ما هو دور القبلية في معركة طرابلس؟

المصالح المتغيرة في المناطق والمدن الكبيرة هي التي تحكم التوازنات

شكلت الخريطة القبلية وتوزيعاتها العامل الأهم في موازين القوى الحقيقية على الأرض لأي عملية تهدف للسيطرة على البلاد، على مر التاريخ، بحكم الطبيعة القبلية التي تميز البيئة الليبية، وليس بدعاً أن يضع "الجيش الوطني" بقيادة المشير خليفة حفتر أول الأيام التي انطلقت فيها عملياته العسكرية في بنغازي ضد المجموعات الإرهابية، القبيلة موضع اهتمامه الأول.

فقد كونت قبائل الشرق الليبي ذات الثقل السكاني الكبير كـ "العواقير والبراعصة والعبيدات" خزاناً بشرياً لدعم الجيش عبر ما عرف عسكرياً بـ "القوات المساندة".

الإستراتيجية ذاتها

واعتمد الجيش في خطط حربه على الإرهاب والمجموعات الأجنبية المسلحة في الجنوب وفي الهلال النفطي وسط البلاد على الإستراتيجية ذاتها، فقبائل المغاربة التي تعيش فروعها في منطقة الهلال النفطي كانت الذراع اليمنى للجيش في عمليات بسط سيطرته على المنطقة، كما شكّل ترحيب قبائل الزوية والطوارق وأولاد سليمان وغيرها المنتشرة في جنوب البلاد عاملاً مساعداً سهّل دخول عدد كبير من مدن الجنوب ومناطقه في حماية قوات الجيش بل وانتماء أغلب أفراد هذه القبائل إلى وحدات الجيش بشكل نظامي.

وفي الغرب الليبي، يبدو أن التوزيع القبلي يشكل عاملاً إضافياً ومهماً في عمليات الجيش لبسط سيطرته، لكن التشكيلة هنا تتخللها عوامل نفوذ أخرى تتمثل في انحسار تأثير قرار القبلية لصالح المناطقية في عدد من المدن التي لا تتوافر فيها وحدة قبلية، مثل مصراته والزاوية وطرابلس.

وعلى الرغم من مؤتمر ترهونة الذي ضم وفوداً قبلية من 15 منطقة غرب البلاد، وعلى الرغم من إعلانها "التأييد الكامل لعملية الجيش ضد الميليشيات في طرابلس"، ما أعطى واجهة أخرى للعملية العسكرية التي يقودها الجيش في طرابلس من خلال ترحيب هذه القطاعات القبلية، إلا أن الطبيعة التي تكتنف التشكيلة السكانية في الغرب الليبي واختلافها عن الشرق والجنوب جعلت من قرار هذه القبائل غير ذي تأثير.

القوى القبلية في الغرب الليبي

وفي مقابل دفع الجيش بالعشرات من وحداته وألويته العسكرية النظامية خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين إلى معسكراته وقواعده غرب البلاد، إلا أن مدناً كبرى انضمت للجيش وشكل مقاتلوها كـ "قوات مساندة" عاملاً حاسماً في سيطرة الجيش على معظم مناطق غرب البلاد، فمدينة ترهونة التي تشكل أبزر أربع قبائل فيها مركز القرار رحبت بدخول وحدات الجيش إليها، بل كان انضمام أبرز قواتها "اللواء التاسع" الطريق الأسرع لوصول وحدات الجيش الى مناطق جنوب شرقي طرابلس، وتحديداً قصر بن غشير ووادي الربيع وعين زاره التي تقطنها غالبية من قبائل ترهونة كإمدادات قبلية لها.

كما شكلت قبيلة ورشفانة التي يسكن أغلب أفرادها مناطق الساعدية والسواني والزهراء غرب العاصمة عاملاً حاسماً أيضاً في وصول وحدات الجيش وسيطرتها من دون قتال على هذه المناطق، بالإضافة إلى مناطق غريان والعجيلات وصرمان وصبراته غرب البلاد التي قررت قبائلها فتح مناطقها لوحدات الجيش من دون قتال وصولاً إلى الجميل ورقدالين القريبتين من المنفذ الحدودي مع تونس.

القوى المناطقية

لكن في المقابل، استعصى على الجيش السيطرة على مناطق ومدن هامة لا تؤثر التركيبة القبلية في صنع قرارها، بسبب تعدد القبائل فيها وتفتت دورها لصالح مجموعات متنفذة تمثل مصالح تيارات سياسية وإيديولوجية تسيطر على المشهد فيها، أبرزها مدينتا مصراته (200 كيلومتر شرق طرابلس) والزنتان (180 كيلومتراً غرب طرابلس) اللتان تشكلان الثقل العسكري والسياسي في غرب البلاد، فالأولى معروفة بمعارضتها وخصومتها للجيش ودورها في دعم الفصائل التي كانت تقاتل الجيش في بنغازي على مدى أربع سنين.

 

 

فجر ليبيا

كما أنها تمتلك ترسانة عسكرية وبشرية كبيرة مكنتها من خوض حرب عرفت بحرب فجر ليبيا نهاية العام 2014 سيطرت خلالها على طرابلس، وأعادت المؤتمر الوطني العام للواجهة وكونت حكومة في طرابلس موالية لها، كما كونت في ما بعد قوة البنيان المرصوص التي خاضت حرباً ضروساً خلال العام 2016 ضد تنظيم داعش في سرت.

وعلى الرغم من محاولة إبراز بعض القبائل قواتها وتحشيد أبنائها كمقاتلين داعمين للجيش في بعض المدن إلا أن التركيبة السكانية لتلك المدن لم تسعفها، مثلما فعلت قبيلة أولاد صقر في مدينة الزاوية الواقعة غرب العاصمة إذ أعلنت ولاءها للجيش منذ يناير الماضي إلا أن قوى مسلحة أيديولوجية تسيطر على المدينة أجبرتها على التراجع عن قرارها.

تأثير الموقف القبلي

وتعلم قيادات سياسية ليبية تدعم الجيش في عملياته الحالية في طرابلس تأثير الموقف القبلي، لذا فهي تسعى إلى انتزاع موقف من قبيلة ورفلة المعروفة بثقلها السكاني والعسكري الكبيرين والممتدة من الشمال وحتى عمق الجنوب، لا سيما أن مركزها في مدينة بني وليد يقع متاخماً لمصراته وعلى مقربة من سرت أيضاً، ويمكنها بولائها لعملية الجيش وانخراطها في دعمه من خلال مقاتليها كـ "قوة مساندة" التأثير بشكل كبير في قوات حكومة الوفاق وتشتيت تركز الحرب في محاور حول العاصمة، وهي القبيلة التي تخشاها مصراته على خلفية عداءات وخلافات تاريخية عميقة.

المصالح المتغيرة

لكن تبقى المصالح المتغيرة للمجموعات والتيارات المتنفذة في المناطق والمدن الكبيرة في الغرب الليبي هي التي تحكم التوازنات، فإلى عهد قريب وخلال أكتوبر الماضي، جاءت قوة لواء الصمود من مصراته التي يقودها صلاح بادي إلى ترهونة لتقاتل إلى جانب قوة اللواء التاسع، الذي اقتحم وقتها جنوب شرقي طرابلس، ضد ميليشيات طرابلس وتحديداً لواء ثوار طرابلس، وعلى الرغم من سقوط عشرات الضحايا في تلك المواجهات إلا أن مصالح مصراته اقتضت أن يقاتل لواء الصمود إلى جانب لواء ثوار طرابلس حالياً ضد الجيش.

وهي المصالح ذاتها التي دعت فصائل عسكرية بارزة في الزنتان إلى أن تتحالف مع قوى مصراته ضد عملية الجيش الحالية على الرغم من القتال الضاري الذي دار بين المدينتين نهاية العام 2014 ضمن ما عرف وقتها بحرب فجر ليبيا لأشهر عدة تمكنت خلاله قوى مصراته من طرد فصائل الزنتان من العاصمة ونقل المعركة حتى حدود المدينة وسط مئات الضحايا والخسائر المادية والعسكرية التي لم تمكن الزنتان من العودة إلى الواجهة إلا بعد اعترافها بالاتفاق السياسي وحكومة الوفاق مطلع العام 2016 وانضواء بعض فصائلها كقوات شرعية.