Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بأمر الولي" نساء وشباب غزة ممنوعون من السفر

مئات القوانين أقرّت خلال الانقسام من دون موافقة المجلس التشريعي صاحب الصلاحية الدستورية

تملك سلطات معابر غزة صلاحية إرجاع أي أنثى غير متزوجة تريد أن تسافر من دون أن تبرز إذن وليها (اندبندنت عربية)

حزّمت أمتعتها واستعدت، فمعبر رفح الحدودي سيفتح خلال أيام أمام المغادرين من القطاع، غير أن الشابة الشغوفة في عالم الأزياء ميرا عدنان، التي كانت تشتاق إلى رحلتها التعليمية، اصطدمت بتعميم جديد صدر من المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة، يلزمها بوصفها فتاة (غير متزوجة) إحضار ورقة "عدم ممانعة من السفر" من الولي (الذكر في العائلة، ودائماً لجهة الأب)، ما تسبب في تأجيل سفرها حتى إشعار آخر، فالولي عليها (والدها) يعاني مرضاً مزمناً في القلب، ولا يحتمل جسده المنهك الذهاب إلى المحكمة، والتعرض لازدحام المكاتب الحكومية لاستصدار ورقة "عدم الممانعة".

رفض شعبي ورسمي

وعن التعميم الأخير تقول ميرا، "إجراءات السفر من القطاع تعيسة وكارثية منذ سنوات، وقلة قليلة من المحظوظين الذين يحصلون على فرصة للخروج ونيل حياة جديدة خارج القطاع المحاصر، واليوم تحكم السلطات في غزة (تديرها حركة حماس) الخناق من جديد. منع الفتيات من السفر ليس إلا طريقة أخرى للسلطة للتلاعب بالقانون والحريات المدنية التي كفلها القانون الفلسطيني، واستخدام النظام الأبوي والعباءة الدينية أدوات لتمرير القانون، هو شيء مزعج وقميء واستغلالي".

ومطلع فبراير (شباط) الحالي، أصدر المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة أربع مواد قانونية أثارت موجة واسعة من الجدل والرفض لدى مؤسسات شعبية ورسمية فلسطينية، قالت "إنها تنتهك القوانين المناهضة للتمييز على أساس الجنس"، لما تضمنته من قرارات مُلزمة تسمح لأولياء الأمر الذكور بتقييد سفر النساء غير المتزوجات (بكر أو ثيب) والشباب ممن تجاوزوا 18 سنة، حيث يسمح التعميم رقم (4) لولي الأمر برفع دعوى أمام المحكمة لمنع المرأة غير المتزوجة أو الشاب من السفر، إذا ارتأى أن سفرهم سيتسبب في "ضرر محض"، كما يجوز منع المرأة غير المتزوجة من السفر، إذا وجدت دعوى قضائية "عالقة" في المحكمة بينها وبين الولي تستلزم منع سفرها.

 

مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة زينب الغنيمي تقول لـ"اندبندنت عربية"، "التعميم يمثل انتهاكاً لمبادئ القانون الأساسي الفلسطيني، وخرقاً لالتزامات فلسطين على المستوى الدولي، فالشاب الذي تجاوز 18 سنة كامل الأهلية، ولا يحق لأحد مصادرة حقوقه، ومنع سفر الأنثى غير المتزوجة مهما بلغ عمرها يشكل تمييزاً خطيراً ضد المرأة، وبموجب تلك التعميمات تملك سلطات المعابر في غزة صلاحية توقيف وإرجاع أي أنثى غير متزوجة تريد أن تسافر من دون أن تبرز إذناً من وليها (ورقة عدم ممانعة)، ما يمثل انتقاصاً من حرية المرأة واستقلاليتها، خصوصاً أن القانون الفلسطيني أتاح لكلا الجنسين الحصول على وثائق سفر بمفردهم من دون ولي أو إذن".

إلغاء لا تعديل

وتضيف الغنيمي "على إثر حملة واسعة رافضة قام بها المركز مع مؤسسات حقوقية أخرى في قطاع غزة، جرى تعديل طفيف على التعميم، لكن لا تزال المشكلة قائمة في معظم المواد، حيث إن المادة رقم (2) ما زالت تتضمّن تمييزاً واضحاً ضد المرأة، بحيث لم يعطِ الأم غير الحاضنة الحق في الاعتراض على سفر الأب بالأولاد، أسوة بما جاء في المادة (1) من إعطاء الأب حق الاعتراض على رفض الحاضنة سفر الأب بالأولاد، وهو ما يتعارض مع تعميم سابق كان قد صدر عن المجلس الأعلى للقضاء الشرعي، أقرّ فيه بحق الأم مشاهدة واستضافة أطفالها الذين ليسوا في حضانتها!".

والتعميم الذي أرسله المجلس الأعلى للجهات المختصة في غزة صباح الـ 22 من فبراير (شباط) لبدء تنفيذه شمل في المادة رقم (1) حق الأب السفر بالأولاد من دون إذن من الأم إذا ما فقدت حضانتها بسبب زواجها (بشرط أخذ إذن من المحكمة)، وبالمقابل يحظر على المرأة في كل الأحوال السفر بأولادها من دون إذن الأب في المادة رقم (2).

مخالف لتعاليم الإسلام

فور صدور التعميم من المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة، أصدر ديوان قاضي قضاة فلسطين، وبصفته القيّم على القضاء الشرعي والمحاكم الشرعية، بياناً استنكارياً أكد فيه بطلان تلك القرارات، كونها "خرجت عن غير ذي صفة، ولم تصدر من جهة الاختصاص" وهي ديوان قاضي القضاة.

 

محمود الهباش، قاضي قضاة فلسطين يقول لـ"اندبندنت عربية"، "المواطنون الفلسطينيون في غزة غير ملزمين بتطبيق ما جاء في التعميم، وعلى قضاة المحاكم الشرعية هناك عدم اعتباره في أحكامهم وقضائهم، لما في مواده من تقييد الحريات العامة والخاصة بلا مسوغ شرعي، وهي مناقضة بينة لروح الشريعة الإسلامية الغراء، واعتداء على حقوق أصيلة كفلها الدين الإسلامي، ونص عليها القانون الأساسي في فلسطين، كما أن ديوان قاضي قضاة فلسطين هو وحده صاحب القرار في هذا الموضوع وغيره من الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية للفلسطينيين، عدا عن ذلك فإن مراعاة الأحوال والأزمان هي من صميم التشريع الإسلامي الحنيف وقواعده الأصولية، بالتالي فلا وجه حق لإنزال تلك الاجتهادات".

قانون للقضاء الشرعي

ديوان قاضي القضاة في فلسطين، الذي رفض تعميم المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في قطاع غزة، طالب قبل عدة أسابيع بضرورة الإسراع إلى سن قانون فلسطيني للقضاء الشرعي، خصوصاً أن القوانين المعمول بها حالياً (بحسب اعتقادهم)، قديمة وغير فلسطينية، ولا تلبي الحاجة، ولا تعكس الشخصية الوطنية للقضاء الشرعي الفلسطيني.

 

مشروع "قرار بقانون القضاء الشرعي 2021" الذي رفعه الديوان لرئيس السلطة الفلسطينية لإقراره استناداً للمادة (43) من القانون الأساسي الفلسطيني (لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون) أثار حفيظة الائتلاف الأهلي لإصلاح القضاء وحمايته (مظلة ينطوي تحت لوائها عدد من المؤسسات الحقوقية الفلسطينية المختلفة)، الذي أكد أن "مشروع القانون المقترح يعزز من حالة الانقسام في النظام القضائي الفلسطيني بين الضفة والقطاع".

تشكيك وملاحظات

الناشطة والحقوقية الفلسطينية رندة سنيورة تقول "القانون الأساسي أكد وحدة السلطة القضائية وفتح المجال لتنوع المحاكم واختصاصاتها بما يشمل المحاكم الشرعية، وجعل القضاء الشرعي منفصلاً عن القضاء النظامي، وإنشاء مجلس خاص بالقضاء الشرعي يترأسه قاضي القضاة، يمس بمفهوم وحدة السلطة القضائية، وسيخلق مزيداً من التعقيدات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضحت، "القضاء الشرعي جزء لا يتجزأ من الوظيفة القضائية بشكل عام، ومختص بفض المنازعات وتنظيم الأحوال الشخصية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، خصوصاً ما يتعلق منها بالزواج والطلاق والولاية والوصاية والإرث والتركة وغيرها، لذلك فإن كثيراً من الشروط والمتطلبات الناظمة لعمل القضاء النظامي من حيث ضمان استقلاله ونزاهته وحياديته الأصل أن تنطبق تماماً على القضاء الشرعي".

وأضافت، "كما أن توقيت وموعد مشروع القرار بقانون، يثير الشكوك والتساؤلات حول الغاية والهدف من ورائه، ويعزز من القول إن هذا التشريع يمس بمفهوم النزاهة في الحكم، خصوصاً ونحن نتحدث عن الدعوة للانتخابات التي ستسفر عن عودة قريبة للمجلس التشريعي، صاحب الولاية الأساسية في إقرار هذا النوع من التشريعات".

وطالب الائتلاف، في بيان نشر منتصف الشهر الجاري، بعدم إقرار (مشروع قرار بقانون القضاء الشرعي 2021)، والانتظار لحين انتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني، ليتولى بصفته صاحب الصلاحية الدستورية النظر في هذا التشريع.