Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يستمر الربط بين ماضي العبودية ونهضة أميركا؟

يميل منتقدو الولايات المتحدة وخصومها إلى استدعاء تاريخها لتحقيق انتصارات سياسية ومعنوية

أميركيون أفارقة في أحد حقول القطن في ساوث كارولاينا (مكتبة الكونغرس)

يعيش العالم في هذه الفترة، اليوم العالمي الذي اختارته الأمم المتحدة للتذكير والتنديد بتجارة الرق التي عبرت المحيط الأطلسي وامتدت إلى القارتين الأميركيتين. هذه الحركة بما فيها من مأساة لعبت دوراً في تغيير القارتين، اللتين صنعهما الرجل الأبيض مستغلا العمالة الأفريقية التي سكنت الأرض وساهمت لاحقا في تغيير خريطتها الديموغرافية والسياسية.

وعلى الرغم من مضي قرن ونصف القرن، على نهاية العبودية رسمياً في الولايات المتحدة عام 1865، الذي يوافق نهاية الحرب الأهلية، فإن جرائم الكراهية التي تستيقظ عليها البلاد من وقت لآخر، تأبى إلا أن تستدعي إلى الأذهان تاريخ العبودية وتجارة الرق، للتأمل في آثار تلك الحقبة التي مازالت حاضرة في الذاكرة الأميركية، إما على شكل استياء، أو مأساة، أو حتى مطالب بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.

إرث كولونيالي

لكن الولايات المتحدة، ليست الأرض الوحيدة التي عاش فيها ملايين الأفارقة المستعبدون، فالعبودية وتجارة الرقيق خيمتا على أوروبا ومستعمراتها، منذ اعتماد اقتصاداتها على العمالة الأفريقية للعمل في المزارع، ولاحقاً في القطاعات التي ازدهرت نتيجة للثورة الصناعية. وأهمية هؤلاء العمال بالنسبة إلى الأوروبيين، هي أن الأرض المكتشفة في الأميركتين لن تكون مجدية من دون أيد عاملة كافية لاستغلالها، ولذلك فضلت المستعمرات نظام الاستعباد لتحقيق رغباتها الاقتصادية.

ولأن الأوروبيين أرادوا إنجاح صناعاتهم بعمالة قادرة على أداء المهام التي تتطلب جهداً جسدياً، فقد تجنبوا اختيار المسنين، لعدم كفاءتهم في مهام العمل اليدوي التي يحتاجها المزارعون الأميركيون وملاك العبيد، وانتهى الأمر باختيار الأشخاص الأكثر صحة فقط، وكان معظم هؤلاء من الذكور، وثلاثة أرباعهم من البالغين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعدما أثبت الأفارقة المستعبدون كفاءتهم العملية في أوروبا وفي مزارع قصب السكر الوليدة في ماديرا وجزر الكناري قبالة سواحل أفريقيا، أصبحوا القوة العاملة المختارة في نصف الكرة الغربي، كما شكلوا الأغلبية الساحقة من السكان المستعمرين في الأميركتين، حيث عمل كثير منهم في حقول السكر، السلعة الرائدة آنذاك.

أميركا والعبودية

اُستنكرت العبودية في الولايات المتحدة على نطاق واسع، ومازالت آثارها موضوعاً جدلياً في الأوساط الثقافية بسبب العلاقة الحالية المتوترة بين الأعراق في الداخل، حيث تثير جرائم الكراهية من حين لآخر الجدل حول ما إذا كانت البلاد تجاوزت التمييز المنهجي، أو أنها تعاني تبعات ما بعد العبودية، فضلاً عن السؤال حول أحقية الأميركيين الأفارقة في الحصول على تعويضات مادية نظير التجارب القاسية التي عاشوها.

وعلى الرغم من أن القصص المأساوية التي نقلها نشطاء أميركيون عانوا ويلات العبودية، تدفع القارئ إلى التعجب من وقوع التمييز في مجتمع يتباهى اليوم بتنوعه العرقي، فإن الحقيقة المرة بشأن تاريخ العبودية في الولايات المتحدة، يؤكدها الاعتراف الدولي، وحكايات التعذيب، وكذلك التأثير العميق الذي تركته تجارة الرق في اقتصاد الولايات المتحدة.

ويُظهر أثر تجارة الرقيق على الاقتصاد الأميركي، أن العبودية في الولايات المتحدة لم تظهر على استحياء، ولم تكن ضمن قائمة المحظورات المسكوت عنها سياسياً واجتماعياً، إنما اتخذت صفة المؤسسة طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، ومن نتائج ذلك أن استقدمت ولايات أميركية عمالاً أفارقة للعمل في أراضيها الخصبة، وزراعة المنتجات عالية الطلب مثل التبغ والقطن والسكر والبن، تحت وطأة ظروف قاسية.

وعلى الرغم من أن العبودية ألغيت بعد إقرار التعديل الثالث عشر للدستور الأميركي في عام 1865، فإن منتقدي الولايات المتحدة وخصومها لم يتوقفوا عن استدعاء مآسي الأميركيين الأفارقة في الماضي والحاضر، لتحقيق انتصارات سياسية ومعنوية، في حين بدا الأميركيون متصالحين إلى حد كبير مع استحضار تاريخ العبودية، باعتبار ذلك فرصة لشجب الاعتداءات التي تعرض لها العبيد، ويلاحظ أن المؤسسات السياسية والأكاديمية والصحافية تناقش تلك المسائل بانفتاح وتوسع، بل وتفرد لها مناسبات وتغطيات خاصة.

في ضوء تلك الاعتبارات، لا يبدو أن النهضة الأميركية ستكون يوماً بمنأى عن ماضي العبودية الدامي، بخاصة أن تجارة الرق لعبت دوراً في الازدهار الأميركي. ومن المعروف أن التجار لم يستفيدوا وحدهم من تجارة الرق، ولكن أيضاً مالكي العبيد في الجنوب، الذين إما تلقوا أموالاً مقابل بيع الرقيق، أو استفادوا من إجبارهم على العمل في حقول القطن والسكر المدرة للربح، بالإضافة إلى ملاك محلات الملابس والمواد الغذائية والسفن والقوارب البخارية الذين انتفعوا من بيع المنتجات وتقديم خدماتهم للعبيد.

وتقول ماوري دي ماكينيس، أستاذة التاريخ في جامعة فيرجينيا، إن الرأسماليين في الشمال الأميركي استفادوا أيضاً من الاستثمار في البنوك التي قدمت خدمات الصرافة، ومن الاستثمار في شركات التأمين المؤمنة على استثمارات ملاك العبيد.

وتذكر، ماكينيس مؤلفة كتاب "عبيد ينتظرون البيع: الفن الذي ألغى العبودية وتجارة الرقيق الأميركية"، أنه في موطن حركة القضاء على العبودية في الولايات المتحدة، "نيو إينغلاند"، نهضت صناعة المنسوجات القطنية، على ظهور العبيد الذين أجبروا على قطف القطن. مضيفةً، "تجارة الرقيق ليست مجرد حاشية أو قصة جانبية في تاريخ العبودية الأميركية"، بل هي "مركزية في عملية تحديثها واستمرارها".

ذكرى سنوية

هددت العبودية هويات المستعبدين في الولايات المتحدة وعرضتها لخطر التآكل التدريجي، لكن البلاد تمكنت من طي ذلك الفصل الحالك في تاريخها، بفضل الحركات المناهضة للعبودية في ولايات مختلفة، التي قادها نشطاء أمثال الأميركي فريدريك دوغلاس الذي انتزع حريته، وأصبح من أبرز النشطاء الذين قاوموا العبودية بكتاباتهم، وكان حضوره المعرفي بمثابة الرد على ملاك الرقيق الذين يرفضون اعتبار عبيدهم مواطنين أميركيين مستقلين بدعوى عدم امتلاكهم القدرة الفكرية.

وعلى الرغم من المقاومة الشرسة من قبل ملايين الأفراد المستعبدين من أمثال دوغلاس، فإن تجارة الرقيق استمرت عبر المحيط الأطلسي لمدة 400 سنة، ولرفع الوعي بأحداثها، تحيي الأمم المتحدة، منذ أكثر من عقد، في يوم الخامس والعشرين من مارس (آذار) كل عام، ذكرى ضحايا تجارة الرق. وتعد المناسبة السنوية فرصة للتفكير في من عانى وقُتل تحت وطأة العبودية، وتهدف إلى "حشد المؤسسات التعليمية والمجتمع الدولي لتوعية الأجيال المقبلة بأسبابها ونتائجها والدروس المستخلصة منها، بالإضافة إلى التعريف بالأخطار المترتبة على العنصرية".