Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وباء كورونا نجم حفلة توزيع جوائز "سيزار" الفرنسية

 في مسرح أوليمبيا الباريسي صرخ السينمائيون :لا ثقافة لا مستقبل

من الفيلم الفرنسي "وداعاً أيها الأغبياء" الفائز بسبع جوائز (الخدمة الإعلامية للمهرجان)

وزّعت السينما الفرنسية جوائزها السنوية المعروفة باسم "سيزار" وهي المقابل الفرنسي لـ"الأوسكار" الهوليوودية. حمل الحفل الذي جرى حضورياً لا رقمياً في مسرح أوليمبيا الباريسي الشهير الرقم 46، وشهد توزيع تماثيل ذهبية في مجالات سينمائية مختلفة لأفلام كانت أبصرت النور العام الماضي، عام عرف تراجعاً غير مسبوق في الإيرادات، لم يسجل خلاله سوى ثلث مجموع المشاهدين الذي كان يسجل في الأعوام الماضية، مع التذكير بأن السينما الفرنسية تألقت من خلال بعض الأعمال التي برزت وكانت حديث النقّاد على الرغم من إقفال الصالات لأبوابها أثناء معظم أشهر السنة. 

فيلم "وداعاً أيها الأغبياء" للممثل والمخرج ألبير دوبونتل فاز بأكبر عدد من الجوائز (7 من أصل 12 ترشيحاً) وكان الرابح الأكبر في هذه الأمسية التي نُقلت مباشرة على محطة "كانال بلوس" المشفّرة. وقد كتبت جريدة "لو موند" ممازحة أنه "لم يسبق لفاشل أن ربح هذا القدر"، في إشارة إلى شخصيات الفيلم الذي يروي متاعب موظف غامض غير محظوظ بتاتاً لدرجة أنه يفشل حتى في الانتحار. تبدأ حوادث الفيلم مع "سوز ترابيه" (تلعب دورها فيرجيني إيفيرا) التي تعلم ذات يوم بأنها مصابة بمرض خطير وهي في منتصف الأربعينيات من عمرها، فتقرر البحث عن الطفل الذي أُجبرت على التخلي عنه في الماضي عندما كانت في الخامسة عشرة.

خلال انخراطها في الشؤون الإدارية بحثاً عنه، تلتقي رجلان، أحدهما خمسيني محطّم والثاني أعمى يعمل في الأرشفة وكل أفعاله تشي بحماسة عالية حيال ما يفعله. التائهون الثلاثة يشرعون في مغامرة مذهلة وغير متوقعة. الآراء حول الفيلم في الصحافة الفرنسية كانت جد متفاوتة، تراوحت بين وصف النقّاد له بـ"العمل الشديد السوء" إلى "التحفة". جريدة "لو باريزيان" كتبت: "دوبونتل وقّع أوبرا بصرية جذابة ومتوترة".

سجال سينمائي

المجلة الشهرية العريقة "بوزيتيف" قالت إن دوبونتل منذ ثلاثة أفلام، لم يبدّل أسلوبه السينمائي الذي يتجلى في كاميرا غريزة، إلا أنه بات يتجه أكثر فأكثر إلى إلقاء نظرة دافئة واجتماعية على ما يصوّره. مجلة "رولينغ ستونز" في نسختها الفرنسية هي الأخرى أثنت على الفيلم: "سابع أفلام دوبونتل هو أحد أهم ما أنجزه ويضرب في المكان الصح: القلب". في المقابل، مطبوعات راقية معروفة برأي نقّادها "الصعب"، لم تبدِ أي حماسة تجاه جديد المخرج الفرنسي: "لو موند" كتبت أن الفيلم لا يسلّي، ويُنتسى فور الخروج منه. نقّاد مجلة "تيليراما" انقسموا حول الفيلم، فمَن ضدّه كتب أنه عمل تقليدي. أما "دفاتر السينما" المعروفة بحدّيتها تجاه السينما الفرنسية الجماهيرية، فقالت إن الفيلم رجعي في مقاربته للميلودراما وإن الحكاية تليق بقصص البكائيات من القرن التاسع عشر، والأسوأ في رأيها هو الاستغلال الانتهازي لموضوع العنف البوليسي. ونعتت "ليه أنكوروبتيبل" إخراج الفيلم بـ"الكيتش" في رأي قريب من رأي ناقد "ليبراسيون" الذي اعتبر الفيلم شيئاً يشبه فيلم "بعد ساعات" لمارتن سكورسيزي. هذا هو باختصار شديد ما كُتب عن الفيلم الذي اعتبره أعضاء أكاديمية "سيزار" زبدة الأفلام الفرنسية في 2020. أما الذين خارج فرنسا، فغير مخوّلين بعد بإبداء أي رأي في عمل لم يشاهدوه، سواء لأن السينما الفرنسية غير منتشرة كزميلتها الأميركية أو لأن الوباء عطّل عمل دور العرض.  

هذه ليست المرة الأولى التي لا ينال فيلم من الأفلام الفائزة بعدد من الـ"سيزارات" إجماعاً نقدياً، فتاريخ هذه الجائزة مملوءة بمهاترات وانقسامات من هذا النوع بين مؤيد لفيلم معيّن وكارهٍ له. في أي حال، هذا أول "سيزار" عن أفضل فيلم ينالها دوبونتل البالغ من العمر 57 سنة، علماً أنه جمع 700 ألف مشاهد خلال عرضه في الصالات الفرنسية، قبل توقّفه بسبب الإغلاق العام الذي فرضته السلطات، مما يعني أنه كان من الممكن أن يتربّع على عرش شباك التذاكر لولا تفشّي الوباء. 

رفع الصوت

دوبونتل لم يكتفِ بجائزة أفضل فيلم، بل نال كذلك جائزة أفضل مخرج للمرة الثانية في حياته بعدما كان نالها سابقاً عن "إلى اللقاء فوق" (2017). في مقابل فيلمه، رُشِّحت 4 أفلام أخرى، منها اثنان قويان جداً هما "الأشياء التي نقولها، الأشياء التي نفعلها" لإيمانويل موريه الذي ترشّح لـ13 جائزة و"صيف 85" لفرنسوا أوزون (12 ترشيحاً)، وكلاهما خرجا من السباق بلا جوائز (باستثناء واحدة لفيلم موريه: جائزة أفضل ممثلة في دور ثانوي لإيميلي دوكين). أما فيلم أوزون الذي كان ترشح عنه هشام علوية (ابن المخرج اللبناني برهان علوية) عن فئة أفضل تصوير، فلم تلتفت له الأكاديمية بأي جائزة، الأمر الذي صدم كثر من السينيفيليين وشكّل خيبة كبيرة لهواة المخرج الكبير. وشهدت وسائط التواصل الاجتماعي نقاشاً في هذا المجال وسأل أحدهم: لمَ تم ترشيح أوزون لهذا العدد من الجوائز ثم لم يُمنح ولو واحدة؟ 

الأمسية قدّمتها الممثلة مارينا فويس، وأضحت منبراً مفتوحاً لرفع الصوت ضد قطاع الفن المهدد بالانهيار كلياً بسبب الإغلاق المتواصل وإهمال السلطات له في زمن الجائحة. كما أنها شهدت مطالب بالمزيد من التنوع داخل الصناعة السينمائية التي يتهمها الليبراليون بطغيان العنصر الواحد عليها، على غرار ما اعتدنا رؤيته في حفل توزيع جوائز "الأوسكار". جاء هذا كله بعد عام على أكبر هرج ومرج شهدته الجائزة في تاريخها نتيجة ترشيح رومان بولانسكي (المدان بقضية ممارسة الجنس مع قاصر في أميركا خلال السبعينيات)، القضية التي تفاعلت فأدت إلى استقالة جماعية داخل الإدارة. هذا العام يبدو أن الأمور جرت بحسب المطلوب، أي بتطبيق المعايير التي تراعي تطورات العصر: احترام التنوع وقيم الديمقراطية والكوتا. الممثل رشدي زم (فرنسي من أصل مغربي) افتتح السهرة بكلمة معبّرة، فقال: "قوانين اللعبة تتغير، لا من أجل إيقاف اللعبة، بل لتتساوى فرص الربح بين الناس". لهجة التغيير كانت حاضرة طوال السهرة أيضاً من خلال إسناد جائزتين في فئة أفضل ممثل صاعد وممثلة صاعدة إلى شخصين من أصول أفريقية، هما جان باسكال زادي عن دوره في "أسود ببساطة"، وفتحية يوسف (ابنة الـ14 سنة)، عن دورها في "صغيرات" للمخرجة ذات الأصول السينغالية مايمونا دوكوريه، الفيلم الذي كان أثار جدلاً كبيراً العام الماضي بعد عرضه في مهرجان برلين، لأنه يصوّر بنات غير بالغات على نحو اعتبره البعض مخلّاً وغير أخلاقي، إذ يدعو إلى البيدوفيلية بحسب رأيهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فيلم دوبونتل لم يكن نجم السهرة الوحيد. ويمكن القول إن أحداً لم يستطِع الإطاحة بنجومية الوباء الذي ألقى بظلاله على الحضور. الكل تقريباً أراد قول شيء ما في شأنه، ليبدو كورونا عدوّ الفنانين والفن الأول. عالم الثقافة والفن قال كلمته خلال الحفل، كلمة تنطوي على الكثير من اليأس. وبلغ هذا الأمر ذروته عندما نزعت الممثلة كورين ماسيرو ملابسها (كانت ترتدي فرواً حيوانياً مدمّماً) لتبدو عارية تماماً وقد كتبت على بطنها "لا ثقافة، لا مستقبل" وعلى ظهرها "ردّ لنا الفن، جان". المفارقة أنها كانت هنا لتسلّم جائزة أفضل ملابس! حركة طمحت من خلالها للقول إن الفنانين، خصوصاً المناومين منهم، صاروا حفاة عراة في زمن الأزمة الصحية التي يعيشها العالم. الفائزون الذين اعتلوا الخشبة اعترضوا ضد واقع يجعل الناس في إمكانهم زيارة متاجر "زارا" ولا يمكنهم ارتياد صالات السينما التي لا تزال مقفلة، علماً أن وزيرة الثقافة وعدت بإعادة فتحها قريباً تحت شروط معينة. 

"بنك نعيش" التونسي

الممثل الفرنسي من أصل تونسي سامي بوعجيلة نال جائزة أفضل ممثل عن دوره في "بيك نعيش" لمهدي البرصاوي، فقال وهو يتسلّم الجائزة إنه كان له دائماً الانطباع بأن الأدوار تختار الممثلين أكثر مما هم يختارونها. يُذكر أنه سبق لـ"اندبندنت عربية" أن حاورت هذا الممثل القدير في مقابلة قال فيها: "كي أفهم الشخصية عليّ أن أفهم نفسي أولاً". جائزة أفضل فيلم أجنبي ذهبت إلى "ثمل" للمخرج الدنماركي توماس فينتربرغ، المعروض على "نتفليكس" حالياً، الذي يحكي عن قرار أربعة أصدقاء تطبيق نظرية عالم نفس نرويجي مفادها بأن الرجل يعاني منذ ولادته من نقص في الكحول في الدم. بصرامة علمية، يواجه كل منهم التحدي، على أمل ان تكون حياتهم أفضل! النتائج مشجعة في البداية، إلا أن الوضع يخرج عن السيطرة بسرعة. أخيراً، جائزة أفضل فيلم قصير كانت من نصيب المخرجة المغربية صوفيا العلوي عن فيلمها "لا يهم إن نفقت البهائم" الذي عُرض سابقاً في مهرجان ساندانس الأميركي ورشح لـ"الأوسكار". الشريط ناطق باللغة الأمازيغية ويحكي عن شاب ووالده يعانيان من نفوق قطيع أغنامهم في أعالي جبال الأطلس المغربية. 

المزيد من سينما