Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما مصير موظفي القطاع العام في لبنان؟

الدولار عند عتبة العشرة آلاف ليرة والرواتب تلاشت

تآكلت أجور موظفي القطاع العام في لبنان مع ارتفاع سعر صرف الدولار (رويترز)

ما إن بلغ سعر صرف الدولار، في لبنان، عتبة العشرة آلاف ليرة، حتى ازدادت إشارات الانفجار وعودة المواطنين إلى الشارع في لبنان. تحركات من الشمال إلى الجنوب، وسط تساؤلات عن موقف موظفي القطاع العام الذين يشكلون ما تبقى من هيكل الدولة.

تختصر ألسنة موظفي القطاع العام وعيونهم معاناتهم ومعاناة أسرهم. فارس ح. أستاذ في التعليم الثانوي، يتقاضى راتباً يساوي ثلاثة ملايين ليرة. كان هذا المبلغ الذي يساوي ألفي دولار يؤمن الراحة والبحبوحة للأسرة. أما الآن فتنطبق عليه نظرية السقوط الحر مع مستوى 300 دولار بعد 15 عاماً من التعليم.

يؤكد فارس أنه انتقل إلى "حالة التقشف"، إذ بدأ يحسب كل خطوة يقوم بها، بدءاً بشراء ملابس الأطفال، وكذلك مشوار نهاية الأسبوع بسبب الخوف من أسعار البنزين أو تعطل السيارة نظراً لعدم القدرة على الصيانة أو شراء دولاب. ويلفت فارس إلى أن "نوعية الأكل تراجعت" لأنه "لم يعد في إمكانه تناول ما يشتهيه، أو يلبس ما يريد، وإنما عليه الالتزام بإطار ميزانيته".

يشبّه الأستاذ سلوكاته المستجدة بـ "ميزان الذهب لأن عليه صرف المعاش على الحاجات الضرورية، أما الآن فيصلي لعدم حصول أي عطل في المنزل". ويجزم أنه منذ سنتين بدأ يخطط لمشروع الزواج، إلا أن الوضع المادي حال دون ذلك، لأنه غير قادر مادياً.

يعتقد فارس أن المواطن لن يتمكن من الصمود، لأن حجم الانهيار هائل في ظل مجتمع استهلاكي، يعتمد بصورة كاملة على المنتجات المستوردة، فهو على سبيل المثال "غير قادر على صيانة الأجهزة الإلكترونية التي يستخدمها في التعليم من بُعد".    

بات الأساتذة من فئة الأكثر فقراً، كما يعاني بعض هؤلاء من التعثر في سداد القروض المختلفة. يتحدث فارس أنه "استحصل على قرض بقيمة 15 ألف دولار من أجل زراعة كلية لأحد أشقائه خارج لبنان، وكان يعوّل على سداده بالليرة اللبنانية خلال ثلاث سنوات"، ولكن مع ارتفاع سعر صرف الدولار، جعل من المبلغ كمية هائلة من المال، وباتت الدفعة الشهرية للبنك أكبر من راتبه. ويشير إلى أنه لم يعُد أمام الموظف إلا بيع شقته وقطعة الأرض التي ورثها من أجل سداد القروض والأعباء بالدولار.

تلاشي الأجور

يبلغ عدد موظفي القطاع العام 320 ألفاً بين مدني وعسكري. تآكلت أجور هؤلاء مع ارتفاع سعر صرف الدولار إلى مستويات قياسية. وأظهرت دراسة أنجزتها "الدولية للمعلومات" أن أجور العاملين في لبنان أصبحت من بين الأدنى في العالم. ولاحظت أن 90 في المئة من اللبنانيين تأثروا بهذا الانهيار بسبب اعتمادهم على السلع المستوردة.

لكي لا يبقى الأمر نظرياً، تأتي المقاربة العملية والرقمية لتظهر حجم التآكل في قيمة الأجور. فعند عتبة 10 آلاف ليرة للدولار، يصل الحد الأدنى للأجور إلى ما دون 68 دولاراً. ففي لبنان، حدد القانون 46/2017 الحد الأدنى للأجور بـ 675 ألفاً، وكان يساوي آنذاك 450 دولاراً عندما كان سعر الصرف 1515 ليرة لبنانية، أي أن التراجع في قيمة الأجور جاوز الـ 80 في المئة.

يتقاضى موظف الفئة الخامسة راتباً يوازي 950 ألفاً، ما يساوي95  دولاراً، بعدما كان نحو 600 دولار. أما راتب الفئة الرابعة، فهو مليون و430 ألفاً، كان يبلغ نحو 1300 دولار، أما الآن فهو نحو 140 دولاراً. صعوداً نحو راتب الفئة الثالثة وهو مليونان و 200ألف، وكان يساوي نحو 1300 دولار، ليصبح نحو 200 دولار حالياً. أما راتب الفئة الثانية، فيبدأ عند هامش الثلاثة ملايين، وما كان يوازي ألفي دولار، أصبح نحو 300 دولار. وفي أعلى الهرم، يأتي راتب موظفي الفئة الأولى الذي يبدأ بـ  4ملايين ونصف المليون، وكانت قيمته نحو 3000 دولار، ليصبح 450 دولاراً. أما المستوى الأعلى للأجور الإدارية، فيصل إلى 9 ملايين و85 ألفاً، ليساوي الآن 908 دولارات.

أما المشهد الأكثر تعبيراً فهو بالنسبة إلى رواتب الأسلاك العسكرية، إذ يأتي في أسفل الهرم الجندي في الدرجة الأولى، فيبلغ مليوناً و296 ألف ليرة، وكان يساوي 864 دولاراً، ليصبح اليوم عند مستوى 129 دولاراً. ويتصاعد الأجر في أعلى الهرم إلى اللواء في الدرجة السابعة ليصبح 8 ملايين و455 ألفاً عند مستوى 845 دولاراً بعدما كان 5637 دولاراً.

فيما تدنت أجور القضاة في أعلى مستوياتها من 6233 دولاراً إلى 935 دولاراً. أما أساتذة الجامعة اللبنانية فتراجعت أجورهم من 5617 دولاراً إلى  842 دولاراً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى أفراد الهيئة التعليمية الذين تراجعت عند الدرجة الأولى من 633 دولاراً إلى  95 دولاراً. أما عند الدرجة 27 فأصبحت 230 دولاراً بعدما كانت 1537 دولاراً.

ولا تقل وطأة سعر صرف الدولار على موظفي القطاع الخاص، وتقدر دراسة "الدولية للمعلومات" أن 5 في المئة من هذه المؤسسات لا تزال تدفع للعاملين رواتب بالدولار الأميركي، فيما يقسم آخرون الأجر مناصفة بين الدولار والليرة، وتدفع فئة ثالثة الأجر بالدولار وفق سعر المنصة بـ3900 للدولار الواحد، فيما أبقي القسم الأكبر من الرواتب كما هي بالليرة.

تداعي سلسلة الرتب والرواتب

خلال الأشهر الماضية، استشعر موظفو القطاع العام الخطر على مستقبلهم، بعدما تأخرت فئة واسعة منهم من السير في ركب الانتفاضة. ويلاقي هؤلاء انتقادات في الأوساط العامة بسبب تقديمهم التبعية السياسية في كثير من الأحيان على أحقية المطالب الشعبية.

يؤكد حسن وهبي، ممثل موظفي الإدارة العامة لدى الحكومة، أن متوسط الأجور في القطاع العام كان يعادل حوالى المليوني ليرة قبل الانهيار الكبير، فقد كان يساوي 1300 دولار، أما اليوم فقد بلغ مستوى 200 دولار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتحمل هؤلاء كمّاً كبيراً من الاتهامات، من قبيل أن "سلسلة الرتب والرواتب" وزيادة أجور القطاع العام في 2017، ساهمت وعجلت في الانهيار، وكذلك تسببت المعاشات التقاعدية في أعباء كبيرة لا يمكن للموازنة اللبنانية تحملها. يرد وهبي على هذه الطروحات، ويلفت أن "السلسلة طيلة حياتها القصيرة التي لم تدم سوى 28 شهراً، قاربت كلفتها حوالى ثلاثة مليارات دولار، استفادت منها 310 آلاف أسرة موزعة بين الأسلاك العسكرية 67 في المئة، والهيئات التعليمية 19 في المئة، وملاك الإدارات العامة 14 في المئة".

ويوضح وهبي أنه، في المقابل، ارتفع الدين العام الإجمالي من 76,4 مليار دولار، في العام 2017، إلى 91,6 مليار دولار في نهاية العام 2019، أي أن قيمة الزيادة بلغت 15,2 مليار دولار.

ينطلق وهبي من هذا الأمر ليؤكد أن "ثلاثة مليارات دولار تم ضخها في السوق الداخلية وأسهمت في انتعاش الحركة الاقتصادية، أما المبلغ المتبقي وقوامه 12,2 مليار دولار فذهب إلى جيوب أصحاب المصارف وشركائهم".

يرد وهبي على تهمة التبعية السياسية للروابط النقابية بالقول أن ليس من الخطأ التبعية السياسية في لبنان، بل هي دليل عافية كما في كل الأوطان، ولكن الخطر أن تقدم هذه الروابط التبعية الحزبية على حساب مصالحها الاجتماعية والاقتصادية.

موظفو القطاع العام في خطر

يبلغ عدد العاملين في الإدارة العامة حوالى 10 آلاف موظف في الملاك الإداري، 2500 متعاقد، و1500 أجير.

وتشير رئيسة رابطة موظفي الإدارات العامة نوال نصر إلى أن التصويب على نظام التقاعد وإلغاء المعاش التقاعدي واستبداله بتعويض صرف وفقاً لمعايير الضمان الاجتماعي المجحف أصلاً والذي يستوجب التعديل، هو محاولة لوضع اليد على الحقوق المادية والمعيشية للمتقاعد، وخصوصاً الحسومات التي يتم اقتطاعها من راتبه طوال سنوات خدمته. وتعتقد نصر أننا أمام  "ضرب أسس الإدارة العامة والقطاع العام الذي يشكل صمام الأمان لدولة الرعاية الاجتماعية والاقتصادية، واستبدال نظام التوظيف القائم على أسس الكفاءة والجدارة بنظام التعاقد الوظيفي المبني على التبعية والمحسوبيات. وتؤكد أن نسبة المراكز الشاغرة في الوظائف القيادية تزيد على 60 في المئة، وهي مشغولة خلافاً للأصول، في وقت أدخل الساسة عشية الانتخابات ما يزيد على خمسة آلاف موظف على أسس المحاصصة، بعد وقف التوظيف الذي أقرّه القانون 46/2017 إلى حين إعادة دراسة هيكلية الإدارة العامة.

ترشيق الإدارة العامة هو الحل؟

تعتقد الاقتصادية ليال منصور أن هناك صعوبة في وقف الانهيار ما لم يُقم بإصلاحات ضرورية، لأن "التعايش والتأقلم مع التدهور والوضع السيّء لا يقودان إلى الحل في الاقتصاد".

وتؤكد منصور أنه في الاقتصاد لا يمكن الركون إلى "بقاء الحال على ما هي عليه". بالتالي، فإن عدم تحسن الأوضاع، يقود إلى التدهور، لأن "النمو يجب أن يكون نحو الأحسن"، والبوابة إلى هذا الأمر إنما تكون بحلول جذرية، وهي ليست بالضرورة "تفاؤلية".

وتشير إلى أن التضخم وانهيار الوضع المعيشي يؤديان إلى نتائج سيئة على المجتمع، وتتخوف من أن "الرواتب المنخفضة والمتدنية تقضي على الحماسة في العمل، وقد تقود إلى زيادة  مستويات جديدة من التدهور تحت ما يسمى الفساد المعذور"، لأن الرشوة تصبح مدخلاً لتأمين الأساسيات.

وتعتبر منصور أننا "لسنا إزاء الوقت المناسب لصرف موظفي القطاع العام الذين يشكلون عبئاً، لأن الوضع الاقتصادي سيّء للغاية، وهناك حاجة إلى وضع تصور حول مصير هؤلاء المصروفين وإمكانية تأمين فرص عمل جديدة".