Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يفهم الموقف الأميركي من حرب تيغراي؟

يحمّل خطاب واشنطن إريتريا مسؤولية انتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم

أصبحت تيغراي مسرحا للقتال منذ إعلان إثيوبيا شن عمليات عسكرية في المنطقة الشمالية   (أ ف ب)

يثير التحرك الأميركي إزاء الأزمة في تيغراي أسئلة عدة بشأن آليات التعامل معها وتداعيات موقف واشنطن من هذه الحرب والفاعلين فيها. ذلك أن الموقف الأميركي الأخير في مجلس الأمن، يتجه نحو تفعيل آليات محاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم، لكنه لا يحمّل مسؤوليتها للحكومة الإثيوبية ورئيسها آبي أحمد، صاحب القرار في هذه الحرب.

ويبدو أن واشنطن تتجه  نحو أسمرا لتسدد فواتير الحرب على تيغراي، وحتى تنقذ أحمد من حرب وصفها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بـ"التطهير العرقي".

كيف صاغت واشنطن هذا الموقف، وما هو تأثيره في التحالف الإثيوبي الإريتري، الذي نشط في حرب تيغراي؟ ثم ما هي تداعيات فك التحالف المرجح بين أديس أبابا وأسمرا على الأوضاع في القرن الأفريقي؟

دعوة متأخرة

في هذا السياق، يمكن الرصد أن الحرب وقعت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بينما كان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مشغولاً بمعركته الانتخابية، وأصبح خارج نطاق التأثير الخارجي، ولم يكن جو بايدن فاعلاً بعد.

وبرز تجاهل أميركي لهذه الحرب عند بداياتها ومن غير المعروف إذا كان ذلك موقفاً منحازاً لأديس أبابا أم أنه مجرد انشغال بالتنافس الانتخابي. وكان لافتاً أن أول إشارة أميركية بشأن تيغراي أعلنت مع اقتراب آبي أحمد من حسم المعركة لصالحه، إذ دعت واشنطن في نهاية يناير (كانون الثاني) إلى ضرورة وقف الحرب والانتهاكات، وهو ما يمكن تفسيره في بعض القراءات بأنه انحياز لصيغ حكم شبه مركزي في إثيوبيا.

علي أي حال، تبلور الموقف الأميركي من الحرب على تيغراي نتيجة تفاعل بايدن شخصياً مع هذه الأزمة، إذ أرسل  صديقه المقرب كمبعوث خاص لدى أديس أبابا لاكتشاف حقيقة الأوضاع. ونقل السيناتور كريستوفر كونز مخاوف بايدن المؤكدة بشأن الأزمة الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان، متحسباً من تأثير هذه الحالة في الاستقرار في القرن الأفريقي.

أما مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، فقد أجرى  اتصالاً أخيراً مع نائب رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية ديميكي ميكونين بشأن تيغراي، بينما كان وزير الخارجية بلينكن أكثر وضوحاً في توصيف ما يجري بـ"التطهير العرقي".

مؤشرات ومعطيات

ولعل قراءة متأنية لبيان السفيرة ليندا توماس غرينفيلد أمام مجلس الأمن هذا الأسبوع بشأن الإقليم تعطينا بعض المؤشرات عما إذا كانت لدى الولايات المتحدة معطيات موضوعية ومحايدة للتعامل مع الأزمة، مناصرة بذلك حقوق الإنسان بشكل مجرد عن الهوى السياسي أم أنها تتحرك لإنقاذ إثيوبيا من تداعيات هذه الحرب التي قد تصل إلى عقوبات، لتبقي إريتريا وحدها تسدد فواتير الانتهاكات. وهو الأمر الذي قد ينعكس على التحالف بين أديس أبابا وأسمرا، وتكون له انعكاساته على كثير من ملفات القرن الأفريقي وتفاعلاته، وربما ملف سد النهضة أيضاً.

وقد تضمن خطاب السفيرة الأميركية أولاً الإشارة إلى تدهور الأوضاع الإنسانية في تيغراي، والانتهاكات الواسعة الناتجة من الحرب، التي تشمل ممارسة الاغتصاب والعنف الجسدي، مؤكدة أن هذه التفاعلات لها آثار طويلة المدى على المجتمعات المتضررة.

وأشارت، ثانياً، إلى حصولها على تقارير موثوقة تفيد بأن القوات الإريترية تعمد إلى ارتداء الزي العسكري الإثيوبي من أجل البقاء في تيغراي إلى أجل غير مسمى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعترف، ثالثاً، بالتزام رئيس الوزراء الإثيوبي بمحاسبة جميع المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والفظائع، مطالبة الحكومة الإريترية بتقديم التزام مماثل.

وقد ألقت الولايات المتحدة، رابعاً، المسؤولية على إريتريا وحدها، قائلة إنها تعيق وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب، الذين يزيد عددهم على 5.2 مليون نسمة.

وأخيراً، تدعو واشنطن مجلس الأمن إلى التعاضد في السماح بإجراء تحقيقات دولية مستقلة في انتهاكات حقوق الإنسان ومحاسبة المسؤولين عنها، وحماية المدنيين وتفعيل الانسحاب الفوري للقوات الإريترية.

ويمكن القول إن اتجاهات المعالجة الأميركية الراهنة إزاء أزمة تيغراي تقوم على عدد من المعطيات. الأول يرتبط بإثبات صدقية إدارة بايدن بشأن دعم حقوق الإنسان ضد كافة الانتهاكات. أما المعطى الثاني فيرتبط بالاستجابة لضغوط الجالية الإثيوبية الكبيرة في الولايات المتحدة، التي تعادي آبي أحمد بسبب سجنه لجوهر محمد، زعيم هذه الجالية ونجمها، وذلك على خلفية التنافس السياسي بين الرجلين، وإعلان جوهر خوضه الانتخابات ضد آبي أحمد.

العداء الأميركي لإريتريا

وأخيراً، فإن العداء الأميركي للرئيس الإريتري أسياسي أفورقي يبدو حاكماً، لسببين. الأول يرتبط بالموقف الأميركي من الحكم لصالح إريتريا في الأراضي المتنازع عليها بين البلدين في منطقة بادومي، التي تسببت باشتعال حرب بين عامي 1998 و2000. أما السبب الثاني فهو اتهام واشنطن لأسمرا بدعم تنظيم حركة الشباب الإسلامية في الصومال، وهي تنظيم نجح في إلحاق الهزيمة بالجيش الإثيوبي في الصومال وأجبره على الانسحاب منها.

وإزاء الرفض الإريتري لمطالب واشنطن بدخول أسمرا في مفاوضات مع أديس أبابا لتنفيذ ترسيم الحدود طبقاً للحكم الصادر لصالحها، فإن واشنطن أقدمت على انتقاد حالة الحريات العامة في إريتريا، وتجاهل الدستور والقانون وتعاظم عدد المعتقلين السياسيين.

وتحت مظلة هذه العلاقة، قامت الحكومة الإريترية بالقبض على عدد من موظفي السفارة الأميركية من أصول إريترية، كما وضعت قيوداً على سفر الدبلوماسيين الأميركيين إلى خارج أسمرا، طبقت على المنظمات الطوعية أيضاً، إلى أن وصل الأمر إلى إبعاد الخبراء الأميركيين من المختبر الوطني الأريتري للأبحاث الطبية عام 2012، بعدما اتهموا بأنهم يرفعون التقارير لصالح الاستخبارات الأميركية.

وفي المقابل، بدأت واشنطن اعتباراً من عام 2004 تصنيف إريتريا ضمن الدول المنتهكة للحريات الدينية في التقرير الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية. ثم أغلقت وزارة الخارجية الأميركية القنصلية الإريترية في أوكلاند بولاية كاليفورنيا في أغسطس (آب) 2007، ثم دفعت في اتجاه فرض القرار الأممي على إريتريا رقم 1907 عام 2009 بصيغته المخففة ثم عززته بالقرار 2023 عام 2011، الذي اتهم إريتريا بزعزعة استقرار المنطقة ودعم حركة الشباب الصومالية، كما تقلص الدعم الأميركي تدريجاً إلى أن توقف تماماً، وسحب السفير الأميركي من البلاد، لتصل الضغوط على النظام حالياً إلى إحالة ملفه إلى الجنائية الدولية.

وتحت هذه المظلة من العداء المتراكم، فإن المعالجات الأميركية لأزمة تيغراي، قد تقود إلى فك التحالف بين إثيوبيا وإريتريا إذا أقدمت واشنطن على فرض عقوبات على الأخيرة وحدها بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصاً أن أسمرا أسهمت إلى حد كبير في انتصار آبي أحمد والذي لم يكن يملك قدرات عسكرية ذاتية لحسم الأمر في تيغراي.

في هذا السياق، ينتظر أن تشهد التحالفات في القرن الأفريقي تحولات جديدة قد تسفر عن تصاعد التوتر في الصومال إذا عادت إريتريا من جديد لدعم تنظيم الشباب، كما أن مسرح سد النهضة قد يتغير مع إقدام أسمرا على تقارب مع السودان الذي من المؤكد تضرره من الملء الثاني لبحيرة سد النهضة، وهو يحتاج إلى تحالفات تدعمه ليس في ملف سد النهضة وحده ولكن في الحرب المتوقعة على الحدود السودانية- الإثيوبية بعد إصرار الخرطوم على عدم الانسحاب من أراضي الفشقات التي فرضت سيطرتها عليها بعد عقود من سيطرة الإثيوبيين على أراض سودانية بطرق ملتوية.

إجمالاً يبدو أن مسرح القرن الأفريقي يحافظ على تحولاته في التحالفات البينية، ويحافظ على كونه من أكثر البؤر الملتهبة وغير المستقرة في القارة.

المزيد من تحلیل