Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تفعل فرنسا مع سياسيي لبنان في "الأيام المصيرية"؟

توقعات بتجميد أموال معرقلي تشكيل الحكومة والحجز على ممتلكاتهم ومنعهم من دخول أوروبا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ ف ب)

شريط متسلسل من الأحداث والمواقف السياسية الدراماتيكية عاشه لبنان أمس الأربعاء. إذ لم يكن أنهى وزير خارجية مصر بعد لقاءاته التي استثنى منها رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل و"حزب الله"، ما اعتبره رئيس الجمهورية إقصاءً وتمييزاً، حتى خرج إلى العلن تهديد جديد لوزير خارجية فرنسا بحق السياسيين اللبنانيين، وهذه المرة أمام مجلس الشيوخ العام الفرنسي، معلناً عن "أيام مصيرية"، بانتظار القرارات التي سيتخذونها أو لن يتخذوها، قبل بدء إجراءات بحقهم.

وأقفل الأربعاء على كلمة نارية لرئيس الجمهورية ميشال عون، تضمّنت رسائل اتهامية وجهها إلى مصرف لبنان ووزارة المال والسياسيين الذين يغطونهم، غامزاً من قناة بري والحريري، واتهمهم بتطيير التدقيق الجنائي الذي وصفه بأنه "ضرب للمبادرة الفرنسية".

سامح شكري في بيروت

حملت زيارة وزير خارجية مصر سامح شكري إلى بيروت رسائل متعددة في الشكل والمضمون، لا سيما أنه قبل توجهه إلى بيروت زار باريس حيث التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية جان إيف لودريان وبعض السفراء العرب. وكان لودريان يردد على مسامع أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي انتقادات لاذعة بحق سياسيي لبنان معرقلي الحكومة.

بين مصر وفرنسا تنسيق دائم وتبادل أفكار لم يتمكن الطرفان بعد من بلورتها. وكشفت مصادر دبلوماسية لـ "اندبندنت عربية"، أن شكري أبلغ لودريان رسالة دعم متجددة لمبادرتهم في شأن لبنان، لكن مرفقة بنصيحة إلى الفرنسيين حول ضرورة وقف "مسايرة إيران"، لا سيما بعدما اتضح أن أسلوب المهادنة معها "لم يجد نفعاً"، ولم ينعكس تسهيلاً من قبل "حزب الله" وحلفائه في لبنان، لمهمة الحريري في التأليف.

والترجمة المباشرة للموقف المصري أتت في بيروت، عبر استثناء الوزير شكري كلاً من "حزب الله" ورئيس التيار الوطني الحر من جدول لقاءاته، وهو ما دفع رئيس الجمهورية إلى القول للوزير المصري "الخروج من الأزمة الراهنة يكون باعتماد القواعد الدستورية والميثاقية، وبالتعاون مع جميع الأطراف اللبنانيين من دون إقصاء أو تمييز".

وبذلك يكون رئيس الجمهورية وعلى الرغم من الضغوط الفرنسية والدولية ثابتاً على موقفه، ولم يتراجع عن مشاركته في اختيار الوزراء وتشكيل الحكومة، مع الإصرار على مبدأ اللقاء بين الحريري وباسيل مدخلاً للحل.

وعلمت "اندبندنت عربية" أن عون لم يخف أمام شكري امتعاضه من الرئيس الحريري، منتقداً أداءه، ومعبّراً بوضوح عن عدم تشجيعه لبقاء الحريري رئيساً مكلفاً. وفي المقابل أظهر الوزير المصري دعمه المطلق للحريري، وخصَّه بلقاء مطول متقصداً أن تكون الكلمة الملخصة لزيارته إلى بيروت من عند الحريري.

علماً أن زيارة شكري إلى لبنان شملت رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس المكلف سعد الحريري، والبطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، والأحزاب التي كانت تنضوي سابقاً ضمن قوى 14 آذار، أي "القوات اللبنانية" و"الكتائب" و"التقدمي الاشتراكي".

وقد شكّل اللقاء مع رئيس تيار المردة النائب السابق سليمان فرنجية الاستثناء الوحيد، وهو المعروف بحلفه مع "حزب الله" وخصومته الشديدة مع رئيس الجمهورية وفريقه السياسي أي التيار الوطني الحر.

لا مبادرة مصرية

لم يحمل وزير خارجية مصر إلى بيروت مبادرة، بقدر ما كانت الزيارة محاولة لتقديم المساعدة من أجل "تشكيل حكومة بأسرع وقت"، لا سيما أن القاهرة تعتبر أن تأخير الحكومة في ظل الانقسامات الحاصلة سيدخل لبنان في المجهول، وفي أزمات ومشكلات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة بأكملها.

وكشفت مصادر متابعة للزيارة أن "لا مبادرة مصرية" بالمعنى المفصَّل، بقدر ما هي زيارة دعم وحث على الإسراع إلى تشكيل حكومة منسجمة وقادرة على تنفيذ مهامها الدقيقة والصعبة كما وصفها شكري من بيت الوسط، منزل الرئيس المكلف.

وبحسب مصادر مطلعة على الموقف المصري فإن القاهرة تدعم حكومة يرأسها سعد الحريري، على أن تضم 18 وزيراً من الاختصاصيين وليس 24 بصيغة تكنوسياسية كما اقترح الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، وهو ما أشار إليه الوزير شكري في تصريحه من بيت الوسط، عندما أكد أن بلاده "تدعم تشكيل حكومة مختلفة عن منطق التعطيل والتجاذب السياسي، على اعتبار أنه الطريق الوحيد لنجاح حكومة المهمة، وحصولها على الدعم المطلوب عربياً ودولياً".

وفيما علم أن مصر لا تدعم أن يكون لأي فريق داخل الحكومة ثلثاً معطلاً، كشفت مصادر مطلعة على الموقف المصري عن محاولة مصرية لإقناع قوى مسيحية غير التيار الوطني الحر، أي "الكتائب" و"القوات اللبنانية"، المشاركة بالحكومة، في محاولة لسحب الثلث كورقة تعطيل من يد باسيل، لكن المحاولة لم تنجح واصطدمت برفض "القوات اللبنانية" و"الكتائب" المشاركة.

كما أن وزير خارجية مصر حاول إقناع البطريرك الراعي عندما زاره في الصرح البطريركي، بتسمية الوزير الملك من المقربين منه، لكن البطريرك الذي سبق ورفض الدخول في لعبة الأسماء والتسميات جدد رفضه أمام الوزير المصري.

وعلم أن شكري أبدى للبطريرك الراعي تقديراً للدور الوطني الذي يقوم به، وتمنى عليه الاستمرار بجهوده ومساعيه بما هو من سلطة فوق الصراعات، ووجه له دعوة باسم الرئيس المصري لزيارة القاهرة، وأبلغه تفهم بلاده، لطرح الحياد وللمؤتمر الدولي، وتمنَّى عليه مواصلة المواقف الوطنية التي ينتظرونها كل أحد في مصر.

فرنسا تهدد

وبينما كان وزير خارجية مصر يجول على المسؤولين محاولاً إيجاد حل للأزمة اللبنانية قبل فوات الأوان، كان وزير خارجية فرنسا يتهم السياسيين اللبنانيين مرة جديدة بفقدان البصر وبارتكاب جريمة بحق شعبهم، نتيجة عدم اتفاقهم على حكومة، متهماً إياهم بفرض طلبات طائشة ومن زمن ولىّ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأمام مجلس الشيوخ الفرنسي، كرر لو دريان الحديث عن اقتراحات عملية يجري إعدادها ضد من وصفهم بأنهم "تركوا المصلحة العامة من أجل مصالحهم الشخصية"، وقال "القرارات التي يتخذونها أو التي يرفضون اتخاذها، في غضون الأيام المقبلة ستكون حاسمة".

وبينما كشف لو دريان أمام مجلس الشيوخ أن هذه الرسالة وصلت باسمه وباسم الرئيس الفرنسي إلى سياسيين لبنانيين جرى الاتصال بهم ليل الثلاثاء، كشفت مصادر دبلوماسية أن هؤلاء السياسيين هم المعنيون بالأزمة الحكومية، التي تضعهم فرنسا في خانة المعرقلين، وقد أبلغهم الجانب الفرنسي بما قاله لو دريان أمام مجلس الشيوخ وأعطاهم فرصة أيام قبل بدء العمل على إجراءات قاسية ضدهم، التي قد تكون اقتصادية ودبلوماسية وسياسية، فيما تشير المعلومات إلى أن آلية فرض العقوبات الأوروبية معقدة، وتحتاج إلى مدة زمنية تتخطى الستة أشهر، لا سيما أنها ستكون مشتركة بين 27 دولة أوروبية.

لكن، في الانتظار قد تفرض فرنسا إجراءات بحق المعرقلين، مثل تجميد أموالهم والحجز على ممتلكاتهم ومنعهم من الدخول إلى أوروبا من خلال توقيف فيزا "الشنغن". وكشفت مصادر دبلوماسية أن الاتصال الذي أجراه قصر الإليزيه برئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل كان سيئاً جداً، وقد تبلغ باسيل حجم الاستياء الفرنسي منه، وهو ما يفسر قراره بإلغاء زيارة إلى فرنسا كان يحضّر لها بصفته موفداً رئاسياً، يحمل رسالة شخصية من رئيس الجمهورية، بعدما فشلت كل المساعي لتأمين لقاءات له مع مستشاري الرئيس الفرنسي المكلفين بالملف اللبناني. علماً أن مصادر مقربة من باسيل أكدت لـ"اندبندنت عربية" أنه رفض زيارة فرنسا وعقد لقاء مع الرئيس المكلف للاتفاق على الحكومة، حرصاً على عدم مس صلاحيات رئيس الجمهورية أو التعرض لدوره شكلاً ومضموناً.

عون يصعّد

وفي خضم الضغط الفرنسي والمصري المركز على معطلي التأليف وبشكل أساسي على رئيس التيار الوطني الحر، ووسط الصراع المخفي بين الثلاثي بري، وجنبلاط، والحريري في وجه باسيل وحزب الله، اختار رئيس الجمهورية أن يخاطب اللبنانيين عن التدقيق الجنائي، ودعاهم إلى مؤازرته، لكشف ما وصفه "بأكبر عملية نهب في تاريخ لبنان".

والمعروف أن رئيس الجمهورية وفريقه السياسي، أي التيار الوطني الحر، يتهمون تيار المستقبل والرئيس بري بعرقلة التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، منعاً لكشف مصير الأموال التي صرفت في الإدارات العامة.

وبينما اعتبر الرئيس عون أن التدقيق الجنائي هو المدخل لمعرفة من تسبب بوقوع جريمة الانهيار المالي، تحدث رئيس الجمهورية عن مماطلة مؤكدة في المفاوضات بين وزارة المال وحاكمية مصرف لبنان وشركتي "الفاريز ومارسال" لدفع الشركة إلى اليأس لتغادر لبنان.

وفي خطوة غير مسبوقة، دعا رئيس الجمهورية الحكومة المستقيلة إلى "عقد جلسة استثنائية"، لاتخاذ القرار المناسب لحماية ودائع الناس، وكشف أسباب الانهيار وتحديد المسؤوليات، تمهيداً للمحاسبة واسترداد الحقوق.

ودعا عون "الدول التي تدعي التضامن مع الشعب اللبناني إلى المساعدة على كشف عمليات تحويل أموال أخذت بعد 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 طابع التهريب المالي".

وعلى موقف رئيس الجمهورية رد رئيس حزب القوات اللبنانية منتقداً ما اعتبره استخدام موسمي لشعار التدقيق الجنائي كوسيلة للنيل من خصم سياسي، متسائلاً عن أسباب عدم دعم فكرة التدقيق الجنائي، الذي هو المدخل الأساس لأي إصلاح، منذ بداية هذا العهد على رغم امتلاكهم أكثرية في مجلس الوزراء وفي المجلس النيابي.

المزيد من متابعات