Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الأزمة الاقتصادية" سبب أم نتيجة للأزمة السياسية في اليمن؟

دراسة أميركية تبحث عن خيوط أبعد من الجوانب الأيديولوجية للحرب الأهلية بين الحوثيين والشرعية

هناك أرباب مصالح لا يفوتون حتى الحرب في البحث عن الثراء. ( أ ف ب)

على الرغم من أن دورات العنف الدموي في اليمن ظلت تستمد دوافعها من الشعارات السياسية والأيديولوجية البراقة، إلا أن الحديث عن البعد الاقتصادي ظل بعيداً من التناول الموضوعي الذي يلخص المشكلة ويخلص للحلول الجذرية لأحد أهم مسببات الصراع الدامي اليوم.

وفي الحالة اليمنية، كان لا بد أن تكون للبعد الاقتصادي انعكاساته التي لطالما ألهبت جذوة "الصراع" بحثاً من كل طرف عن فرصته الاقتصادية والسياسية، وهو ما أنتج حالة من عدم الاستقرار الدائم الذي يؤدي كل مرة، بالضرورة، إلى "الحرب كامتداد طبيعي لفشل السياسة"، بحسب المؤرخ الحربي الألماني، كارل كلاوزفيتش.

الصراع من مفهوم مغاير

لطالما أرجع مراقبون إخفاقات الأنظمة السياسية اليمنية في الجوانب الاقتصادية والمعيشية إلى كونها العامل الرئيس والمؤثر خلف حوافز المشكلة اليمنية ووقوداً سريع الاشتعال لدورات العنف التأريخية التي لا تهدأ بين فترة وأخرى في البلد الغني بثرواته، والفقير بخياراته.

وفي بحث صادر عن مؤسسة راند الأميركية، انتهج مقاربة مغايرة عن تلك التي دأب الباحثون والمهتمون بالشأن اليمني يطرحونها، فاعتبر مدخل التهميش الاقتصادي والمظالم التاريخية التي لم يستطع النظام السياسي في اليمن إيجاد حلول جذرية لها، مدخلاً مهماً في تقديم تفسيرات موضوعية لفهم حالة الصراع الدامي في البلاد.

إذ إن جملة المقاربات التي سعت لإدراك طبيعة الصراع، ظلت تخلص إلى إخفاق النظام السياسي في بعده المحلي، إضافة إلى الأسباب الأيديولوجية في حالة الحوثي الذي يستمد قوته من الرافعة الطائفية المتشددة، أو أسباب إقليمية كمن يقول إنها حرب بالوكالة وما يتبعها من تفاهمات دولية وتناول الحرب اليمنية واحدة من تمثلات هذا الصراع الدولي.

فيما يذهب الباحثون في الدراسة الجديدة إلى شيء مختلف، وهو التهميش الاقتصادي الحاصل في مناطق شتى في البلاد، مستدلين بتجارب الحل السابقة التي انتهجت خيار الحوار والهدن التي لا تلبث أن تبدأ لتنهار.

في مؤتمر الحوار الوطني (عقد خلال العامين 2012 - 2013) حضرت القضايا الاقتصادية بقوة وشكلت لجنة مستقلة ضمت نخبة من المختصين ووضعت الحلول التي من بينها "إحداث التوازن الاقتصادي بالتوزيع العادل للثروة والسلطة وتخصيص 20 في المئة من ثروة كل إقليم للتنمية الداخلية وأن يحقق الضمان الاجتماعي كفاية الأسرة الفقيرة وجبر الضرر والتعويض للمناطق التي تعرضت للفقر المدقع".

5 سنوات لفهم جذور المشكلة

يعتبر البحث أنه "بناءً على سنوات من أبحاث مؤسسة RAND الأميركية حول النزاع في اليمن،  تبين للدارسين أن الحرب الأهلية ترجع أصولها إلى المظالم السياسية والاقتصادية المحلية، وأدى فشل الخصوم في تحقيق السلام إلى وجود سكان يمنيين أكثر فقراً وفرصة أقل للمشاركة السياسية الهادفة". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد عزز ذلك "الوضع الراهن الجديد الذي تستفيد فيه بعض النخب المتحاربة بشكل كبير من تأجيج العنف".

ولدى بحث المؤسسة الأميركية الرائدة عن بدايات المشكلة، وجدت أن "جذور الحرب الأهلية المستمرة في اليمن تعود إلى نظام سياسي لم يوفر فرصاً سياسية أو اقتصادية لمواطنيه وهي مجموعة من التحديات التي يعود تاريخها إلى الستينيات على الأقل". في إشارة لدورات العنف التي شهدتها البلاد منذ قيام الجمهوريتين اليمنيتين، شمال وجنوب البلاد بأيديولوجيتين مختلفتين.

تأسست "الجمهورية العربية اليمنية" شمالاً بعد ثورة 1962 على أنقاض حكم الأئمة، و"جمهورية اليمن الديمقراطية" جنوباً بعد طرد الاستعمار البريطاني من عدن وبقية المحميات في 1967. منذ ذلك التأريخ، لا يعدم اليمنيون سبباً لإشعال أوار الحرب بين فترة وأخرى.

ويصل الباحثون إلى أن الحرب الأهلية (الحالية) هي نتاج المظالم التاريخية التي لم يتم حلها والمتعلقة بالحرمان السياسي والتهميش الاقتصادي للمجتمعات المختلفة في جميع أنحاء اليمن".

انتفاضة 2011

روافد هذا الإخفاق، وفقاً للبحث، "مهدت للإحباطات الاقتصادية والسياسية الطريق ولما سيصبح انتفاضات شعبية على مستوى البلاد في أوائل عام 2011.

في فبراير (شباط) عام 2011 شهدت العاصمة صنعاء وكافة المحافظات، انتفاضة شعبية ضد نظام الرئيس صالح، شكل الشباب أغلب مكونات الثورة التي تأتي امتداداً لما يعرف بـ"ثورات الربيع العربي" وانتهت بتسوية سياسية عرفت بـ"المبادرة الخليجية" بموجبها سلم صالح مقاليد الحكم لنائبه حينها عبدربه منصور هادي كرئيس توافقي (الرئيس الحالي).

في ما يشبه التوصل لحالة من اليأس، أو التسليم الأممي بسياسة "الأمر الواقع" قال الباحثون إنه "بحلول عام 2018 كانت جهود الأمم المتحدة قد تحولت نحو إدارة الأزمات، بدلاً من تحقيق تقدم حقيقي نحو السلام".

الفوائد الذاتية تطيل أمد الصراع

تبرز الحرب آثاراً إنسانية كارثية، وبالمقابل تدفع نحو إثراء نخب معينة أو ما يعرف بـ"تجار الحروب"، ولهذا "تبرز الفوائد التي تعود على عدد صغير من النخب المؤثرة على جانبي النزاع بشكل صارخ للآثار الإنسانية الهائلة لهذه الأزمة، وهو أيضاً سبب لإثبات استعداد الفصائل المختلفة لإطالة أمد الصراع والتفاوض بسوء نية لفترة طويلة".

وعلى الرغم من أن بعض الجهات الفاعلة التي لم يسمها التقرير لديها القدرة على المساعدة في التوفيق بين الانقسامات اليمنية، "فمن المرجح أن يلعب العديد منهم دور المفسد، مما يهدد عملية السلام".

ويعتبر الوضع الراهن بالنسبة للأطراف المستفيدة "أكثر ربحية من السلام لأن الذين يستفيدون من الحرب ويستخدمون الصراع لتكديس الثروة وتوسيع قوتهم لا يهتمون كثيراً بالسلام".

ويخلص إلى أنه "إذا تم منح مكان على طاولة المفاوضات، فمن المرجح أن يفسد هؤلاء الفاعلون المفاوضات أكثر من المساهمة في اتفاقية سلام".

كان تقرير فريق لجنة العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي، قد أشار في تقريره الصادر في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى أن الحرب المستمرة في اليمن أنشأت على جوانبها مجموعة من شبكات المصالح العسكرية والقبلية المتحالفة مع القوى السياسية والحكومية التي شكلت في جوهرها تكتلات جديدة تستفيد ذاتياً من إطالة أمد الصراع.

تهميش سياسي واقتصادي للجنوب

في مقاربته للصراع السياسي يخلص إلى أنه جاء نتيجة للمظالم السياسية منذ بدء الحرب الأهلية ولهذا جرى "تأطير الصراع إلى حد كبير على أنه قتال بين الحوثيين، الذين يسيطرون على معظم المناطق التي تشكل اليمن الشمالي تاريخياً، وقوات التحالف التي تقودها السعودية، التي تسيطر على معظم جنوب اليمن وتطالب بأن تكون عاصمتها عدن".

ويرى البحث أن للصراع الحاصل أوجهاً أخرى، فإنه "على الرغم من هذا التأطير، فقد تمزق التحالف منذ فترة طويلة بسبب الانقسامات الراسخة التي تعود إلى عقود والتي تضرب بجذورها في المظالم التاريخية حول الحرمان السياسي الجنوبي والتهميش الاقتصادي".

في عام 2007 ظهر تيار سياسي جديد يحمل اسم "الحراك الجنوبي" وهو حراك شعبي في جنوب اليمن بدأ بكيان "جمعية المتقاعدين العسكريين والأمنيين" المسرحين من عملهم من قبل نظام صالح، وطالب النظام الحاكم في بداياته، بالمساواة وإعادة المسرحين العسكريين والمدنيين، لكن بعد موجة من العنف والاعتقالات التي قوبل بها، ارتفع سقف المطالب في 7 يوليو (تموز) 2007 إلى المطالبة باستقلال جنوب اليمن الذي يعتبرونه بلداً محتلاً بالقوة العسكرية من قبل اليمن الشمالي.

سلام بعيد المنال

عن رؤية الباحثين لمعززات فرص السلام في البلد "يعتمد بناء السلام في اليمن على كسب مزيج دائم التغير من الجهات الفاعلة ذات التاريخ السياسي المعقد والمصالح الاقتصادية المتنافسة".

ويستدلون بمحاولات السلام التي جرت "على مدى السنوات الخمس الماضية" عندما  "توسط المجتمع الدولي بقيادة مكتب المبعوث الخاص للأمين العام لليمن، في مفاوضات صعبة بين الحوثيين وممثلي التحالف هادي على أمل بناء وقف دائم لإطلاق النار".

وخلصت الدراسة إلى أنه "من خلال هذه المفاوضات، أنشأ وسطاء الأمم المتحدة مكاناً للأطراف المتحاربة لتبادل مطالبهم السياسية والاقتصادية والأمنية، مما يساعد في توضيح بعض هذه المصالح ويمثل خطوة مهمة نحو السلام".

وعلى الرغم من أن هذه المبادرات لاقت نجاحاً معتدلاً في بعض الأحيان، وفقاً لورقة مؤسسة راند، إلا أن السلام لا يزال بعيد المنال.

المزيد من تقارير