Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا ستصنع أميركا في صواريخها المتقادمة العابرة للقارات؟

تطوير أسلحة روسيا والصين يجعل واشنطن حريصة على مظلة نووية قوية

غواصة هجومية من طراز فرجينيا يو إس إس ديلاوير  (SSN 791)في فيرجينيا (أ ف ب)

بعد تجديد اتفاقية "ستارت" للحد من الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو، ثارت أسئلة كثيرة في العاصمة الأميركية عن مصير مئات الصواريخ الباليستية المتقادمة العابرة للقارات، التي تحتفظ بها الولايات المتحدة منذ عهد الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، في وقت تسعى فيه وزارة الدفاع (البنتاغون) إلى توفير بدائل نووية جديدة بمئات المليارات من الدولارات من طائرات شبحية وغواصات متفوقة وأسلحة متطورة، فما الذي تخطط له الولايات المتحدة لمجابهة خصومها في موسكو وبكين؟

عندما بدأ تطوير صاروخ "مينوتمان 3" الباليستي العابر للقارات، والذي يُعرف باسم "أم أم 3"، كان ليندون جونسون هو رئيس الولايات المتحدة، وكانت حرب فيتنام في ذروة اشتعالها، وبعد دخول الصاروخ الخدمة عام 1970، كان يمثل أحدث تقنيات هذا العصر. فقد كان كل صاروخ يحمل ثلاثة رؤوس حربية منفصلة، كل منها لديه قوة تعادل عشرة أضعاف قنبلة هيروشيما، يمكنها أن تدمر ثلاثة أهداف مختلفة. ولكن بعد أكثر من نصف قرن، أصبحت هذه النوعية من الصواريخ هي الوحيدة العابرة للقارات في أميركا، إذ لا تزال 400 منها مثبتة تحت الأرض داخل صوامع شديدة التحصين في خمس ولايات في الغرب الأوسط الأميركي، وهي على استعداد للانطلاق واستهداف الأعداء في غضون دقائق من صدور أمر رئاسي.

الثالوث النووي

تُمثل صواريخ "أم أم 3" أحد أطراف الثالوث النووي لأميركا، التي تشمل الصواريخ النووية المثبتة في قواعد أرضية تحت الأرض، والصواريخ النووية التي تحملها الغواصات والقنابل النووية التي تحملها القاذفات الاستراتيجية، ويصل مجموع الأسلحة النووية في هذا الثالوث إلى 1457 سلاحاً أي أقل من 1550، وهو الحد الأقصى المسموح به وفق معاهدة "ستارت" الجديدة، التي مُددت قبل أسابيع مع روسيا، ومع ذلك فهناك نحو 2300 بين قنابل ورؤوس نووية أخرى مخزنة.

غير أن هذا الثالوث النووي يواجه الصدأ، فالقاذفات الاستراتيجية "بي 52"، تبلغ من العمر الآن 66 سنة، بينما النموذج الأصغر من القاذفات الشبحية "بي 2"، صُممت في أواخر السبعينيات وسوف تتوقف عن الخدمة بعد نحو عشر سنوات، كما ستحتفل أقدم غواصة من طراز "أوهايو" بعيد ميلادها الـ40 في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

بدائل في الطريق

ولهذا تستعد الولايات المتحدة لتدشين بدائل لهذه الأسلحة، حيث ستقوم قاذفة جديدة من طراز "بي 21 رايدر" بأول رحلة لها العام المقبل، ستبدأ غواصة جديدة من طراز كولومبيا في اجتياح المحيطات خلال عقد واحد من الآن، ومع ذلك فإن مستقبل قوة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات غير مؤكد.

من الناحية النظرية، فإن بديل صواريخ "أم أم 3" في طور الإعداد، إذ تخطط القوات الجوية الأميركية المسؤولة عن إدارة الصواريخ النووية لطلب أكثر من 600 من صاروخ نووي جديد بطول 20 متراً أو أقل، لديه القدرة على التحليق لمسافة 6000 ميل (9650 كلم)، ويحمل رأساً حربياً يعادل 20 مرة قوة القنبلة الذرية التي أسقطت على هيروشيما، ما يعني أنه سيكون قادراً على قتل مئات الآلاف من البشر في ضربة واحدة.

صواريخ المستقبل

ففي الثامن من سبتمبر (أيلول) الماضي، أعطت القوات الجوية شركة الإنتاج الدفاعي "نورثروب غرومان" عقداً أولياً بقيمة 13.3 مليار دولار لبدء تصميم وتجربة الصاروخ وتصنيعه، لكن ذلك سيكون مجرد جزء بسيط من إجمالي التكلفة المنتظرة للمشروع، والتي تتراوح بين 65 و100 مليار دولار، بحسب بعض التقديرات، ليكون جاهزاً للاستخدام بحلول عام 2029.

وإلى حين إطلاق اسم مميز للصواريخ الجديدة، يُطلق عليها الآن الاسم المختصر "جي بي أس دي"، بمعنى "الردع الاستراتيجي من القواعد الأرضية". وقد صُممت الصواريخ الباليستية الجديدة العابرة للقارات، لتوضع مثل صواريخ "أم أم 3" في صوامع تحت الأرض، تنتشر على نطاق واسع في ثلاث مجموعات تعرف باسم "الأجنحة"، وتوزع على ثلاث ولايات أميركية هي "وايومنغ، وساوث داكوتا، ومونتانا". ويتجاوز الغرض الرسمي للصواريخ الباليستية العابرة للقارات مجرد الرد على هجوم نووي، بل يهدف إلى ردع مثل هذه الهجمات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبموجب نظرية الردع، تبعث الترسانة النووية الأميركية المكونة حالياً من 3800 رأس حربي، رسالة إلى الدول النووية الأخرى بأن الانتقام الأميركي سيكون فظيعاً للغاية، ومن الأفضل ألا تكون أي من هذه الدول هي صاحبة الضربة الأولى.

تفاصيل سرية

وبينما تمتنع الجهات المسؤولة عن توضيح العديد من التفاصيل الفنية ذات الصلة بالصواريخ الجديدة لأسباب أمنية، فإن كبار مطوري الأسلحة في القوات الجوية يشيرون إلى أن صواريخ الردع الاستراتيجي الجديدة، تدمج مزايا أجيال تكنولوجية متطورة على درجة عالية من الدقة في ثبات الرحلة والسرعة والمدى والاستهداف، وهو أمر كان مُلحاً بشكل كبير بالنظر إلى التحسينات المتوقعة للدفاع الصاروخي، التي يُرجح إجراؤها من قبل المنافسين الرئيسيين مثل روسيا والصين، والتي أشارت إليها بعض الصحف الأجنبية حول صواريخ اعتراضية للدفاع الصاروخي الصيني، بينما من غير المعروف بعد مدى تطور الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الروسية والصينية.

ومع ذلك، فإن الصواريخ الاعتراضية الأميركية العابرة للقارات والتدابير المضادة تتطور بسرعة عبر برامج عدة للبنتاغون، لذلك من المحتمل أن يكون هناك بعض القلق بشأن التطور النسبي للدفاعات الصاروخية الروسية والصينية، خصوصاً وأن اختبارات الأسلحة الروسية والصينية الفرط صوتية (هايبرسونيك)، قدمت مثالاً واضحاً للغاية يُظهر جلياً التطورات الجديدة التي طرأت على الدفاع الصاروخي.

فكرة سيئة

لكن لا يعتقد الجميع أن هذه فكرة جيدة، ففي يناير (كانون الثاني) عام 2019، اعتبر مكتب الميزانية في الكونغرس أن تحديث الأسلحة النووية لإدارة دونالد ترمب سوف تصل تكلفته إلى 494 مليار دولار في الفترة من 2019 وحتى 2028، منها صواريخ باليستية عابرة للقارات جديدة تبلغ تكلفتها نحو 100 مليار دولار، وهو ما طرح تساؤلات عن سبب إغداق كثير من الأموال على تطوير أسلحة نووية ثابتة على الأرض، في حين أن الغواصات والقاذفات يمكن أن تؤدي المهمة بشكل جيد إن لم يكن أفضل.

ومن بين منتقدي الصواريخ الباليستية الجديدة العابرة للقارات نشطاء السلام والعديد من القادة العسكريين السابقين، الذين يرون أن الصواريخ النووية الثابتة على الأرض تعد هدفاً يسهل رصده، في حين أن الصواريخ النووية على الغواصات والتي يمكن أن تتحرك في المحيطات من دون أن تُكتشف، وكذلك القنابل النووية على الطائرات، تعد بديلاً أفضل.

مخاطر القرصنة

ونظراً لأن الصواريخ الثابتة على الأرض مكشوفة للغاية، فإنها تشكل خطراً آخر، لأن الصوامع التي تحتضنها تحت الأرض لا توفر حماية حقيقية ضد ضربة نووية روسية مباشرة، وعلى الرغم من توافر نظام إنذار متطور يجعلها تنطلق عند التحذير، أي بمجرد حصول البنتاغون على دليل مؤكد بهجوم نووي قادم، فإن أنظمة الكمبيوتر التي تحذر من مثل هذه الهجمات المقبلة قد تكون مُعرضة للقرصنة والإنذارات الكاذبة، خصوصاً مع تزايد احتمالات مخاطر القرصنة الإلكترونية حول العالم، كما حدث من قراصنة روس على الولايات المتحدة خلال الأشهر القليلة الماضية.

ولأن الخطأ قد يكون له عواقب وخيمة، اقترح جيمس ماتيس وزير الدفاع السابق حينما كان جنرالاً في مشاة البحرية بشهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ عام 2015، التخلص من الصواريخ النووية الأرضية الأميركية لأن ذلك من شأنه تقليل خطر الإنذار الكاذب، إذ لا يمكن استدعاء صاروخ نووي أطلق بالخطأ، في حين يمكن استدعاء قاذفة نووية عند الاقتراب من هدفها.

كما اعتبر ويليام بيري، وزير الدفاع خلال إدارة كلينتون، أنه لا حاجة ببساطة إلى إعادة إنتاج جميع الأسلحة التي كانت لدى الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة لأنها غير ضرورية، بينما يمكن تخصيص التمويل اللازم لها للحفاظ على الميزة التنافسية للقوات التقليدية، وبناء القدرات اللازمة للتعامل مع الإرهاب والهجمات الإلكترونية.

غير عملي

ويرى منتقدون آخرون أن تطوير صواريخ جديدة لاستبدال صواريخ "أم أم 3" بهذه التكلفة الضخمة، هو أمر غير عملي لعدد من الاعتبارات. فبينما تمتلك روسيا نحو 4300 رأس نووي، وهي الترسانة الوحيدة التي تعادل الأسلحة الأميركية، وتستبدلها حالياً بأسلحة جديدة، إلا أن روسيا لا تستطيع بناء أكثر مما تحتاجه، لأن ذلك سيدمر اقتصادها، كما حدث خلال الحرب الباردة.

وعلاوة على ذلك، لا يمكن لأي دولة سوى روسيا فقط مهاجمة الصواريخ الباليستية الأميركية العابرة للقارات بشكل فعال، كما أن تعرض الصواريخ الأميركية الباليستية لضربة استباقية روسية، لا يُعد مصدر قلق كبير، كما كان خلال الحرب الباردة، ولهذا يمكن بقاء قواعد صواريخ "أم أم 3" التي حُدثت مرات عدة كما هي الآن، والاستمرار في تحديثها بتكلفة أقل من دون قلق من جميع الخصوم النوويين المحتملين الآخرين.

ويبدو في نظر العديد من محللي الأمن القومي الأميركي، أن الصين التي تمثل تهديداً طويل الأمد للولايات المتحدة بشكل يفوق روسيا، تدرك أيضاً أن الإنفاق المفرط على الأسلحة النووية سيكون بمثابة تدمير ذاتي، فحتى لو ضاعفت بكين، كما يتوقع البنتاغون، عدد الرؤوس الحربية النووية في ترسانتها التي تصل حالياً إلى نحو 300، فسيظل لديها عدد أقل بكثير من الولايات المتحدة أو روسيا.

الباليستية هي الأفضل

غير أن مؤيدي الصواريخ الباليستية العابرة للقارات يجادلون بقوة هذه الصواريخ، إذ يرونها الأكثر استجابة والأقدر على رد الفعل من الغواصات والطائرات المحملة بأسلحة نووية، فبينما يمكن استدعاء القاذفات بمجرد إطلاقها، إلا أنها تستغرق وقتاً أطول للوصول إلى أهدافها، كما أنه قد يكون من السهل إخفاء الغواصات حتى تقترب من أهدافها، لكن من الصعب التواصل مع الغواصات تحت المياه. وعلى النقيض من ذلك، يمكن إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في غضون دقائق.

ويشير تقرير صادر عن معهد هدسون، وهو مؤسسة بحثية في واشنطن، إلى أنه من دون الصواريخ الأميركية الباليستية العابرة للقارات، سيحتاج الخصم إلى ضرب خمسة أهداف فقط تشمل ثلاث قاذفات وقاعدتين للغواصات للقضاء على معظم القوة النووية الأميركية. كما أن تحديث القوات النووية الروسية الذي يسير بوتيرة أسرع من تلك التي تجريها أميركا، والتوسع المطرد في ترسانة الصين يضاعف من هذه المخاوف.

أكثر من ذلك، فإن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات تشكل عامل أمان ضد الاختراقات التكنولوجية الحديثة، مثل قدرات الكشف تحت الماء التي قد تعرض الغواصات للخطر أو التطور الحاصل في الدفاعات الجوية، التي قد تعرض القاذفات للاستهداف. ثم تتعمق حجة ثالثة أكثر في الزوايا المروعة والسريالية للاستراتيجية النووية.

نظرية الإسفنج

وإذا أرادت روسيا القضاء على السلاح النووي لأميركا بهجوم مفاجئ، فسيتعين عليها استخدام رؤوس حربية عدة من التي أقرتها معاهدة "ستارت" الجديدة، لإخراج صومعة واحدة محصنة من صوامع الأسلحة النووية الباليستية الأميركية، وبالتالي تعمل الصوامع كإسفنج يمتص الصواريخ الروسية، ويترك لأميركا عدداً أكبر من الأسلحة الباقية على متن الغواصات والقاذفات في أي تبادل نووي لاحق.

حجج مضللة

لكن هناك من يعتقد أن هذه الحجج خيالية ومضللة، إذ إن نظرية الإسفنج لامتصاص الرؤوس الحربية النووية قد يكون مفيداً فقط إذا كانت الضربة الروسية الأولى احتمالاً واقعياً. وحتى من دون صواريخ نووية باليستية في صوامع على الأرض الأميركية، تمتلك الولايات المتحدة غواصات وقاذفات تكفي لتدمير روسيا. وفضلاً على ذلك، فإن الصواريخ الأميركية العابرة للقارات قد يصعب استخدامها ضد الصين أو كوريا الشمالية، لأن مسار تحليقها سيمر فوق روسيا، ما قد يسبب مشكلات أكبر مع موسكو.

وفي حين انتقد الحزب الديمقراطي الإنفاق المفرط على الأسلحة النووية بما في ذلك الأسلحة الجديدة من دون الإشارة إلى صواريخ باليستية عابرة للقارات، لكن ميشيل فلورنوي الخبيرة الدفاعية التي كانت على رأس المرشحين لتولي وزارة الدفاع في إدارة جو بايدن، أشارت إلى الأهمية المتزايدة للتقنيات الجديدة غير النووية لدعم الردع، مثل القدرات الإلكترونية والصواريخ التقليدية.

أهمية الردع

وبينما لا توجد خلافات واضحة بين الديمقراطيين والجمهوريين حول استخدام الثالوث النووي بما فيه الصواريخ الباليستية، فمن غير المرجح أن يقوم الرئيس جو بايدن بالاعتراض على هذه السياسة، خصوصاً وأن روسيا تخطط لنشر نظامها الصاروخي الجديد "سارمات" العام المقبل.

وفي هذا المناخ قد تكون القوة النووية الاستراتيجية عاملاً مهماً في توسيع مجابهة المخاطر الأمنية الناشئة، وقد تجد إدارة بايدن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، على وجه الخصوص، ذات أهمية لا سيما في توسيع نطاق الردع وطمأنة الحلفاء، لأنها تمثل تهديداً جاهزاً للدول النووية الناشئة حديثاً، التي تختار أو تلوح بإنشاء قاعدة أسلحة نووية ووسائل إيصالها.

كما تلعب الاستراتيجية النووية دوراً في ردع الخصوم، وتحقيق الاستقرار في المناطق، وطمأنة الحلفاء والشركاء، ولأن علاقة الولايات المتحدة مع الصين تتطور وتتغير، كما لا تزال كوريا الشمالية تشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي، بينما تقترب إيران من تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قد تمكنها من تصنيع سلاح نووي، فسيكون من الضروري أن تواصل الولايات المتحدة دعم الحلفاء والدول الشريكة بمظلة نووية أميركية ذات مصداقية.