Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كوكب الأرض أمام عصر جليدي جديد ينتظر "الشرارة"

هل يكتب نهاية الحضارة الأوروبية وموت القارة العجوز؟

أول عصر جليدي عرفه كوكب الأرض كان قبل 2.3 مليار سنة (غيتي)

أسفرت موجات البرد القارس التي تعرضت لها الكرة الأرضية هذا الشتاء، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية، إلى إعادة طرح التساؤل الذي استمعنا إليه طويلاً في سبعينيات القرن الماضي: "هل العالم يقترب من عصر الجليد"؟، وقد عزز التساؤل تلك الموجة غير الاعتيادية التي ضربت ولاية تكساس الأميركية، والتي عزاها البعض إلى حالة التغير المناخي التي تشمل العالم.

في هذه القراءة نحاول إلقاء الضوء على معنى ومبنى عصر الجليد القادم، وهل سيأتي بالفعل، أم أنه جاء من قبل ولن يعود ثانية؟ ثم هل كانت الانبعاثات الكربونية سبباً مباشراً في تأخير ظهوره مرة جديدة؟ والعديد من النقاط المثيرة.

ما هو العصر الجليدي بدايةً؟

بالرجوع إلى الموسوعات العالمية، لا سيما البريطانية، يتكشف لنا أن العصر الجليدي هو فترة في تاريخ الأرض، قبل ظهور الإنسان، غطت فيها الثلوج أقاليم كبيرة، وأن أول عصر جليدي عرفه كوكب الأرض كان قبل 2.3 مليار سنة، وهناك عصر آخر قبل 600 مليون سنة، وثالث قبل 300 مليون سنة، أما أكثر العصور الجليدية حداثة فقد انتهى قبل نحو 10000 سنة.

في مؤلفه الشهير "الكوارث العالمية"، يحدثنا البروفسور بيل ماغواير، الأستاذ الفخري بقسم المخاطر المناخية والجيوفيزيائية بكلية لندن الجامعية، ومدير مركز بنفليد لأبحاث المخاطر، عن أنه خلال فجر التاريخ، كان سطح الأرض يغلي بمحيطات الحمم والبراكين الثائرة، ومع أن درجات الحرارة انخفضت انخفاضاً كبيراً حين هدأت حدة العمليات الجيولوجية السائدة، فقد تنعم كوكبنا بالدفء طوال جزء كبير من تاريخه الذي يمتد لـ4.6 مليار سنة.

لكن من حين لآخر كان مزيج عارض من الظروف يعلن عن تكون صفائح جلدية ضخمة تحول تلك الجنة إلى صقيع.

 لقد جعلت الأعمال الفنية والأفلام الوثائقية التلفزيونية معظمنا معتاداً على فكرة العصر الجليدي الكبير الأخير، حين كانت حيوانات الماموث تجوب التندرا (سهل أجرد في المنطقة القطبية الشمالية)، وكان أسلافنا الذين يرتدون جلود الحيوانات يناضلون من أجل العيش في عالم متجمد.

كيف باتت الأرض كرة جليدية؟

تبدو قصة عصر الجليد مثيرة للغاية، بحسب البروفسور ماغواير، وعنده أن دراسات للتكوينات الصخرية ذات الصلة بالجليد في جميع أنحاء العالم، ألقت الضوء على فترة صقيع أقدم وأسوأ بكثير، فترة كان كوكبنا فيها أشبه بكرة ثلج جامدة تندفع بقوة في الفضاء... فما الذي جرى؟

منذ زمن بعيد وخلال حقبة جيولوجية أصبح يشار إليها باسم الفترة الكريوجينية، نسبة إلى سائل الكريوجين، والذي يستخدم للحصول على درجات حرارة منخفضة جداً، وجدت الأرض نفسها على عتبة حرجة في تاريخها، فقد انخفضت حرارة الكوكب بنسبة هائلة منذ تكونه على مدار أكثر من 3.5 مليار سنة مضت، وصارت المشكلة وقتئذ أن يظل دافئاً.

في ذلك الوقت بين 800 و600 مليون سنة مضت، كانت الشمس أضعف، والأرض تنعم بإشعاع شمسي أقل من الآن بنحو 6 في المئة. وعلاوة على ذلك لم تكن تركيزات الغازات الدفيئة – ثاني أكسيد الكربون والميثان في المقام الأول – التي ترفع درجة حرارة كوكبنا الآن عالية بما فيه الكفاية لإبعاد برد الفضاء القارس... فما الذي حدث بعد ذلك؟

هنا تشكلت الصفائح الجليدية الضخمة سريعاً، واندفعت نحو خط الإستواء من كلا القطبين، مغلفة كل الكرة الأرضية أو معظمها بدرع من الجليد سمكه كيلومتر.

وبما أن تلك الكرة ناصعة البياض، كانت تعكس الإشعاع الشمسي إلى الفضاء مرة أخرى، فقد انخفضت درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية تحت الصفر، وعندها بدا احتمال دوام الجليد قوياً.

لكن لاحقاً لا بد أن شيئاً قد حدث وكسر ذلك الجليد، وإلا ما كانت هناك حياة على الأرض، ويخبر العلماء أن ظروف "كرة الثلج" تلك قد تضاعفت ست مرات، وفي كل مرة كانت تخضع لعودة مناخ أكثر دفئا... فهل الحاضر شبيه بالماضي، وإن بدرجة أقل؟

الشمس وعصر جليد مصغر

ترى هل هناك علاقة بين تحول الأرض إلى زمن عصر الجليد من ناحية، وما يجري على سطح الشمس من جهة ثانية؟

قبل خمسة أعوام أطلق علماء البيئة والجيولوجيا في بريطانيا تحذيراً من أن الأرض تقترب من ظاهرة تسمى "مينيموم دو موندر"، والتي تؤدي إلى انخفاض محسوس في درجات الحرارة على الكوكب الأزرق، تماماً كما حدث في الفترة ما بين 1645-1715، وقد لاحظ في التوقيت نفسه عالم الفلك الأميركي، جون إدي، أن عدد البقع الشمسية السوداء والمجال المغناطيسي وكل أشكال نشاطها كانت أدنى مما هي عليه اليوم.

في هذا الإطار تبدو نتائج الدراسات التي أجرتها "الجمعية الفلكية البريطانية"، مثيرة لقلق البشر بالفعل، ولا سيما أنها تؤكد أن نشاط الشمس مرشح للانخفاض بنسبة 60 في المئة في أفق 2030-2040، ما يعني انخفاض درجة حرارة الكرة الأرضية.

لم تقتصر التوقعات على البريطانيين والأميركيين، فقد خرجت البروفيسور الروسية "فالنتينا زاركوفا"، على العالم مؤخراً بنتائج ملاحظات بلادها عما يجري فوق سطح الشمس، من أن اثنين من الموجات المغناطيسية داخل الشمس لديهما تركيب مختلف من حيث المواد، هذه الموجات مسؤولة عن دورات الطقس في الأرض في إطار دورة زمنية عمرها 11 عاماً، أما النتائج التي تم التوصل إليها، وهي دقيقة بنسبة 97 في المئة، فإنها تشير إلى أنه بحلول 2030 سنشهد انحداراً شديداً في درجات الحرارة.

هل كانت وكالة ناسا بعيدة بصورة أو بأخرى عن القراءات المستقبلية الخاصة بعصر الجليد؟

بالقطع لا، وهي التي لديها أعين وآذان خارج الكرة الأرضية، فقد صدرت عنها تقارير عدة يستنتج منها أن الشمس ستصل إلى أدنى نشاط لها منذ أكثر من 200 عام في الأعوام من 2030 إلى 2031، ما قد يتسبب في انخفاض متوسط درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية في موجة برد تستمر 12 شهراً، وهي ظاهرة تحدث مرة واحدة فقط كل 400 سنة، وستكون أغلب آثارها غير ضارة، إلا أن المخاوف تتشكل من أن الفترات الجليدية والصيف الرطب قد تطول حتى يستعيد النشاط الشمسي قوته مرة أخرى في عام 2053.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

زوال أوروبا وتحولها لجليد

تبدو قصة عصر الجليد هذه مخيفة للبعض، لا سيما بعد أن سلط مجموعة من الباحثين الألمان من معهد بوتسدام لأبحاث المناخ، مع زملاء من دول أخرى، أعينهم على حركة المياه الدافئة في المحيطات، وقد أشاروا إلى ما وصفوه بـ"الانخفاض القياسي في سرعة تيار الخليج الدافئ"، والمعروف بـ"غولف ستريم"، على مدار الألفية الماضية، ما سيؤدي إلى احتمال وفرضية زوال أوروبا بعد تحولها للجليد... كيف ذلك؟

هذا ما يشير إليه، فلاديمير تشوبرين، في صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس"، وعنده أن علماء في جامعة واشنطن ومختبر لوس ألاموس الوطني والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، بأميركا، سجلوا زيادة في محتوى المياه العذبة في المحيط المتجمد الشمالي بنسبة 405 خلال السنوات العشرين الماضية، ما يعد سكان أوروبا الغربية والولايات المتحدة بصقيع مر في الشتاء، وانحباس الأمطار في الصيف.

ولعل التساؤل المثير جداً للقارئ العادي، وليس للعلماء، كيف يمكن أن يحدث عصر الجليد الصغير، في ظل أزمة التغير المناخي وبخاصة الاحتباس الحراري؟

أحد الذين تصدوا للجواب عن علامة الاستفهام المتقدمة، الباحث البارز في مركز بوشينو الفيدرالي العلمي التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أليكسي كارنوخوف، والذي توقع أن يؤدي الاحتباس الحراي إلى بداية العصر الجليدي، وقد ذهب إلى أن الاحتباس الحراري قد يؤدي إلى توقف تيار الخليج، ثم يأتي عصر جليدي حقيقي، ما يعني أن قارة أوروبا تعيش على قنبلة مناخية موقوتة  كبيرة، ذلك أن توقف تيار الخليج الدافئ، والذي يعد "موقد أوروبا الغربية"، يعني موت حضارة القارة.

ما خلاصة هذه الجزئية؟

يمكن القطع بأن الجليد سيغطي الجزء الشمالي من القارة، بينما سيتحول الجزء الجنوبي إلى "توندرا"، كواقع جيوسياسي، وساعتها ستكف أوروبا ببساطة عن الوجود، وسينخفض متوسط درجات الحرارة السنوية هناك بمعدل 10 إلى 2- درجة مئوية، وتصبح القارة غير صالحة للسكن، ناهيك بالزراعة.

انبعاثات الكربون وجدلية الجليد

هل باتت الكرة الأرضية مستعدة بالفعل لعودة عصر الجليد الكامل مرة جديدة؟

يعتقد البعض أنه ليس مطلوباً سوى شرارة البدء، أي صدمة مفاجئة  للنظام تطيح بتوازن المناخ وتجعله يترنح ثم ينهار تماماً ليصبح في حالة أقل احتمالاً.

هنا السؤال: ما دور الاحتباس الحراري في هذه الأزمة؟

بعض العلماء يرى أنه ليس من المؤكد إن كان الاحتباس الحراري قادراً على أن يسبب صدمة من الحجم المناسب، لكن الأبحاث الجديدة تقودنا إلى قلق متزايد من أن احترار اليوم قد يصبح جليداً غداً.

هؤلاء العلماء يؤكدون أن المفتاح يكمن في نظام دوران المحيطات الخاص بشمال المحيط الأطلسي، والذي يبدو أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتحولات التي جرت في الماضي من حلقات الدفء إلى حلقات الصقيع، والعكس.

لكن على الجانب الآخر، هناك من يرى أن انبعاثات الكربون، التي تسببت في ظاهرة الاحتباس الحراري، هي التي عملت على تأخير العصر الجليدي، وهذا ما أشار إليه علماء ألمان، قالوا إن الغازات الدفيئة التي يطلقها البشر في الغلاف الجوي، هي التي ساعدت على إنقاذ الأرض من عصر جليدي جديد، وأن حدوث هذه الظاهرة سيتأخر لأكثر من 50 ألف سنة.

وبالرجوع إلى دورية "نايتشر جورنال"، نجد أندريه جانوبولسكي، من معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ، يؤكد أن فكرة العصر الجليدي المقبل قد تكون بعيدة، وأنه لا توجد أهمية علمية حقيقية لمناقشة ما إذا كان ذلك العصر سيبدأ خلال 50 ألفاً، أو 100 ألف عام من الآن.

هل جزئيات الكربون في الغلاف الجوي نعمة وليست نقمة، كما يرى أصحاب هذا التيار؟

علمياً، إذا كان تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قد بلغ 240 جزءاً في المليون منذ 200 عام، فقد كان من الممكن أن يبدأ عصر جليدي جديد، لكن لحسن الحظ فإن تركيز ثاني أكسيد الكربون كان أكبر من 280 جزءاً في المليون، واليوم أدت المجتمعات الصناعية الحديثة إلى زيادة تركيزه إلى 400 جزء في المليون.

عصر الجليد وإرادة البشرية

مهما يكن من أمر التضاد المتقدم بين ظاهرة الاحتباس الحراري من جهة، وبرودة الكرة الأرضية إلى حد التجمد من جهة أخرى، فإن هناك أمراً مهماً يستوجب الإشارة، وهو أن التغير المناخي الذي تمر به الكرة الأرضية، لا يعني بالضرورة ارتفاع حرارة سطح الأرض فحسب، بل ربما يعني كذلك الدخول في زمن عصر الجليد، الأمر الذي يلقي بعلامة استفهام رئيسة: هل البشرية قادرة على منع أو حتى إبطاء الدخول في تلك الفترة، ونحن هنا نتحدث عن دول العالم الصناعي المتقدم، والتي تتسابق لمراكمة الثروات، والعودة إلى استخدام الفحم كمصدر رخيص للطاقة، على حساب التلوث، وارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، والوصول إلى حد الانفجار؟

تبين لنا قراءات علمية مختلفة أن هناك علاقة وثيقة بين التغيرات المناخية، وبين الجليد المحتمل، وقد ترجح كفة العلماء الذين يربطون بين الاحتباس الحراري وبين احتمالات عودة الجليد ليدمر أجزاء من العالم، وعليه باتت البشرية أمام تحدٍ جسيم وخيار صعب، فهل تريد الدخول في العصر الجليدي مباشرة، أم تعاني القيظ أولاً؟

 أياً كان خيارنا فلا أحد ينكر أن حياة الأجيال القادمة ستزداد صعوبة لو عاد الجليد مرة أخرى، أما الحياة في أوروبا وأميركا الشمالية وروسيا ووسط آسيا وشرقها فستكون مستحيلة تماماً.

هل ستبقى البشرية على حالها إذا ضرب الجليد مرة أخرى الكرة الأرضية؟

يحتاج هذا التساؤل إلى قراءة قائمة بذاتها، غير أنه باختصار غير مخل يمكننا القول إن دماراً مريعاً سيلحق بالجنس البشري، وإن لم يكن معنى ذلك اختفاءه مرة واحدة، فالبداية ستكون نحو الهجرة إلى الجنوب، والتي سترافقها بلا شك حروب دامية بخصوص أماكن المعيشة ومواردها.

سيكون مناخ الأرض خلال عصر الجليد غير مناسب لعدد سكان الأرض، الذي سيبلغ من 8 إلى 10 مليارات نسمة، ومن المؤكد أنه ستكون هناك مجاعة واسعة النطاق، إلى جانب حروب أهلية، ما سيؤدي إلى هلاك غالبية الجنس البشري، ومن يتبقى سيكون صورة باهتة عما كان عليه في السابق.

هل من طريق للنجاة من الهول الآتي من بعيد؟