وجودها ضمن نصوص شعرية يمنحها شرعية شعرية؟ تلك بعض الأسئلة التي لا بدّ أن تراود القارئ وهو يطالع هذا الكتاب. فشكله وطريقة طباعته وعنوانه وطبيعة ورقه، وطريقة تنضيد حروفه كلها رموز علاميّة تشير إلى أنه كتاب شعري. أما إذا تدبرنا تدبراً متأنياً نصوصه فبدا عدد منها ذا طبيعة سردية، نثرية.

كل الكتاب ينهض على هذه المفارقة، هذا التوتّر: شعر/ نثر. حقيقة/ مجاز. ويبلغ هذا التوتر أقصاه حين نعلم أن الشاعرة التي تصوغ نصاً حديثاً في أسئلته وطرائق كتابته، تعلن منذ المقدمة أنها تناهض الحداثة: تلك الحداثة التي جعلتنا، في نظرها، "نرزح تحت وطأة عبودية عصرية وفتكت بنا وأرادت جعلنا نسخاً مطابقة لأصل فرضته سياقاتها وأنظمتها. وفي الوقت نفسه تثني الشاعرة على الذاكرة وتعتبرها منجماً غنياً، لأنها كشفت لها عن كنوز التصوف الإنساني.

استعادة التصوف

وإذا تجاوزنا رأي الشاعرة المثير للجدل، فإن الديوان اختار أن يكون امتداداً لـ"منطق الطير" للشاعر الفارسي فريد الدين العطارأو تكملة له، أو ربما استدراكاً عليه. فليس غريباً، بعد هذا، أن يستعير الديوان بنية ملحمة العطار: أعني تقسيم العمل إلى عدد من الأودية، وتذييل الأودية ببعض الحكايات والقصص. فالديوان قائم على صوتين متداخلين يصعب الفصل بينهما، هو صوت الشاعرة وصوت العطار. وكل محاولة لفك الارتباط بينهما تبدد سحر الديوان وتحول لألاء ناره إلى رماد. لهذا نجد أنفسنا ونحن نقرأ الديوان نستمع إلى صوت ثالث هو جماع الصوتين السابقين. هذا الصوت الثالث يومئ إلى الحاضر والماضي، إلى الذات والجماعة، إلى الواقعي والأسطوري.

أقامت الشاعرة في كلّ قصائدها بين جنسين أدبيين وتمكنت، من عقد حوار ثري بينهما، بما يقوي وشائجهما ويجعل كلاً منهما يغتذي من الآخر. لهذا نجد الشعر يتخلل النصوص ذات الطابع السردي، ويمنح لغتها شحنة استعارية، كما نجد النفَس الحكائي يتسلل إلى القصائد ليحولها إلى خطاب درامي يجمع بين صيرورة القص وكينونة الشعر جمع تآلف وانسجام: "سمعت أن الفداء اكتمال الدائرة منذ المحبّ الأوّل/ ويحكى أن السالك إذا وصل ارتفع/ ولم تره عين/ فما الطريق إلا أن تذوب فيك فيه حتى تمّحي/ وحدثتني العجائز أن المحبّ الأخير فقط سيمنح الكشف/ ويستوي على الأرض حتى كأنه هو هو على عرشه".

القصيدة المركبة

يعدّ هذا الديوان، تحوّلاً في مسيرة أمامة الزاير جعلها تنأى شيئاً فشيئاً عن هتاف البدايات وغضبها. هكذا خرج شعرها إلى آفاق القصيدة المنفتحة على متخيل حرّ والقائمة على الاستعارة والأسطورة والرمز. لكن قصيدة الشاعرة ظلت، على رغم كل تحولاتها وهي كثيرة متنوعة، متفاعلة مع لحظتها التاريخية، منصتة إلى إيقاع زمنها، راصدة "نبض التاريخ بمختلف تجلياته".

ولعلنا نذهب إلى أن قصيدة "العتبة" هي أقرب ما تكون إلى بيان شعري يتضمن مفهوم الشاعرة لفعل الكتابة وتصورها لوظيفة الشعر في عالم مضرج بالموت. وهذا ما يمكّن المتقبل من بعض المفاتيح التي تساعده على التوغل في دروب هذه القصائد والدخول في مسالكها المعتمة: الأب/ الماء/ الطفولة/ الغيب... تلك هي مصادر القصيدة لدى الشاعرة وينابيعها القصية. وثمة جرح أولي منه انطلقت هذه المغامرة الشعرية، جرح غائر، عميق لا تسميه الشاعرة، لكنه حاضر حضوراً غامراً في قصائد الشاعرة يحدّث عن نفسه بأكثر من لغة، لعلّه موت الأب. ونحن لا نجانب الصواب إذا قلنا إن كل قصائد المجموعة على اختلافها وتنوعها، تدور حول هذا الجرح. فالشعر هنا حركة دائبة بين الداخل والخارج، بين أعماق الذات ورحابة العالم، بين عالم النص ونص العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتُعدُّ قصيدة "القيامة السعادة" من أهم قصائد هذه المجموعة وأكثرها وفاء لتصور الشاعرة لوظيفة الكتابة. فهذه المجموعة التي جاءت في الأصل احتجاجاً على الدمار والموت وفداحة الصمت، احتفت في المقام الأول بفعل القص، القص بوصفه إرجاء متواصلاً لحدث الموت، بوصفه تشبثاً بتلابيب الحياة، بوصفه القوة التي تكمن في قلب الظلام.

لقد خرجت الشاعرة في هذه المجموعة من القصيدة الغنائية البسيطة ذات الصوت المفرد إلى القصيدة المركبة ذات الأصوات المتعددة المتداخلة، حيث الصور لا تنهض على أساس من التتابع المنطقي الذي يجعل بعضها يفضي إلى بعض، وإنما تنهض على منطق التداعي المنفلت من كل رقابة عقلية واعية. الشعر هنا دفق من الاستعارات التي لا يمكن استيعابها إلا بالاستسلام إليها، بالتعاطف معها، بالدخول مباشرة في متاهاتها المعقدة.

المزيد من ثقافة