Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من الثورة المخمليّة إلى سقوط جدار برلين... عام 1989 آذن بنهاية الشيوعيّة

في بولندا، استغرق انهيار الشيوعية 10 سنوات وفي ألمانيا الشرقيّة 10 أسابيع وفي تشيكوسلوفاكيا 10 أيام

حراس حدود شرق ألمانيا يحطمون جزءاً من الجدار الفاصل بين شطري برلين (غيتي)

"الأمر مضحك"، يقول ساندور كسابو. "لكنني أعتقد أننا لم نكن نملك أدنى فكرة عمّا سيكون عليه العالم في العقود الثلاثة المقبلة. اقتصرت معرفتنا على ما لم نعد نُريده". فات الأوان على التماس الآراء حول ما كان يتوقّعه كسابو، وحينها كان طالباً من مدينة إيجر، ورفاقه المتظاهرين، حين وقفوا تحت المطر خارج أستوديوات التلفزيون المجريّ الرسميّ في بودابست، ربيع العام 1989.

كانوا جزءاً من معارضة متعاظمة الحجم ضد حكم الحزب الواحد في المجر وسواه من الدول التي تدور في فلك الاتحاد السّوفياتي. ولربما لم يتخيّلوا حينها أنّهم سيعيشون اليوم في ظلّ حكومةٍ قوميّة متشددة ومعادية للهجرة برئاسة فيكتور أوربان وحزب فيدس، الاتحاد المدني المجري، المحافط، ولكنهم كانوا متأكدين أنّهم يريدون التغيير. وكان لهم ذلك.

وحتى ولو قارنا العام 1989 بالتقلّبات السياسية الحالية، لا يسعنا إلا أن نصفه بالمضطرب – إذا ما أردنا أن نستخدم مصطلحاً مستهلكاً جداً في السياسة. وفي البدء كانت الأنظار مسلطة بشكل أساسي على حوض صناعة السفن لينين في ميناء غدانسك والمواجهات بين حركة "تضامن" النقابية بقيادة ليخ فاونسا والحكومة البولندية برئاسة فويسيتش جاروزيلسكي، وكان التغاضي عما يحصل في المجر، يسيراً. لكن مع تأكيد الشعب معارضته الأحزاب الشيوعية التي حكمته على مدى السنين المتعاقبة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية – من طريق اللجوء إلى وسائل قمعية تارةً ووسائل إعلامية تخضع لرقابة شديدة تارةً أخرى – يُمكن القول إنّ الأحداث في بودابست مهّدت لإحدى اللحظتين المحوريتين في مسيرة انهيار الهيمنة السوفياتية.

وفي أيار (مايو)، وبعد أسابيع من الاحتجاجات وبروز أحزاب سياسية متنوعة تُعارض الحكم الشيوعي، فتَحت الحكومة المجريّة برئاسة ميكلوس نيميت حدود بلادها مع النّمسا. فنيميت أدرك أخيراً أنّ نظاماً ديمقراطياً واقتصاداً منفتحاً أكثر وحدهما قادران على منع حكومته من الانهيار. وهذه خطوة شرّعت الأبواب على الغرب، وبدأت الهجرة الجماعية.

وفي جمهورية ألمانيا الديموقراطية (أو ألمانيا الشرقية)، كان الناس في حال ترقّب. فقوّات الحلفاء التي فازت بالحرب العالمية الثانية قسّمت بلادهم، وكان لواء التقسيم جدار برلين وحدود مسوّرة تمتد على 866 ميلاً تفصل ألمانيا الشرقية عن ألمانيا الغربية. وكان التنقّل بين الشطرين ممنوعاً. ومع ذلك، كان الناس في تلك المرحلة يركبون سيارات الترابانت خاصتهم ويتّجهون جنوباً صوب المجر، ومن المجر إلى النمسا، ومن النمسا شمالاً نحو الشطر الغربي من بلادهم المقسّمة. وهناك، كانوا يلتقون بعائلاتهم وأصدقائهم القدامى، ويتعرّف كثير منهم على جزء من بلادهم لم يعرفوه من قبل. ولو كان قائد ألمانيا الشرقية المتشدّد إريك هونيكر يحسب أنّ بإمكانه احتواء شعبه مدّة أطول أو لو كان يعوّل على تدخل الاتحاد السوفياتي، فحساباته كانت خاطئة. وهذا، ما مهد الطريق إلى اللحظة المحوريّة الثانية في مسيرة انهيار الهيمنة السوفياتية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ومع توقّع ميخائيل غورباتشوف انهيار الاتحاد السوفياتي اقتصادياً بعد سنوات من الرّكود تحت حكم قيادات متشدّدة، وفي إطار دعوته إلى التزام البيريسترويكا لإعادة الهيكلة الاقتصادية ورفع القيود عن المجتمع، غلاسنوست، التزام معايير الشفافية والانفتاح، اعتذر رئيس الوزراء السوفياتي فعلياً عن اجتياح أمّته المجر في العام 1956 وتشيكوسلوفاكيا في العام 1968 لقمع الاحتجاجات.

 وإبّان زيارته يوغوسلافيا في العام 1988، نبذ غورباتشوف عقيدة بريجنيف المؤيّدة للتدخّل السوفياتي في الدول التابعة إذا ما دعت الحاجة، موضّحاً أنّ عهد التدخّل في شؤون الدول الشيوعية الأخرى قد ولّى. وكان على يقين أن مثل هذا التدخل خاطئ، عدا عن أنه مكلف. فالمرابطة العسكرية الضخمة في روسيا وأوروبا الشرقية في آن واحد، كانت تستنفد الاقتصاد السوفياتي، وهو كان في النزع الأخير، على نحو ما استنفدت الاقتصاد السوفياتي الحرب التي دامت عشر سنوات في أفغانستان والتي انتهت في شباط (فبراير) العام 1989.

وفي وقت كان غورباتشوف يقصد طمأنة هذه الشعوب، أدرك سكان أوروبا الشرقية أن دواعي خشية شريكها الطاغية في الشرق انتفت. فعلى حدّ وصف ونستون تشرشل، تقسيم أوروبا بعد الحرب كان صنوَ تشييد ستار حديدي. وحينها بدأت علامات الصدأ تظهر على الستار هذا.

ومع تداخل الأحداث في أوروبا الشرقية، تمكّنت الحكومة الشيوعية في الصين من قمع ثورة طالبيّة في ساحة تيانانمين في بيكين. وراح ضحية القمع المئات أو ربما الآلاف، وكانت حملة القمع نقيض الأصوات الإصلاحيّة التي كانت تعلو في موسكو. وخلال احتجاجات تيانانمين، زار غورباتشوف الصين، ونقلت الوكالات الإخبارية التي تتبعت زيارته، صورة إيجابية عن المتظاهرين، الأمر الذي خلف أثراً عميقاً في المشاهدين في أوروبا الشرقية. وكان التسجيل الذي صار مشهوراً اليوم، الذي صُوِّر في حزيران (يونيو) وأظهر محتجّاً مجهول الهوية تصدّى بمفرده لدّبابة صينية، مصدر إلهام.

وما بدا مُفاجئاً وسريعاً من وجهة نظر الغرب، كانت جذورها في الحقيقة ضاربة. وعليه، لم تخمد صرخة الاستياء والاحتجاج التي دوّت للمرّة الأولى في المجر في العام 1956 وتشيكوسلوفاكيا في العام 1968، وكانت تتأجج. وعلى الرّغم من تجريم حركة "تضامن" النقابية في بولندا في العام 1980، لم ينحسر نفوذها، وكانت تصريحات غورباتشوف مشجعة. وبعد سلسلة إضراباتٍ، وجد ياروزلسكي نفسه مرغماً على فتح محادثات. وفي 4 حزيران (يونيو) في العام 1989، أُجريت أوّل انتخابات حرّة – جزئياً- منذ تولّي الشيوعيين السلطة؛ وفيها، حقّقت الحركة انتصاراً ساحقاً. وعليه، أطاحت بولندا سلمياً حكم الحزب الواحد (والمفارقة أنها تمكّنت من ذلك في اليوم التالي لأحداث ساحة تيانانمين).

وحثّ غورباتشوف نظراءه في الدول التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، على الإصلاح. وعلى الرّغم من تأييد رئيسي الولايات المتحدة المتعاقبين رونالد ريغان وجورج بوش الأب له، إلا أنهما التزما الحذر مخافة انهيار النظام السياسي الأوروبي برمته. ولكنّ غورباتشوف كان مستعداً لدعوة القادة الرافضين النظام السوفياتي إلى موسكو: رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر زارت العاصمة الروسية في العام 1987 وانتقدت الكيان الشيوعي على التلفزيون. وفي ذلك العام، دعا ريغان غورباتشوف إلى هدم جدار برلين.

بيد أنّ حلفاء غورباتشوف في أوروبا الشرقية اعتبروا هذا النّوع من الانفتاح ضرباً من الحماقة. فهم رأوا ما حدث في بولندا وقرروا وضع ثقتهم في المصلحة السوفياتية التي آمنوا في أنّها ستؤدّي في يومٍ من الأيام إلى استبدال غورباتشوف بشخصٍ أقرب إلى ليونيد بريجنيف، صاحب عقيدة التدخّل في جميع الظروف، وهي عقيدة عُرفت باسمه. وبالطبع، مثله مثل القائد التّشيكوسلوفاكي الإصلاحي ألكسندر دوبتشيك الذي، ومن قُبيل المفارقة، أطاحه السوفيات في العام 1968، لم يرغب غورباتشوف في سقوط الشيوعية ولم يتوقع سقوطها. كان يؤمن إيماناً قوياً في أنّ رفع القيود عن الاقتصاد والمجتمع سيُنقذها. ولكنّ الناس فقدوا ثقتهم بالنظام السوفياتي. وجاءت الأحداث على غرار كارثة تشيرنوبل في العام 1986 والرد الحكومي غير المناسب وغير الكافي، لتزيد الطين بلّة، وتقوض ثقتهم أكثر فأكثر.

وتفاقم الصدأ في السّتار الحديدي. فالمكتب السّياسي المجري للحزب الشيوعي أعلن أن اجتياح العام 1956 لبلاده وإعدام رئيس الوزراء آنذاك إيمري ناج، غير قانوني. وخصوم الشيوعية اليوم (ومن بينهم فيكتور أوربان) بدأوا بالمطالبة بالتغيير. ولمّا فُتِحت الحدود النمساوية، قَبِل نيميت البراغماتي بما هو محتم، وأعلن تنظيم انتخابات حرة. وحين إعلانه انقضاء عقيدة بريجنيف، قال المتحدث باسم الحكومة السوفياتية، غينادي غيراسيموف، مُمازحاً "هل تعرفون أغنية فرانك سيناترا "على طريقتي"(My Way)؟ يبدو أن المجر وبولندا تقومان بالأمور على طريقتهما؛ لدينا اليوم ما يُعرف بالمبدأ السّيناتري".

لم تكن كلّ تحرّكات الدّول على هذا القدر من الدّموية. وبحلول تشرين الأول (أكتوبر)، فرّ أكثر من 30 ألف شخص من ألمانيا الشرقية، ما دفع بهونيكر إلى إغلاق حدود بلاده بالكامل. ولكنّ إستراتيجيته كانت بلا جدوى، أشبه بمحاولة إعادة المارد إلى القمقم. وعلى الرّغم من سجن المتظاهرين وإصدار أمر للعسكر بإعدامهم بالرصاص، تواصلت المعارضة. لكن عندما حان وقت الحسم، رفضت القوات العسكرية إطلاق النيران على المتظاهرين في لايبزيغ، وأمر غورباتشوف الجنود السوفياتيين المتمركزين في ألمانيا الشرقية بالمكوث في ثكناتهم. فكانت نهاية هونيكر؛ ومع احتشاد نحو نصف مليون شخص من ألمانيا الشرقية في ميدان ألكسندر القريب من جدار برلين، لم يعد ثمة أمل في إنقاذ النظام. ولا يسع الرصاص والعصي وقف المدّ طويلاً حين تسقط الشرعية.

وفي التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر)، فُتحت الحدود مع ألمانيا الغربية. وحتى تاريخه، كان حوالي 200 شخص من ألمانيا الشرقية قد لقوا حتفهم أثناء محاولتهم عبور الجدار. لكن في ذلك اليوم، رفض الحرّاس إطلاق النار على آلاف المحتشدين الذين كانوا يتدافعون عبر البوابات. وبدأت مجموعات منهم بهدم أجزاء من الجدار بأيديها أو بواسطة مطارق وأزاميل، في مشاهد لا تزال في ذاكرة كلّ من رآها على شاشات التلفزيون. سقوط الشيوعية كان وشيكاً!

كان جيرهارد شومان طالباً في بوتسدام حين استقلّ الترامواي متّجهاً إلى المدينة. "في ذلك الوقت، أعتقد أن كثيراً من المحتجين كانت لهم دوافع سياسية"، يقول شومان. "أما أنا، فجلّ ما أردته حقيقةً، هو رؤية الشّطر الغربي من ألمانيا. كان جدّي وجدتي في سن فوق الـ 65 وكانا قادرين على زيارة ألمانيا الغربية. وقد عادا منها يوماً متحفظين، ووصفاها بالصّاخبة. وهذا ما عزّز رغبتي في زيارتها – أردتُ الزيارة لأسبابٍ سطحيّة للغاية. فقد بدت لي الفتيات هناك أكثر جمالاً، ولا شك في أنّ السيارات والبيرة كانت أفضل هناك". ويتذكر شومان صورة رجل يقف عند أعلى الجدار من الجهة الغربية وبيده فأس. "لستُ متأكداً مما إذا كان هذا الرّجل من مشهد تلفزيوني شهير"، يضيف شومان. "أو من المشاهد التي تكرّرت في كلّ مكان. كانت الحشود تهتف "افتحوا البوابات". وعندما فُتحت لهم، علت صيحاتهم وزاد عدد الجموع وعمّ شعور مفاده "لا عودة عما حصل"، يختتم شومان حديثه.

وعلى خطى ألمانيا، سارت كلّ من تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا. فالمرحلة الانتقالية بدأت في تشيكوسلوفاكيا في تشرين الثاني، وكانت جدّ سلميّة ولذا عُرفت بـ الثورة المخملية. وفي خطوةٍ بالغة الرمزية، انتُخب ألكسندر دوبتشيك رئيساً للبرلمان. وبعد الإطاحة به في العام 1968، اعتُبر رمزاً للأمّة الحرة. وأصبح المنشقّ والكاتب المسرحي فاتسلاف هافيل، دوبتشيك في العام 1989، رئيساً.

وبالنّظر إلى ضخامة الانتفاضة وانحسار الهيمنة العسكرية مع تخلّي الجيش الأحمر السوفياتي عن أوروبا الشرقية، اللافت أنّ الطاقم السياسي في مختلف البلدان نجا، إلى حد كبير، وبقي على حاله.

والاستثناء الوحيد كان في رومانيا حيث أمسك نيكولاي تشاوتشيسكو بمقاليد الحكم فيها منذ العام 1965. وفي وقت تجاهل مصير الدول السوفياتية الأخرى وتعالى عن التظاهرات الجماهيرية في بلاده، جاء رد تشاوتشيسكو متأخراً، وتوسل بالجيش ضد شعبه. وفي 21 كانون الأول (ديسمبر)، استنكر من كانوا أنصاره المخلصين خطابه، فما كان منه إلا أن فرّ مع زوجته إيلينا في اليوم التالي. وكان فرارهما دراماتيكياً في طائرةٍ مروحية من أعالي مباني بوخارست، هرباً من المحتجّين الذي كانوا يُضيّقون الخناق عليهما ويُحاصرونهما من كل جانب. ولكنّ تشاوتشيسكو وزوجته لم يفلتا تماماً، وأُلقي القبض عليهما بعد تغيّر ولاء الجيش وانضمامه إلى صفوف المعارضة.

وعلى الرغم من الإقرار بأنّ آل تشاوتشيسكو عاشوا في وفرةٍ وبذخ، فيما كان شعبهم المحروم يعاني الأمرّين من القمع السّياسي، لا تزال مشاهد نهايتهم المأساوية مزعجة إلى اليوم. فحتى الذين رأوا أن تشاوتشيسكو نال المصير الذي يستحقه، انزعجوا من الأحداث التي ضجّ بها العالم يوم عيد ميلاد السيد المسيح في العام 1989. وحُكم على تشاوتشيسكو، وهو مثُل أمام محكمة غير رسمية، بالإعدام واقتيد عنوةً وقُتل بالرصاص وصوّرت لحظاته الأخيرة. في عام التغيير ذلك، افتُقر إلى الرحمة، ولقي آلاف آخرين مصير تشاوتشيسكو خلال الصراع الدّامي الوحيد آنذاك.

وكان لنشوب هذه الانتفاضات الكبيرة تداعيات مباشرة. فالتحوّل من الاقتصادات المركزية التخطيط إلى اقتصاد السوق كان أليماً. وفيما تطلّع الشباب في أوروبا الشرقية إلى الغرب من أجل العمل وتحقيق ذواتهم، تكبّد كبار السن، المعتادون على تقديمات الدولة ودورها المركزي والراجح، العبء الأعظم من أثار المنعطف. وكانت لهذه الثورات أيضاً تداعيات غير مباشرة على الدول الشيوعية الأخرى لم تسلم منها حتى ألبانيا الستالينية التي بقيت معزولة فترةً طويلة. ولكنّ العاقبة الأكبر والأكثر دموية بينها جميعاً نجمت عن تفكّك يوغوسلافيا أوائل تسعينيات القرن الماضي. من السّاذج عدم الإقرار بأن أزمة العام 1989 كانت عاملاً مساهماً في الحروب التي مزّقت أوصال البلقان. ففي حكم جوزيف تيتو، التزمت دولة يوغوسلافيا، وكانت متعددة الأعراق والاقوام، نهجاً اشتراكياً خاصاً خارج إطار حلف وارسو أو الحلف العسكري للدول الشيوعية تحت سلطة سوفياتية. وبعد وفاة تيتو في العام 1980، اعتُبر التفكّك اليوغوسلافي نتيجة الصّراعات القومية والدينية والعرقية التي بلغت ذروتها في مجزرة سريبرينيتسا في العام 1995، بمثابة نقيضٍ مروّع لأحداث العام 1989 السلميّة في معظمها.

وليس مفاجئاً أننا نعيش اليوم النتائج المتباينة المترتبة على العام 1989. ففي كانون الأول (ديسمبر) من ذلك العام، التقى غورباتشوف الرئيس الأميركي جورج بوش الأب (الذي خلف ريغين في كانون الثاني (يناير) على متن سفينةٍ حربية تابعة للبحرية على مقربة من جزيرة مالطا. وبسبب الطقس العاصف حينها على الرغم من أن الغيوم السوداء لم تسد الآفاق الديبلوماسية، سُمّي لقاء القائدين بـ"قمّة دوار البحر". وفي هذا اللقاء، أعلن القائدان نهاية الحرب الباردة، بعد 45 عاماً تقريباً فصلت بين قمتي يالطا ومالطا.

أعرب الكثيرون عن أملهم في أن يكون السلام في أوروبا قد أُرسي فعلاً. فحلف وارسو حُلّ في العام 1991 بعد عام على فوز غورباتشوف بجائزة نوبل للسلام جراء شعبيّته الكبيرة في الغرب. أما في بلاده، فهو لا يزال مكروهاً بسبب دوره في تقليص النّفوذ الرّوسي والذي مهّد إلى حدٍّ كبير للنهج القومي العدواني المتعاظم الذي ينتهجه الرّئيس الرّوسي الحالي، فلاديمير بوتين.

وانضم عدد كبير من الدول التي كانت في ما مضى شريكة روسيا في حلف وارسو، إلى حلف شمالي الأطلسي، "الناتو"، وهو الحلف العسكري الغربي الذي يهدف على الملأ إلى مقاومة التدخّل السوفياتي- الرّوسي. وفي تلك المرحلة، لم يعد ثمة متاريس على طول الحدود الغربيّة الروسية، وتربّعت محلها حدود مباشرة مع حلف شمال الأطلسي. ومع انفراط عقد الاتحاد السوفياتي إلى الجمهوريات التي كان يأتلف منها في العام 1991، لم يعد في مقدوره السيطرة على الجمهوريات المنشقّة عنه، وفاقم استقلال إستونيا ولاتفيا وليتوانيا شعور بوتين بتطويق الغرب بلاده.

لكن ما الذي كان وراء أحداث العام 1989؟ هل كانت رغبة الشعوب المقموعة بالتصويت بحريّة والتعبير عن آرائها بصراحة؟ أم كانت استجابة لتعاظم التغطية الإعلامية التي تمكّنت، على الرغم من الرقابة الحكومية، من الكشف عن عالمٍ مختلف في الخارج؟ وهل الانقلاب على الشيوعية "انتصارٌ" للسياسة الريغانية واقتصادات السّوق الحرة على قدر ما هو صرخة من أجل الحرية؟

لا أعتقد ذلك، يقول التّشيكي بافيل كامينيك، 71 سنة، وهو مناضل سابق في احتجاجات "ربيع براغ" في العام 1968 واشتراكيّ لم يتخلّ يوماً عن مبادئه. وأضاف قائلاً "في العام 1989، لم يُرد الناس ثروات مادية أو ديمقراطية غربيّة مزيفة، بل أرادوا ببساطة أن تكون لهم كلمة في كيفية إدارة بلادهم. وللذين يعتبرون أنّ الديمقراطية لا تتماشى مع الشيوعية، نقول لهم إنّ هذا الكلام غير منطقي، وهو بالتحديد ما كنّا نطالب به في العام 1968. ولو أصغى إلينا بريجنيف آنذاك، كنّا لا نزال نعيش اليوم تحت مظلة الاشتراكية".

وليس مؤكداً أن محتجّي العام 1989 كانوا يعرفون حق المعرفة ما ستفضي إليه حركتهم. ولا شك في أن كثيراً منهم كانوا ديمقراطيين. وبعضهم كان يؤيّد الأسواق الحرة وبعضهم الآخر أراد بكلّ بساطة أن يعيش حياةً منعتقة من قبضة الدولة. ولكنّ الافتقار إلى هدف أيديولوجي أدّى، من نواحٍ كثيرة، إلى بروز حرية سياسية منفلتة من كل قيد. وبروز أوربان على الساحة السياسية في المجر ورفاقه في دول أوروبا الشرقية المكوِّنة لحلف فيشغراد، هو دليل على أنّ "الحرية" التي حازتها الشعوب في العام 1989، قد تأتي بأشكال مختلفة، غالباً ما تكون غير متوقّعة.

ولا يرى من همّ في سنّ كانوا فيها شهود على سقوط جدار برلين بين ليلةٍ وضحاها، أن ثمة مبالغة في الكلام عن المفاجأة السعيدة التي حملها انهياره. ولكنّ سرعة سقوطه خلّفت فراغاً سياسياً. وحسِبت الديمقراطيات الغربية، وركنها اقتصاد السوق، أنّ الرأسمالية ستملأ هذا الفراغ. وإذا كانت هذه حالهم، فيُرجّح أن يكون أمل هؤلاء وأمل الذين حاولوا التزام هذا الاقتصاد، قد خاب ولو جزئياً. واليوم وبعد مرور ثلاثين عاماً، لا تزال أوروبا الشرقية أفقر، إلى حد كبير، من الغرب.

بالطبع، أكثر مظاهر العام 1989 وضوحاً هو توحيد ألمانيا. ففي 3 تشرين الأول من العام 1990، وبعد مرور أقلّ من عام على سقوط الجدار، عادت ألمانيا من جديد أمةً واحدة. أما في تشيكوسلوفاكيا، فحدث العكس تماماً. وفي إطار الطلاق المخملي المزعوم، في اليوم الأخير من العام 1992، انقسمت سلوفاكيا وجمهورية تشيكيا، وهما دُمجتا بُعيد الحرب العالمية الأولى، إلى دولتين مستقلّتين.

ألقت أوساط كثيرة لائمة فشل النظام الشيوعي ومبدأ "المساواة" المثالية المنبثق منه- ولو لم يُطبق المبدأ هذا على خير وجه- على أحداث العام 1989. ولكنّ لا إجماع على تحميل حوادث العام1989 مسؤولية إخفاق الشيوعية. "فالشيوعية لم تفشل. قادتنا هم الذين أفشلوها. هل أنظمتنا اليوم في حال أفضل منها؟"، يسأل كامينيك.

وفي كتابه "لا حرية من دون خبز!" المستوحى من صرخات البولنديين المنشقّين، يُوافق قسطنطين بليشاكوف كامينيك الرأي إلى حد ما، زاعماً أنّ الشيوعية جعلت الحياة أكثر أماناً وأكثر قابلية للتوقع، في حين أنّ الديمقراطية، وإن كانت تلقى الترحاب، لا تضمن الازدهار، على الرغم من أن من المفترض فيها تحريّر الشعوب من قمع الدولة. ولكن ثمة مكاسب وخسائر ترتّبت على الكليشيهات السياسية.

وعلى الرغم من أن انتفاضات العام 1989 كانت من غير رؤية سياسية واضحة، هل في الإمكان اعتبارها "ثورات محافظة" كونها أفضت إلى الإطاحة "بنظامٍ اشتراكي تقدمي سياسياً"؟ من المستبعد؛ حتى قادة الثورات أنفسهم – إذا جاز وصف ما جرى بالثورات – مثل هافيل وآدم ميشنيك في بولندا، لم يلتزموا مواقف إيديولوجية محافظة، ولكنّهم كانوا مدركين تمام الإدراك فداحة الوضع الراهن. يقول بعضهم إنّ العام 1989 كان أقرب إلى "الثورة الأميركية" منه إلى "الثورة الروسية"، فالمواطنون اكتفوا بالتمسك بحقهم في الحرية وبأن تكون لهم كلمة في سنّ قوانين تحكمهم. وهذا تفسير معقول. وميشنيك أكّد بنفسه أنّ "حركة "تضامن" البولندية لم تُرِد سوى أن تقيّض لها الحياة على ما تشاء وأن تدع الآخرين يعيشون على ما يشاؤون".

بصرف النظر عن إرث هذا العام، انهيار الاتحاد السوفياتي كان سريعاً. وكما يقول الأستاذ في الدراسات الأوروبية، تيموثي غارتون آش، "في بولندا استغرق الأمر 10 سنوات؛ في ألمانيا استغرق 10 أسابيع وفي تشيكوسلوفاكيا 10 أيام". وحين رفع غورباتشوف سيف تدخّل الجيش الأحمر وتهاوت الحدود، كان الانهيار مجرد مسألة وقت.

أما اليوم ففي الإمكان القول إنّ بريطانيا تعيش تداعيات العام 1989. فثمة رابط بين الإطاحة بالشيوعية في أوروبا الشرقية واتساع رقعة الاتحاد الأوروبي مع تعليق الدول هذه آمالها على الغرب بحثاً عن النفوذ الاقتصادي والسياسي. وغادر شبان بولنديون وتشيكيون وبلغاريون ورومانيون ديارهم بحثاً عن فرص. ولكن الفرص هذه، أي عمل هؤلاء الشبان في رحاب الاتحاد الأوروبي، غذّت بدورها حركة التصويت على انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام 2016.

حين شاهد جيرهارد شومان ذلك الرجل يفتت إسمنت جدار برلين بفأسه في تشرين الثاني من العام 1989، لم يكن يتوقع أبداً أنّ هذا المشهد سيُفضي بعد 30 عاماً إلى تصويت البريطانيين على انسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي الذي تاقَ كثير من زملائه في الاحتجاجات إلى الانضمام إليه.

© The Independent