Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عشرية سد النهضة في إثيوبيا ما بين الإنجاز والتحول

اتفاقية إطار العمل التعاوني أعطت دول حوض النيل حق الانتفاع المنصف

مشروع سد النهضة يمثل لإثيوبيا غايات اقتصادية ذات بعد سياسي وحضاري (أ ف ب)

تأتي احتفالية إثيوبيا بسد النهضة في عشريته الأولى ضمن ظروف وتحديات ما بين الغاية الكبرى من السد كهدف استراتيجي حضاري تعمل لبلوغ غاياته، إلى جانب تحديات ضمن معطيات التدافع الذي تُمثّله دولتا المصب، مصر والسودان، في الحفاظ هي الأخرى على مكتسباتها القريبة والبعيدة، وضمن هذه المعطيات تتأرجح مسيرة سد النهضة في مفاوضات متعثرة، بتدافع المصالح إلى جانب ما تبذله الوساطة الأفريقية ضمن جولات التفاوض المنتظرة في كينشاسا. 

كيف بدأت مسيرة سد النهضة، وإلى أين تصبو بها إثيوبيا ضمن الدبلوماسية المائية؟

صراع الدبلوماسية المائية 

مثلت مرحلة البدء في مشروع سد النهضة خاتمة لمعركة سياسية كبرى خاضتها إثيوبيا إلى جانب دول حوض النيل الأخرى. خلال العهد الحديث نشطت حركة الدبلوماسية المائية بين الدول الثلاث، إثيوبيا ومصر والسودان، ضمن الحراك السياسي والحاجات المتزايدة لمشاريع المياه، وظلت الدبلوماسية المائية الإثيوبية منادية باعتماد اتفاق جديد في قسمة المياه يكون بديلاً للاتفاقيات التاريخية، التي تنال فيها مصر والسودان حصصاً رئيسة.

على الجانب الآخر كان تمسك كل من مصر والسودان بالحقوق المائية عبر هذه الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة البريطانية "بصفتها الاستعمارية" نيابة عن عدد من دول حوض النيل (أوغندا وتنزانيا وكينيا)، في عام 1929 مع الحكومة المصرية، إلى جانب اتفاقية القاهرة 1959، ونظمت تلك الاتفاقيات العلاقة المائية بين مصر والسودان، ودول الهضبة الاستوائية وتتضمن: 

- إقرار دول الحوض بحصص مصر والسودان من مياه النيل، وهي 55.5 مليار متر مكعب لمصر، و18.5 مليار متر مكعب كحصة للسودان.

- لدولتي المصب (مصر والسودان) الحق في الاعتراض في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده. ونشطت إثيوبيا في لفت وإقناع دول المنبع، تجاه حقوقها المائية هي الأخرى، في تنمية مجتمعاتها، وتبع ذلك النشاط العديد من الاجتماعات لوزراء مياه دول حوض النيل كاجتماع كنشاسا في مايو (أيار) عام 2009 في الكونغو الديمقراطية، تلاه اجتماع الإسكندرية في يوليو (تموز) من نفس العام، ثم أعقبه اجتماع آخر في أبريل (نيسان) من العام التالي في مدينة شرم الشيخ. 

وجميعها فشلت نتيجة تمسك مصر والسودان بالحقوق التاريخية لاتفاقية مياه النيل لعام 1929، إلى جانب الخلاف حول المواد المتعلقة بالأمن المائي.

اتفاقية عنتبي

في خضم ذلك الخلاف لجأت دول الحوض (دول المنبع) إلى الانفراد بإنشاء ما عرف بمبادرة النيل (اتفاقية إطار العمل التعاوني) التي شهدت اجتماعاتها مدينة عنتيبي في أوغندا، وتم التوقيع عليها من أربع دول من دول المنبع في مايو 2010 وهي "إثيوبيا، وأوغندا، ورواندا، وتنزانيا"، ولحقت بها كينيا، ثم بوروندي في فبراير (شباط) 2011، ليتسنى للاتفاقية أن تكون "إطاراً للشرعية"، بحسب ما نص عليه إطارها القانوني "توقيع ست دول من الدول الأعضاء لحوض النيل".

ونصت اتفاقية إطار العمل التعاوني (اتفاقية عنتبي) في الباب الرابع (الانتفاع المنصف والمعقول) على الآتي:

- دول مبادرة حوض النيل تنتفع انتفاعاً منصفاً ومعقولاً من موارد مياه المنظومة المائية لنهر النيل، على وجه الخصوص الموارد المائية التي يُمكن تطويرها بواسطة دول مبادرة حوض النيل وفق رؤية لانتفاع معقول... إلخ.

- ضمان الاستخدام المنصف والمعقول لموارد المنظومة المائية لنهر النيل ودول المبادرة تأخذ في اعتبارها الظروف المتعلقة بالموارد بما فيها محدوديتها.

تبع ذلك ترويج إعلامي مكثف للاتفاقية الوليدة، بعد حصولها على الأغلبية المطلوبة وأصبحت سارية المفعول،ليُتاح عبرها لدول المنبع الأحقية في تبني مشاريع مائية لتنمية مجتمعاتها. ومن ثم جاء إعلان الخطوة الإثيوبية في إنشاء سد (الألفية) النهضة، بعد التمهيد لها، والوصول إلى نصاب الشرعية لاتفاقية إطار العمل التعاوني، إضافة لما دأبت عليه إثيوبيا من دعاية وترويج لحقوق دول الحوض في توليد الطاقة وإحداث التنمية كحق منصف إلى جانب دول المصب. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التسلسل الزمني 

 تُشير الدلائل إلى أن مشروع السد الإثيوبي لم يكن وليد تاريخ حديث، بقدر ما بدأ التمهيد له مبكراً، مما يدل على أن فكرة السد والاستفادة الإثيوبية من مجرى النيل الذي ينبع من أراضيها فكرة قديمة، ويعني رفض إثيوبيا التوقيع على أي من اتفاقيات النيل السابقة تأكيداً على عزم نوايا، سواء كان نابعاً من استراتيجياتها، أو بدفع خارجي وفقاً لما تدعو له مصالح تشاركية لقوى دولية. وقد بدأ العمل الفعلي في المشروع في خطواته الرئيسة كالآتي: 

- 1956 – 1964: تم تحديد الموقع النهائي لسد النهضة الإثيوبي الكبير (Grand Ethiopian Renaissance Dam) بواسطة مكتب الولايات المتحدة للاستصلاح States Bureau of Reclamation) ) (إحدى إدارات الخارجية الأميركية) خلال عمليات مسح للنيل الأزرق أجريت بين عامي 1956 و1964 (من دون الرجوع إلى مصر وفق ما تنص عليه اتفاقية 1929).

 - أكتوبر (تشرين الأول) 2009 - أغسطس (آب) 2010: قامت الحكومة الإثيوبية بعملية مسح للموقع.

 - نوفمبر (تشرين الثاني) 2010: تم الانتهاء من تصميم السد.

- كان إعلان إثيوبيا عن بدء انطلاقة مشروع سد النهضة في 16 يونيو (حزيران) 20011 حيث أعلنت الحكومة عن توقيع عقد بناء السد مع شركة ساليني الإيطالية بقيمة 4.8 مليار دولار.

- 31 مارس (آذار) 2011: وبعد يوم واحد من الإعلان عن المشروع، تم منح عقد قيمته 4.8 مليار دولار من دون تقديم عطاءات تنافسية للشركة الإيطالية Salini) Costruttori).

ثم جاء تاريخ بداية الإنشاء في 2 أبريل (نيسان) 2011، حيث وضع رئيس وزراء إثيوبيا الراحل ملس زيناوي - حجر الأساس للسد، وقد تم إنشاء كسارة للصخور جنباً إلى جنب مع مهبط للطائرات الصغيرة للنقل السريع.

وهكذا بدأت إثيوبيا مسيرة مشروع سد النهضة، وكانت اتفاقية الخرطوم للمبادئ التي وقعتها الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا، بمثابة اعتراف من دولتي المصب بحق إثيوبيا في إنشاء السد والعمل لاستغلاله في توليد الطاقة الكهربائية، وتحقيق أهداف التنمية، إإضافة لما حوته الاتفاقية من بنود للعلاقة المائية بين الدول الثلاثة في إحراز الأهداف المنشودة وإتقاء الأضرار في إطار تعاون وتشارك يحقق مصالح الشعوب. 

ورغم العديد من الأحداث التي شهدتها إثيوبيا قبل وبعد التغيير السياسي عام 2018، لم تتأثر مسيرة مشروع سد النهضة تأثراً يؤدي إلى توقفه، رغم ما واجهه من مصاعب على المستوى الداخلي.

لكن على مستوى المفاوضات الثلاثية بين إثيوبيا ودولتي المصب مصر والسودان، لا تزال المفاوضات تلقى تعثراً حقيقياً، رغم العشرية التي بلغتها الآن مسيرة السد.

غايات وأهداف سد النهضة

مشروع سد النهضة يتداخل فيه العامل السياسي مع الجانب الاقتصادي، فالمشروع في غايته المتكاملة اقتصادي وسياسي وحضاري. ففيما يتعلق بالجانب السياسي فهو ذو أبعاد دولية ضمن الدور الإقليمي لإثيوبيا المرتبط بمصالح أميركية - غربية.

وضمن هذه الحيثية ترى بعض الأوساط أن تغيراً "جيواستراتيجي" يرتبط بالمشروع في التحول الذي تنشده إثيوبيا من دولة فقيرة إلى دولة متوسطة، وهو تخطيط بقدر ما يتبناه الطموح الإثيوبي تساعد على تحقيقه أطراف دولية ضمن مصالح وترتيبات ومتغيرات تهتم بمنطقة القرن الأفريقي في بعدها السياسي الذي يوظف مستقبلاً لأدوار حيوية.

أما الجانب الاقتصادي، فهو ما تصرح به القيادة الإثيوبية كون غاية سد النهضة توليد الطاقة الكهربائية لتنمية مجتمعاتها الريفية، حيث ظلت إثيوبيا من أكثر الدول التي عكست مأسي القرن الأفريقي في فقره ومجاعاته، ومن ثم فإن أهم الغايات لمشروع سد النهضة وفق الرؤية الإثيوبية المطروحة، تحقيق نهضة اقتصادية لطي حقب الفقر والمجاعات التي عانتها إثيوبيا على مدار العديد من الأعوام. 

وارتباط المشروع باسم النهضة له دلالته:

- يمثل إنتاج الطاقة هدفاً أساسياً لسد النهضة، وتبلغ الطاقة الكهرومائية المتوقع إنتاجها من السد بـ6 آلاف ميغاوات، وهي تمثل ثلاثة أضعاف الطاقة الإثيوبية المنتجة حالياً. ومن أهم الخطط التنموية تغطية الأرياف الإثيوبية بالطاقة، وإدخال العديد من مناطق إثيوبيا إلى دائرة المدنية، ومن ثم مضاعفة إنتاجها سواء من الناتج الزراعي الذي يحتاج إلى الطاقة في عمليات الري في بعض المناطق المروية كالإقليم العفري في إنتاج الحبوب وبخاصة القمح الذي نجح الإقليم في إنتاجه بكميات كبيرة، كما تفعيل الطاقة المتوفرة في الأعمال والاستخدامات التنموية الأخرى، مما يدفع بعجلة الإنتاج.

وتشير الحكومة الإثيوبية ضمن إحصائياتها أن ما يقدر بـ65 مليون مواطن إثيوبي يعيشون من دون كهرباء. فما يحققه سد النهضة لتلك المجتمعات ربطها بعجلة التنمية، والنهوض بها من خلال ما يوفره سد النهضة من طاقة رخيصة التكلفة. 

- يضاف إلى ذلك ما تنشده إثيوبيا من عائدات تصدير الطاقة إلى دول الجوار، والذي بدأته فعلياً مع دول كجيبوتي والسودان وكينيا.

- توفير المياه في إقليم السد (بني شنقول)، والذي تعاني فيه بعض المناطق من العطش، إلى جانب استفادة الإقليم من المياه المتوفرة على مدار العام في استخدامات المشاريع الزراعية التي بدأ التجهيز لها خلال الأعوام السابقة. ورغم أن تلك المشاريع التي وزعت فيها الحكومة الإثيوبية حيازات متوسطة لأبناء الأقليم، وغيرهم من المستثمرين الإثيوبيين، فإن مصادر اقتصادية تتوقع نهضة زراعية بالإقليم الذي تتميز أراضيه بالخصوبة والإنتاجية العالية للعديد من المحاصيل بخاصة الأنواع المختلفة من الذرة، والحبوب الزيتية إلى جانب الفاكهة والخضروات.

إلى جانب المنافع الإثيوبية فيما يحققه سد النهضة من تحول ونهضة اقتصادية حضارية، يتوقع أيضاً أن يكون من ضمن الفوائد أبعاد إقليمية في تبني مشاريع كبرى لإقليم السد الجامع بين البلدان الثلاثة إثيوبيا والسودان ومصر من خلال مشاريع تكاملية توظف فيها المكاسب الجغرافية والقدرات.

المزيد من تقارير