Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد كارثة أبريل... هل ينجو النفط من انهيار تاريخي جديد؟

متخصصون يستبعدون تكرار عاصفة الأسعار السابقة مرة أخرى

يعد خام غرب تكساس الوسيط إلى جانب سعر"برنت" أكثر نوعين من النفط تداولاً حول العالم (رويترز)

سيبقى 20 أبريل (نيسان) 2020، يوماً محفوراً في ذاكرة أسواق النفط العالمية، بعد أن شهدت جلسة تداول عاصفة انهار خلالها سعر الخام الأميركي بشكل لم يسبق له مثيل على الإطلاق إلى ما دون الصفر لأول مرة في التاريخ، في ظاهرة نادرة وسابقة لم يتوقعها حتى من وضعوا أكثر السيناريوهات تشاؤماً مع قيام المستثمرين بالدفع للتخلص من الخام.

وفي ظل امتلاء مستودعات تخزين الخام في الولايات المتحدة بشكل كبير ونضوب الطلب الفعلي على النفط، ظهرت تخمة عالمية في المعروض بسبب تداعيات جائحة كورونا، ومع انقضاء مهلة عقود شهر مايو (أيار) كان على المتعاملين العثور على مشترين في أقرب وقت ممكن.

ولكن مع امتلاء منشآت التخزين، أجبر المتعاملون على الدفع للناس للعثور على مشترين ما تسبب ببلوغ سعر برميل الخام الأميركي، غرب تكساس الوسيط، 37.63 دولار تحت الصفر، وهو أدنى مستوى منذ بدء بيع العقود الآجلة (عقود تلزم بيع منتج معين في تاريخ معين بأسعار محددة) عام 1983.

اختلافات جوهرية

ويعتبر خام غرب تكساس الوسيط، إلى جانب خام برنت (يضم 13 نوعاً نفطياً) أكثر نوعين من النفط تداولاً حول العالم وتوجد اختلافات جوهرية عدة بين خام غرب تكساس الوسيط، وخام برنت، من حيث موقع الاستخراج، ونسبة الكبريت، وبورصات وتوقيتات التداول.

في ما يتعلق بخام غرب تكساس الوسيط، يتم استخراجه من حقول النفط في الولايات المتحدة، ويتم استخراجه بشكل أساسي من تكساس ولويزيانا وداكوتا الشمالية، ثم نقله عبر خط أنابيب إلى كوشينغ، بولاية أوكلاهوما للتسليم، وأدت التطورات التكنولوجية في أوائل عام 2000 إلى إمكانية استخراج النفط من الصخر الزيتي، وهي العملية التي كان يعتقد أنها مستحيلة في ذلك الوقت، وقد أطلق على هذه العملية اسم "ثورة النفط الصخري"، وأدت إلى إنتاج كميات أكبر من النفط من جانب الولايات المتحدة الأميركية.

ويقوم متداولو نفط غرب تكساس الوسيط، على نحو مماثل، بمراقبة عوامل العرض والطلب في الولايات المتحدة، فأي ارتباك قد يحدث في خام برنت أو خام غرب تكساس الوسيط من شأنه أن يتسبب في حدوث تغير في هامش السعر بين خام غرب تكساس وخام برنت، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تحرك إحدى الأسواق بقوة أكبر من الآخر.

 

والنفط الصخري هو زيت خام عالي الجودة يقع بين طبقات من الصخر أو الحجر الطيني، إذ تقوم شركات الإنتاج بالحصول عليه، من خلال تكسير التكوينات الصخرية التي تحتوي على طبقات النفط.

وحدثت طفرة النمو الأولى للنفط الصخري في الولايات المتحدة على مدار السنوات الأربع السابقة لـ2014، حيث كانت الصناعة في مرحلة الطفولة المبكرة، واستفادت بقوة من أسعار فاقت 100 دولار للبرميل.

وعلى الرغم من النضج السريع خلال هذه الفترة التي شهدت ارتفاع الإنتاج بمقدار 3.9 مليون برميل يومياً، فإن الصناعة تلقت درساً صعباً على خلفية الانهيار في أسعار النفط، الذي وقع في منتصف عام 2014.

أما مرحلة الطفرة الثانية فبدأت عام 2016، وكانت أشبه بمرحلة التقاط الأنفاس لاستيعاب الطفرة الأولى، حيث كان كثير من لاعبي النفط الصخري الأميركيين قد اعتادوا على تغير الصناعة بشكل جوهري مع التركيز على مواصلة إنتاج الخام الصخري ليصل إلى 13 مليون برميل يومياً في فبراير (شباط) 2020.

غير قابل للتكرار 

وبحسب المتخصص في شؤون النفط، أنس الحجي، فإن من غير المتوقع تكرار الانهيار التاريخي للخام الأميركي لأن ما حدث كانت نتيجة ظروف خاصة ومعلومات خاطئة، إضافة إلى قيام منصات التداول بالسماح بالتداول بالسالب، والذي يعني تصحيحاً سريعاً إذا حدث انخفاض مريع في الأسعار، وفي العام الماضي، لم تكن هناك قدرة على التداول بالسالب في معظم المنصات، فاستمرت الأسعار بالانخفاض من دون أي تداول.

أضاف، "المشكلة وقتها انتهاء عدد كبير من العقود التي تقتضي تسلم النفط، ولكن مالكي العقود لم يجدوا أي مكان لتخزين النفط، فانهارت الأسعار".

وضع صعب

ولفت الحجي إلى أن الوضع في الولايات المتحدة ما زال صعباً، إذ إن المخزون النفطي ما زال مرتفعاً، بينما بدأت الحكومة الأميركية بالبيع من الاحتياطي الاستراتيجي حيث من المقرر أن تبيع نحو 9 ملايين برميل إضافية من الآن وحتى نهاية العام، إضافة إلى أن نسبة تشغيل المصافي ما زالت منخفضة، وطلب المصافي على الخام هو معيار قوة الطلب عليه. أما المشكلة الأخرى فهي "مصيدة الطلب على النفط"، والتي تتضمن العمل من البيت، وهذا يؤثر سلباً في الطلب على وقود المواصلات.

وتابع، "على الرغم من أن الوضع في النصف الثاني من العام الماضي أفضل من نصفه الأول، إلا أن أزمة كورونا لم تحسم بعد، حتى مع ظهور اللقاح، ومن ثم فإنه على الرغم من التفاؤل انتعاش الطلب والأسعار، إلا أن المخاطر ما زالت مرتفعة". وأوضح أنس الحجي أن ارتفاع الأسعار يعود إلى انتعاش الطلب على النفط في الوقت الذي قامت فيه السعودية ودول أخرى بتخفيض الإنتاج، وأثبتت السعودية من خلال إدارة الأزمة، ومن خلال تخفيضاتها الإضافية، أنها كانت وما زالت اللاعب الرئيس في أسواق النفط العالمية، إلا أن القرار الأخير بزيادة الإنتاج كان مفاجئاً، ويبدو أنه أثر سلباً في أسعار الخام.

سيناريو مستبعد

وعلق صادق الركابي، المختص في شؤون النفط ومدير المركز العالمي للدراسات التنموية في لندن، أنه بعد مرور عام على الانهيار الكبير لأسعار الخام الأميركي، يبدو أن هذا السيناريو مستبعد، ولن يتكرر مرة أخرى. وأرجع الركابي ذلك إلى أن سياسات الرئيس الحالي جو بايدن غير داعمة للقطاع النفطي بشكل كبير، وهناك تغير بالتوجه نحو الاقتصاد الأخضر لخفض الانبعاثات، حتى إن شركات الخام الأميركية بدأت تشعر بذلك، وتنوع اهتماماتها عبر تقليص بعض استثماراتها، أو التوجه نحو الطاقة النظيفة أو الغاز، الأمر الذي لن تكون معه توقعات كبيرة بزيادات ضخمة في إنتاج الخام الأميركي، بخاصة وأنه لن يكون هناك دعم مالي كبير لهذه القطاعات، لا سيما أن بعض الحقول تتطلب دعماً تقنياً كبيراً ما يمثل تكلفة ضخمة. وقال الركابي إن المخاوف من استمرار سياسة بايدن بتقليص الاستثمارات في هذا المجال وتأثيرها على الربحية في المستقبل، سيجعل كثيرين من المستثمرين يتخوفون من هذا الأمر.

التوجه نحو قطاعات بديلة

أضاف الركابي، "على الرغم من أن الطلب العالمي على النفط لا يزال موجوداً، فلن يكون كما في السابق بسبب جائحة كورونا، ما دفع المستثمرين إلى التفكير في السوق النفطية بشكل آخر، من خلال التوجه نحو قطاعات بديلة كالمشتقات النفطية بدلاً من الإنتاج النفطي ذاته، لذلك من المستبعد أن يكون هناك تكرار للسيناريو الذي حدث بالانهيارات الكبيرة في أسعار النفط، بخاصة أن الأسواق، الآن، بدأت تكون أكثر مرونة، وتدرس حال الطلب العالمي، يعني إذا كان هناك طلب أقل بسبب أزمة كورونا، فبالتأكيد لن يكون هناك إنتاج كبير حتى لا يكون هناك فائض في المعروض".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد الركابي أن هذا الأمر أُخذ بالاعتبار عينه من قبل أعضاء منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك+"، وعلى رأسهم السعودية، التي بدأت الآن تأخذ دوراً مهماً في الحفاظ على استقرار الأسواق النفطية وتماسك اتفاق خفض الإنتاج، وعلى تحديد اتجاه الأسواق، باعتبارها من أكبر منتجي النفط في العالم، وهي التي ساهمت أيضاً في إنقاذ الأسواق النفطية بتقليص قرابة مليون برميل نفطي من حصتها لحساب تحسين الأسواق.

وحول دور السعودية و"أوبك+" في تحقيق استقرار الأسواق النفطية، أكد أن للسعودية دوراً أساسياً وريادياً في الحفاظ على استقرار الأسواق، وأيضاً لا ننسى المحادثات التي جرت أيام إدارة الرئيس ترمب بين السعودية وبعض منتجي الخام الأميركي، والتي ساهمت أيضاً في إقناع منتجي الخام بتخفيض إنتاجهم، أو عدم زيادة استثماراتهم، للحفاظ على توازن السوق وعدم انهيار الأسعار.

أصعب اللحظات

من جانبه، قال أحمد معطي، المدير التنفيذي لشركة "في أي ماركت"، إن انهيار سعر العقود الآجلة لبرميل النفط الأميركي لسالب 37 هو حدث تاريخي، وكان من أصعب اللحظات بتاريخ النفط الأميركي وعلى المنتجين بشكل كامل، وأوضح معطي أن السبب الرئيس للانهيار كان شلل حركة العالم بالكامل وفرض حظر التجول في معظم الدول بسبب كورونا، بالتالي امتلأت المخازن بالنفط لدرجة حتى امتلاء مخازن النفط العائمة وارتفاع سعر تأجيرها لـ200 ألف دولار في اليوم الواحد، بالتالي كان التخلص من برميل النفط بسالب 37 هو أرخص قيمة من تخزينها.

وتابع، "بالفعل، العالم أخذ درساً كبيراً بسبب هذه اللحظة الفارقة في تاريخ صناعة النفط، وهذا الدرس أصبحت نتائجه واضحة أمامنا، فنرى الآن تماسكاً أكبر للدول المنتجة للنفط بتحالف "أوبك+" وأخذ القرارات والتفاهم معاً". وأفاد معطي بأن الدول المنتجة أيقنت أهمية تغليب مصلحة توازن السوق على المصالح الشخصية التي أدت لانهيار الصناعة بالكامل، وأن الحل الدائم هو التكاتف لأخذ قرارات موحدة لصالح الصناعة.

تنويع الاستثمارات

وقال معطي، إن الدول المنتجة للنفط تعلمت الدرس عبر القيام بتنويع الاستثمارات وعدم الاعتماد على النفط كمصدر دخل واحد، ونرى هذا الآن بوضوح في دول الخليج التي تقوم بتنويع استثماراتها بكثافة خوفاً من تكرار هذا الموقف أو من عدم الاعتماد على النفط، ذلك لأن الدول المستوردة أيضاً تعلمت من هذا الدرس وأصبحت تتجه لمصادر الطاقة من أكثر من مستورد، وليس من مستورد من دولة واحدة، وأيضاً تتجه الدول المستوردة الآن للاعتماد على الطاقة النظيفة المتجددة.

وتوقع معطي انخفاضاً في الاعتماد على النفط، وبخاصة النفط الأميركي لأن الرئيس جو بايدن هو من أكثر الداعمين للاتجاه للطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على النفط. وقال "لا أتوقع انهياراً للأسعار مرة أخرى كما حدث، بل أتوقع أن نرى خلال السنوات المقبلة استقراراً لأسعار النفط الأميركي ما بين 50 دولاراً و70 دولاراً، وترجع التوقعات إلى خفض في الإنتاج، لأن هذه الأسعار الحالية، سيضطر بها منتجون كبار للنفط الأميركي، إلى خفض الإنتاج".

المزيد من البترول والغاز