Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تقف تركة النظام السابق أمام الإصلاحات القانونية في السودان؟

لا تزال القوانين عاجزة أمام بعض القضايا الخلافية خصوصاً ما يتعلق بسلطات الأمن والشرطة

تعبر تشريعات الفترة الانتقالية غابة من النصوص القانونية الكثيفة التي تحتاج إلى ثورة (اندبندنت عربية - حسن حامد)

وجدت الإصلاحات القانونية التي أجرتها الحكومة الانتقالية العام الماضي صدى داخلياً وخارجياً، لكن يبدو أن تركة النظام السابق وما أجراه من تشوهات على جسد التشريعات السودانية سيحتاج إلى أكثر من التعديلات الحالية، ذلك أنه لا تزال القوانين تقف عاجزة أمام بعض القضايا الخلافية، خصوصاً ما يتعلق بسلطات الأمن والشرطة التي تنادي جهات عدة بتطهيرها من منسوبي النظام السابق، ودورها في توفير الحماية للمدنيين، والتدخل لمنع تصاعد العنف والانتهاكات.

حزمة التعديلات

منذ أن أقر رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان، حزمة التعديلات القانونية في يوليو (تموز) الماضي، لم يتوقف الجدل حول هذه القوانين التي شملت قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية لسنة 2020. وجاء بيان وزارة العدل، موضحاً أن القوانين الجديدة شملت قانون التعديلات المتنوعة (الحقوق والحريات الأساسية) لسنة 2020، وهو معني بإجراء جزء من الإصلاحات الواردة بالوثيقة الدستورية حول حقوق الإنسان وحرياته.

كما نشرت تفاصيل تلك القوانين في الجريدة الرسمية، وشملت "إلغاء مادة الردة الواردة في القانون الجنائي لعام 1991، واستبدالها بمادة تجرم التكفير وتعاقب مرتكبها بالسجن 10 سنوات، كما أباحت شرب الخمر لغير المسلمين فيما بينهم، بينما أبقت على تعريض المسلم للعقاب حال تعاطيها، ومنح الأم حق السفر خارج السودان مع أطفالها، دون الحاجة للحصول على موافقة والدهم، وهو ما كان محظوراً بنص القانون، وإعادة تعريف الدعارة".

تركة النظام السابق

وعن التركة القانونية للنظام السابق ومدى إعاقتها للتعديلات على التشريعات الحالية، قال عمر سيد أحمد، عضو اللجنة القانونية لتحالف قوى الحرية والتغيير الحاكم، لـ"اندبندنت عربية" "هي تركة مثقلة، وتحتوي على عدد كبير من القوانين نحو 142 قانوناً فيها مواد مقيدة للحريات. وجرى تعديل بعض القوانين والتشريعات، لكنها تعديلات غير مؤثرة بالشكل الذي يحفظ كرامة وحقوق الإنسان، بالذات التعديلات التي تمت في القانون الجنائي، وكانت هناك مطالبات مسبقاً بأن يلغى القانون الجنائي لسنة 1991، وهو امتداد للقانون الجنائي لسنة 1983، أو ما يسمى زوراً قوانين (الشريعة الإسلامية)، والعودة إلى القانون الجنائي لسنة 1974 إلى حين عمل قانون جنائي بديل".

لكن خالد عبدالنبي المحامي يرى أن هذه الإجراءات في تعديلات قانونية أساسية هي قرارات تمثل جهة واحدة هي الحكومة، وفرضت على المجتمع السوداني بأكمله، بينما كان الأفضل تركها لحين تكوين المجلس التشريعي. وأوضح لــ"اندبندنت عربية"، أن "النظام السابق وجد قوانين راسخة مثل قانون 1974 و1983، وأجرى عليها تعديلات عام 1991، واستمر يعدل عليها بواسطة البرلمان. والفرق في ذلك أنه على الرغم مما شاب قوانين النظام السابق من عيوب فإن تلك التعديلات كانت تجرى بواسطة برلمان يطرح القضايا للموافقة عليها، أما الآن فتوجد قدرة على التشريعات في ظل حكومة لديها سند شعبي، لكن يكمن القصور في وجود تكتلات وهبوط ناعم وعدم وجود رغبة حقيقية في إجراء التعديلات الأساسية بالطريقة المثلى".

غابة نصوص

وقال حاتم إلياس المحامي لـ"اندبندنت عربية"، "إزاء هذه التركة القانونية الثقيلة فإن تشريعات الفترة الانتقالية تجد نفسها تعبر غابة من النصوص القانونية الكثيفة للنظام السابق ونظام تشريعي وقانوني يحتاج إلى ثورة أخرى على مستوى القوانين، لجعلها متوائمة مع مطلوبات الانتقال الديمقراطي".

 ويرى إلياس أن "القانون الجنائي السوداني في عهد النظام السابق الذي يدعي الانتماء للشريعة الاسلامية لا يزال سارياً بجانب قانون الإجراءات الجنائية وقانون الإثبات الذي لا يزال يعطي قيمة إثباتية للبينة المتحصل عليها بوسائل غير شرعية كبينة جائزة في الإثبات، بجانب إجراءات القبض والتحري التي تنقصها المعايير والضوابط الحقوقية التي تنتمي لحقوق الإنسان. وقانون الأمن الذي يتيح لجهاز الأمن القبض والحبس لمدة أربعين يوماً دون تدخل النيابة والقضاء".

وأضاف، "هذا بجانب التوسع الشديد في عمل النيابات المختصة، مثل نيابة المصارف والضرائب ونيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة ونيابة الجمارك ونيابة عوائد المنازل. وهذه كلها تأسست بقرارات من وزارة العدل وبشكل غير مبرر قانونياً، لكنها بالنسبة للسلطة كانت بمثابة تقسيم عمل ضروري لتوزيع القمع تحت مسوغ القانون على فئات المجتمع المختلفة. كل ذلك يعد تركة قانونية وتحتاج الفترة الانتقالية إلى التخفف منها وإيجاد نظام قانوني مرن وشفاف يساعد على الانتقال".

حصانات واسعة

وفيما يتعلق بإلغاء المواد (50) و(51) و(52) و(53) من قانون الأمن الوطني لسنة 2010، التي كانت تعطي جهاز الأمن صلاحيات واسعة وحصانات تمكنهم من قبض واحتجاز الأشخاص، أوضح سيد أحمد "بعد أن جرى إلغاء قانون الأمن الوطني أجيز قانون الأمن الداخلي، وأعيدت فيه الصلاحيات الملغية، فيما يتعلق بالقبض والتفتيش في المواد 10 و11، وهو نفس القانون القديم، لكن جرى التحايل عليه وربطه بقانون الإجراءات الجنائية بنفس صلاحيات القانون القديم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف، "لا توجد قوانين خاصة تحول دون وقوف الشرطة ورجال الأمن للتعرض للمواطنين وانتهاك حقوق الإنسان سوى الوثيقة الدستورية وما نصت عليه من وثيقة الحقوق، وتسبب في هذه المشكلة غياب تكوين المفوضيات، التي كانت معنية بالإصلاحات من ضمنها المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، وكذلك التغييب المتعمد للمجلس التشريعي للإبقاء على شكل النظام القديم مع بعض الرتوش".

وتابع، "على الرغم من النجاح في نزع بعض الحصانات، وأن تكون هناك مساءلة، إلا أن ارتفاع وتيرة العنف في المجتمع، سواء بين النظاميين أو المدنيين يلفت إلى غياب الأجهزة الأمنية من القيام بواجباتها، وخلق فراغ في ظل ظروف اقتصادية متدهورة ومشهد سياسي محتقن، ما أدى إلى ظهور هذه التفلتات، وقد تكون في بعض الأحيان مصطنعة، لأن الأجهزة الأمنية لا تزال تضم عناصر من النظام السابق، وما لم يتم هيكلة الأجهزة الأمنية فسيظل ذلك مطلباً ثورياً قائماً".

عدالة عرجاء

يرى عبدالنبي، أن "القوانين موجودة سواء أكانت في القانون الجنائي العام أو القوانين الخاصة بالشرطة والقوات المسلحة وجهاز الأمن وغيرها وتنفيذها مكفول بالقضاء والنيابة والمحاماة، كل القوانين الخاصة جاءت تحمل في طياتها مواد تحدد العقوبات بالنسبة للأفراد الذين يتمتعون بالحصانة".

وبين "يحصل الأفراد التابعون للشرطة أو النيابة أو القضاء على حصانة إجرائية بحسب الوظيفة وليست حصانة مطلقة من العقوبة، وإنما إجراءات حصانة متعلقة بالقبض والتفتيش. وعندما تتم تجاوزات ينبغي مخاطبة الجهة التي يتبع لها الفرد لإخطارها بالجريمة وإحاطتها لتقدير حجم الجريمة وإمكانية حلها، أما إذا كانت جريمة مخلة بالشرف والأمانة فمن المفترض أن يتم بتر العضو، لأنه يعد عضواً فاسداً. ويفترض أن تكون هناك شفافية وتنعدم العصبية المهنية، وهو ما لا نراه يحدث حالياً".

وأضاف، "الحصانات عائق كبير جداً أمام جرائم كثيرة وتحمي من العقاب، ومنذ بداية الثورة هناك جرائم كثيرة ارتكبت في حق الشهداء والجرحى والمفقودين، وهناك أناس تركوا حقوقهم لأنهم أحسوا بأن العدالة ضعيفة ومنتهكة وعرجاء. كما أنها تؤدي إلى ردة فعل عكسية لأخذ الإنسان حقه بيده، ويمكن أن يقتص الشخص من فرد الأمن أو الشرطة، وهذا ما حدث في أحداث عدة، وتحولت القضايا إلى القبائل بعد ما كانت بين الأفراد".

وتابع، "لم ينظر في أمر الحصانات، ولم تجر فيها دراسات، ولا بد أن يرفع الأمر للمحكمة الدستورية أو يطلب أن ترد الجهة خلال فترة زمنية معينة وإن لم تفعل مفترض أن ترفع الحصانة بقوة القانون".

مواقف الإسلاميين

ومن جانب آخر، تنشط تيارات الإسلاميين في إرجاع ارتفاع وتيرة العنف إلى هذه التعديلات القانونية، فقد ظلت تحذر مما يمكن أن تجر إليه هذه التعديلات من انعدام الأمن والفوضى في المجتمع. وكان رئيس حزب "دولة القانون والتنمية" الذي ينتمي للتيار الإسلامي قد حرض القوات العسكرية والشرطية على عصيان الأوامر الصادرة إليها من الحكومة الانتقالية بهذا الخصوص.

كما دعا حزب المؤتمر الشعبي من قبل، الشارع السوداني لرفض ومناهضة تعديلات القانون الجنائي في بيان ذكر فيه أن "التعديلات المتمثلة في إباحة الخمر وحيازتها وبيعها لغير المسلمين وقانون ممارسة الدعارة، هي من القانون الإنجليزي استمدها منه قانون العقوبات السودانية. وهي تعد على حدود الله وسقطة أخلاقية ومفارقة واضحة للشرع وأخلاق أهل السودان، وتصنف المجتمع على أساس ديني".

وذكر بشير آدم رحمة، الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي المعارض في مقابلة إذاعية أن "التعديلات القانونية لم تراعِ ثقافة السودانيين، وأتت من حكومة انتقالية غير منتخبة لا تمثل غالبية الشعب السوداني المسلم".

بيئة غير موائمة

ونجد أن هناك بعض التباينات بين تصريحات وزارة العدل ومجموعة من القانونيين حول بيئة التعديلات القانونية ومواءمة الظروف الحالية والمحيطة لمدى نجاحها أو فشلها. فقد ذكر وزير العدل نصر الدين عبدالباري في لقاء معه بتلفزيون السودان عند إقراره بصعوبات ستواجه تطبيق التعديلات القانونية الجديدة، لافتاً إلى أن النيابة يمكنها لعب دور مهم في ذلك، "إن التعديلات هدفت لمواءمة القوانين مع الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية ووفقاً للحاجة الملحة بإقرار الحريات وضمان سيادة حكم القانون دون تمييز. وأن قانون التعديلات المتنوعة أجيز بعد تقديمه إلى مجلس السيادة في أبريل (نيسان)، ولم يكن هناك اعتراض عليه، بل تعليقات سعت وزارة العدل لتضمينها بما لا يقوض القانون".

لكن عبدالنبي يرى أن "البيئة الآن غير صالحة نسبةً لغياب المجلس التشريعي، فالتعديلات المؤقتة لضرورتها تمت على عجل. وستواجه الحكومة وضع النهج الفيدرالي فسيكون للأقاليم الحق في إصدار تشريعات خاصة بها، وهذه بدورها تحتاج لدراسة المجتمعات المختلفة والثقافات فيما يتعلق بالقوانين الصالحة وغيرها حتى لا يعود المواطنون إلى المركز".

كما يرى سيد أحمد، أن "بيئة التعديلات القانونية في ظل الظروف السياسية والأزمة الاقتصادية، غير موائمة لعوامل عدة هي خرق الوثيقة الدستورية، وعدم تكوين المجلس التشريعي المناط به التشريع والرقابة. والآن نجد صلاحيات المجلس التشريعي في يد مجلس السيادة ومجلس الوزراء في ظل تغييب تحالف قوى الحرية والتغيير من المشهد القانوني، وغياب كامل للمجلس التشريعي مما يمثل إشكالية لأنه وفقاً للوثيقة الدستورية فإن مهمة المجلسين كانت في حدود 90 يوماً والآن غياب المجلس التشريعي تجاوز العامين".

المزيد من تقارير