Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مأساة رضيعة فارقت الحياة فيما كانت عائلتها تحاول بلوغ بر الأمان

تروي إحدى الأسر الكردية الشابة قسوة الشرطة مع اللاجئين في كاليه الفرنسية وتكبدها خسارة وليدتهما خلال محاولة العبور بالقارب نحو الشاطئ البريطاني

روباك وهاجر في لندن بعد عبورهما القناة مع ولديهما (عن ماي بولمان)

عندما اقتربت روباك وهجَر الشريف من القارب وهما يمسكان بيدي طفليهما الصغيرين ويرتديان سترتي نجاة تحت أذرعهما، راحا يصليان كي تكون هذه الرحلة رحلتهما الأخيرة التي ستقودهما والطفلين الى بر الأمان. إذ بعد سيرهما طوال سبع ساعات بمناطق شمال فرنسا، برفقة عائلتين كرديتين وشابين آخرَين بهدف العبور والوصول الى بريطانيا، فقد أمِل الزوجان في أن تتوج تلك المحاولة سعيهما لبلوغ شاطئ الأمان البريطاني إثر رحلة بدأت منذ ثلاثة أعوام.

كان الوقت قرابة الثانية فجراً حين بلغوا القارب الصغير الذي ينتظرهم عند طرف مهجور من الساحل الفرنسي شمال منطقة كاليه. وقامت روباك، التي لا يبلغ طولها أكثر من خمسة أقدام (152 سنتم)، بربط سترة النجاة جيداً حول بطنها البارزة. كان قد مر 35 أسبوعاً على بداية حملها بجنينها الثالث. وأملت السيدة في أن تمثل محاولة العبور هذه بداية جديدة في حياتها، تأتي في الوقت المناسب تزامناً مع مجيء مولودها الموعود إلى هذا العالم.

فجأة اخترق الظلام ضوء مصباح محمول، وظهرت مجموعة من الأشخاص، تبين أنهم عناصر شرطة. وفي ومضة عين بلغ أولئك العناصر القارب الصغير، وأتلفوا هيكله المطاطي لجعله غير صالح للاستخدام. ثم اقتادت الشرطة طالبي اللجوء، وأبعدوهم عن الشاطئ إلى ناصية طريق حيث كانت تقف حافلتا شرطة صغيرتان. فُتشوا وصودرت هواتفهم المحمولة وسترات النجاة التي كانت بحوزتهم. وابتدأ الكابوس حينها. عن تلك اللحظات العصيبة تروي روباك: "انهار السائل السلوي فجأة وأحسست بالبلل. وقعت على الأرض وقلت لهم إنني بحاجة لمساعدة". تابعت ابنة الـ 36 سنة سردها، فذكرت أن عناصر الشرطة قالوا إنهم اتصلوا بمسؤوليهم وعليها الانتظار. ولأنها وزوجها جردا من هاتفيهما، لم يستطيعا الاتصال بسيارة إسعاف.

مجموعة الأشخاص الذين كانوا مع روباك وهجر، من بينهم طفلاهما أنس (10 سنوات) وإيلاريا (4 سنوات)، ظلوا واقفين عند ناصية الطريق وسط الصقيع ساعات عديدة، وقد خضعوا لمراقبة عناصر الشرطة المتواصلة، بحسب ما ورد في شكوى رفعها محامي العائلة (عائلة روباك وهجر) بحق الشرطة الفرنسية. وفي تلك الأثناء بدأت روباك تنزف.

وتقول السيدة الكردية: "أنا متأكدة من أنهم كانوا يعرفون أنني سألد. ثيابي كانت مبللة وملطخة ببقع الدم وكنت أريهم ذلك، لكنهم لم يفرجوا عنا كي نذهب إلى المستشفى. راح الأطفال يبكون. ابني كان في قلق شديد. كانوا يعانون البرد، ولم يعرفوا ماذا يجري".

ويتذكر زوج روباك، هجر، قائلاً: "أحد رجال الشرطة قال: لماذا لا تعودون أدراجكم إلى العراق؟... كان الشرطي يتجاهل ما يحصل لزوجتي. وتلك لم تكن المرة الأولى التي تعتقلنا فيها الشرطة الفرنسية عند ساحل البحر، إلا أنهم لم يسبق أن تصرفوا على هذا النحو الفظ مثلما فعلوا تلك الليلة".

وأخيراً قرابة السابعة صباحاً، غادر عناصر الشرطة وأخذوا معهم الشابين اللذين كانا مع مجموعة اللاجئين. ولم يطلبوا سيارة إسعاف لروباك. فبدأت العائلات الثلاث سيرها على الطريق بحثاً عن محطة لوقوف الباصات، وكانت روباك عاجزة عن السير تقريباً. ثم جلسوا عند ناصية الطريق وبدأوا يشعلون النار كي يتدفؤوا قليلاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعن ذلك الوقت تروي روباك "كنت أشعر بألم شديد، وكان الطقس بارداً جداً، فصرت أرتجف. شعرت بأنهم كانوا يحاولون معاقبتنا وجعلنا عبرة للآخرين كي لا يقوموا بمحاولة عبور (إلى بريطانيا) مثلنا". وقد ظل الحال على هذا النحو إلى أن حضرت سيارة شرطة ورأى عناصرها ما يجري، فتم الاتصال بسيارة إسعاف. وعند وصول روباك إلى المستشفى أدخلها الأطباء في الحال إلى قسم الولادة القيصرية.

ومنذ لحظة ولادة الطفلة، التي سماها الزوجان ألكسندرا، باتت بين أيدي الفريق الطبي بالمستشفى الذي راح أفراده يجاهدون لإبقائها على قيد الحياة. إذ إنها كانت تعاني من مشكلات حادة في التنفس وأخرى في جهازها العصبي. وبعد ثلاثة أيام، في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2020، قرر الأطباء وبموافقة يائسة من والديها، روباك وهجر، نزع جهاز التنفس عنها.

"كانت الطفلة بين ذراعيّ عندما ماتت. قال الطبيب لي لو أنك وصلت إلى هنا أبكر بساعة، لكانت الأمور ستبدو مختلفة،" قالت روباك والدموع تملأ عينيها. ألكسندرا دفنت في كاليه في اليوم التالي.

المأساة هذه حلّت بعد ثلاثة أعوام قضتها العائلة الصغيرة على الطرقات. وروباك وهجر وأنس، الذي كان آنذاك بعمر السابعة، غادروا ديارهم في مدينة السليمانية شرق كردستان العراق سنة 2017، إثر تهديدات تلقاها هجر بسبب انتسابه إلى حزب سياسي معارض للسلطة القائمة هناك. وقررت العائلة غير المرحب بها في البلد المجاور للعراق، تركيا، إكمال طريقها نحو أوروبا. وعلى هذا الأساس سددت مبلغاً لـ"عميل" – مهرّب – مقابل ضمان وصولها إلى أوروبا بأمان. وقررت هذه العائلة الذهاب إلى بريطانيا.

بعد سير أفراد العائلة على الأقدام من تركيا إلى اليونان وجدوا أنفسهم في مخيم للاجئين مكثوا فيه سنتين، وقد ولدت خلال تلك الفترة الابنة إيلاريا. وبعد طول انتظار تمكنوا من مغادرة المخيم، مسافرين سيراً على الأقدام عبر ألبانيا، وكوسوفو، وصربيا، والبوسنة، وكرواتيا.

 "كنا نمشي طوال الليل ونخيم في النهار مختبئين من الشرطة،" يقول هجر وهو يظهر صورة لطفليه، تبدو فيها الابنة صغيرة الحجم بالنسبة لشقيقها الأكبر. ويقول هجر: "إلى الآن ما زالت ابنتنا صغيرة الحجم. معظم حياتها قضتها حتى الآن على الطرقات. وأحياناً لا يتوفر الحليب لتغذيتها".

"في إحدى المراحل في كرواتيا لم نحصل على طعام طوال أربعة أيام. اقتصر طعامنا آنذاك على أوراق الشجر. وكنا نأكل ملفوفاً نيئاً. كانت أيام بالغة الصعوبة لأن طفلينا كانا جائعين. وما زلت لا أسامح نفسي لأني وضعتهم في هذه الحال، لكنني لم أملك الخيار".

 

ولاقت العائلة الأمرين لعبور كرواتيا بسبب كثافة وجود الشرطة عند الحدود. وفي مرحلة من المراحل أُجبروا على مغادرة البلاد (كرواتيا)، ووجّههم "العميل" (المهرّب) آنذاك للذهاب إلى رومانيا كحل بديل. ونظراً لجائحة فيروس كورونا علقوا في رومانيا تسعة أشهر.

يقول هجر: "مكثنا في معسكر احتجاز. وإن أردت الذهاب آنذاك إلى السوبرماركت كانت الشرطة تواكبني. كان الأمر صعباً للغاية. وكانوا مستعدين لضربنا".

في منتصف يوليو (تموز)، سافر أفراد العائلة الأربعة عبر ألمانيا وبلجيكا، ووصلوا أخيراً إلى فرنسا حيث عاشوا نحو خمسة أسابيع في خيمة. وقامت جمعيات الإغاثة هناك بتزويدهم بالطعام وثياب الشتاء، بيد أن عمليات الإخلاء المستمرة للمخيم التي قامت بها الشرطة، إضافة إلى الطقس البارد، جعلت العائلة تشعر بحاجة ملحة وماسة للوصول إلى بريطانيا بأي ثمن كان، إذ مثلت المملكة المتحدة برأيهم برّ الأمان الوحيد.

ويقول هجر في هذا الصدد: "كل ما كنت آمله آنذاك هو التخلص من حياة الخيمة والعراء تحت المطر ومن عيشة الافتقار إلى كل شيء".

"ابني يبلغ العاشرة وبدل أن يكون في المدرسة ها هو يخوض الرحلة معنا على الطرقات".

"في بلدي كنت معرضاً للخطر. وقد هددوني بالقتل. غادرت لأكون في مكان آمن، وكي أبتعد عن التهديدات. لم أتعرض لمثلها خلال رحلتنا في أوروبا. ولا في فرنسا طبعاً".

تقول روباك: "العيش في ظل تلك الأيام الممطرة كان غاية في الصعوبة. في كل ليلة كانوا يأخذوننا إلى البحر ويقولون لنا سوف نعبر. كنت حاملاً، ومريضة. وغالباً ما شعرت بأنني مشرفة على الموت. لكني كنت شخصاً قوياً. ما تمنيته فحسب أن يولد طفلي في بريطانيا. لكن للأسف أمنيتي لم تتحقق".

وبعد المأساة التي تعرضا لها، وبفضل مساعدة محامي، قام الزوجان برفع شكوى إلى قيادة الشرطة الفرنسية احتجاجاً على حادثة وفاة وليدتهما. وفي الإطار ذاته تقوم هيئة مراقبة أفعال الشرطة الفرنسية بالتحقيق بما جرى، وحول ما إذا كان التأخير بعملية الولادة قد ساهم في وفاة ابنة روباك وهجر، الذي يقول: "غادرت بلادي هرباً من الظلم، ومن الديكتاتوية. كان عليّ المغادرة. لكن ما حصل معنا هنا مثّل ظلماً آخر. إذ إن فقدان طفل يلحق بالمرء ألماً عظيماً لا يمكن تجاوزه. أملي هو أن نفوز بالعدالة فلا تتعرض عائلة أخرى لما تعرضنا له".

تأتي هذه الحادثة تزامناً مع عهد أطلقته وزيرة الداخلية البريطانية، بريتي باتيل، يشير إلى تشديد الأمن والمراقبة عند الحدود الفاصلة مع فرنسا لمحاولة منع طالبي اللجوء من الوصول إلى بريطانيا بواسطة قوارب صغيرة تعبر القناة الإنجليزية. وكان عدد الواصلين إلى المملكة المتحدة بدأ في الارتفاع خلال الأسابيع الماضية، فسرت مخاوف في أوساط الوزراء في الحكومة البريطانية من أن يشكل ذلك موجة كبيرة من العابرين، تتخطى مستويات العام المنصرم الذي سجل رقماً قياسياً للواصلين إلى المملكة المتحدة بهذه الطريقة، بلغ 8417 شخصاً.

 وأعلنت وزارة الداخلية البريطانية في هذا الإطار في نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، أنها تنفق ميزانية 28 مليون جنيه إسترليني (أي حوالى 39 مليون دولار أميركي) لمضاعفة عدد عناصر الشرطة الذين يراقبون الحدود عند السواحل الفرنسية، كما أعلنت عن تمويلها عتاد طائرات عسكرية مسيّرة (درونز)، وأجهزة تصوير حرارية، ومناظير متطورة، كي تستخدم من قبل الشرطة في عمليات المراقبة عند الحدود في شمال فرنسا.     

 لكن قصة روباك وهجر، أو مأساتهما بالأحرى، تشير إلى الواقع القاتم الذي يكتنف أمر زيادة الدوريات وجهود المراقبة المبذولة بهدف وقف عمليات عبور القناة الإنجليزية. كما تطرح هذه المأساة أسئلة حول ما إذا كان تجريم طالبي اللجوء وتشديد مراقبة حركتهم، سيساهمان في تحقيق ما تصبوا السلطات إليه، أو أنهما لا يساهمان سوى في زيادة معاناة هؤلاء.

فرانسيس تيمبرلايك، من "مركز النساء اللاجئات" Refugee Women’s Centre، المنظمة التي دعمت عائلة روباك وهجر خلال وجودها في فرنسا، تقول إن الاندفاعة "المقلقة" التي تبديها الحكومتان الفرنسية والبريطانية لتشديد أمن حدود بلديهما، لا تساهم إلا في دفع الناس إلى مواجهة مزيد من الأخطار. عن ذلك قالت "السياسة التي شاهدناها خلال السنوات الماضية، والمتمثلة في تكثيف عنف الشرطة ومظاهر سوء المعاملة والتغاضي عن عنف الدولة تجاه أناس يحاولون العبور، لا تساهم إلا في خلق روادع أمام الناس عن طلب اللجوء في الدول التي تمارس تلك السياسات، لأن الناس سيكفّون عن اعتبار هذه الدول ملاذاً آمناً. لكن هذا لا يُجدي نفعاً أبداً. بل هو لن يساهم إلا في دفع الناس إلى مواجهة مزيد من الأخطار ومعاناة صدمات أكبر".

"لقد عاينّا فشلاً كاملاً لهذه الممارسات على المستوى السياسي، إذ إن عمليات العبور استمرت، كما استمر موت الناس غرقاً في البحر. وتحاول الحكومتان (الفرنسية والبريطانية) التمظهر بمظهر من يتخذ مواقف متشددة، فتصدران بيانات صارمة، تكاد تكون دكتاتورية، وتطرحان وعوداً سياسية لإرضاء أوساط محددة في كلا البلدين. ويبدو ذلك كأنه الدافع الوحيد خلف تلك السياسات، حتى أن الحكومتين هاتين غير مهتمتين بنجاح ما تطرحانه من تدابير بأي طريقة ملموسة".

في هذا الإطار اتصلنا بالشرطة الوطنية الفرنسية، وبالمجلس المحلي في منطقة كاليه، وبوزارة الداخلية الفرنسية لاستبيان مواقفهم في هذه المسألة، لكن أياً من هذه الأطراف لم يتجاوب مع أسئلتنا.

أما جوسي نوتون، المشاركة في تأسيس جمعية "اختاروا الحب" Choose Love، التي تدعم النازحين في شمال فرنسا، فتُعبر أيضاً عن قلقها في هذا الإطار، قائلة إن ما حدث مع عائلة روباك وهجر يعكس "المقاربات العدائية المتزايدة" التي تعتمدها الشرطة الفرنسية تجاه اللاجئين، وهذا ما تشهد الجمعية المذكورة حصوله من "يوم إلى آخر".

"على الحكومتين الفرنسية والبريطانية اعتبار الحادثة التي تعرضت لها عائلة روباك وهجر مناسبة للتفكر وإعادة النظر باستراتيجيتهما بالنسبة للجوء والهجرة، والانتقال إلى اعتماد مقاربة تولي الأولوية لاحترام حقوق الإنسان وكرامته وتقديم الحماية المناسبة للاجئين".

وبالفعل فإن خسارة روباك وهجر وليدتهما لم تردعهما من عبور القناة الإنجليزية، بل على العكس، ساهمت في تحفزيهما أكثر على العبور. فبعد أسبوع من وفاة الطفلة كانا مع طفليهما الآخرين عند الساحل من جديد. وفيما كانوا يستقلون قارباً في وقت متأخر من الليل ظهرت الشرطة مرة أخرى.

صرخت روباك بهجر وأنس كي يصعدا بسرعة إلى القارب معها ومع إيلاريا ومجموعة أخرى من الأشخاص. ثم غادروا الشاطئ. وبعد عبور محفوف بالمخاطر وصلوا في صبيحة اليوم التالي إلى ساحل كنت البريطاني.

تروي روباك: "تلك المأساة دفعتني أكثر إلى الوصول إلى بريطانيا. إذ كنت مصمّمة على البقاء في القارب وعبور البحر في تلك الليلة. لم أشأ العودة. فبعد ما تعرضنا له لم أعد أبالي بمدى الوحشية التي قد تظهرها الشرطة. كنت مصمّمة على محاولة مغادرة ذلك البلد [فرنسا]، حتى لو كلفني الأمر حياتي".

بعد وصول روباك وهجر وطفلاهما إلى بريطانيا احتُجزوا في فندق على الساحل الجنوبي لـ15 يوماً، ثم نقلوا إلى فندق في لندن ما زالوا فيه إلى الآن. وقد تقدموا بطلب لجوء، كما أنهم على الرغم من مكوثهم في غرفة صغيرة يتشاركونها في الوقت الحالي، إلا أنهم يشعرون بالأمان والأمل. فرحلتهم التي دفعتهم إليها تهديدات بالقتل تعرض لها هجر، تطلّبت قطع أميال من المشقات والأخطار على طول الطريق. لكن ما لن يبارح ذاكرتهما إلى الأبد، هو موت وليدتهما قبل خطوة واحدة من بلوغ أسرتهما برّ الأمان وأمل الحياة الجديدة. 

© The Independent