Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أسعار الفائدة "ثقب أسود" يبتلع مدخرات المصريين

70 في المئة من ودائع الجهاز المصرفي من القطاع العائلي

تقلصت أسعار الفائدة في البنوك المصرية في غضون أربع سنوات بنحو 10.5 في المئة (أ ف ب)

تستخدم الحكومات عادة أدوات اقتصادية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ليعد الاستثمار والادخار أبرزها، ولعل الادخار أحد الطرق الفعّالة في تحقيق الأهداف الاقتصادية والتنموية.

وتلجأ الدول إلى هذه الأداة عند الحاجة إلى تمويل المشاريع التنموية من دون اللجوء إلى الاقتراض من الخارج، علاوة على التحكم في ضبط معدلات الاستهلاك التي تؤثر إيجاباً في التضخّم من خلال تقليص فجوة الطلب مقابل العرض، وفي المقابل يعتمد على عوائد المدخرات في البنوك فئة كبيرة من المواطنين في مصر.

خفض مستمر

تقلصت أسعار الفائدة في البنوك المصرية في غضون أربع سنوات بنحو 10.5 في المئة، عندما خفض البنك المركزي المصري معدل الفائدة على الإيداع من 18.75 و19.75 في المئة على التوالي في يوليو (تموز) 2017 إلى نحو 8.25 و9.25 في المئة حتى الوقت الحالي.

أسعار الفائدة ليست مجرد أرقام وحسب، بل تتعلق بها آمال مع دخول نحو 85 في المئة من المصريين المتعاملين بالبنوك المصرية، وهم من يُطلق عليهم البنك المركزي المصري ضمن تقاريره مصطلح "ودائع القطاع الخاص" الذي يشمل القطاع العائلي، فهو المؤشر الذي يُقيس مدى إقبال المصريين على الإيداع والادخار في البنوك المحلية.

صراع على أسعار الفائدة

وتختلف مشاعر صنفين من المصريين تجاه أسعار الفائدة دوماً، فالفريق "المستثمر" يرى أنه مع كل خفض في سعر الفائدة يسهل نمو حجم الاستثمارات مع هبوط كلفة الاقتراض، بينما طموح الصنف "المدخرين" يتعلق دائماً بارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يعني زيادة دخولهم الشهرية أو الربع سنوية من العوائد، وكان لا بد من أن نحتكم إلى طرف ثالث من المتخصصين في شؤون المصارف للفصل في أحقية أي من الصنفين في الواقع العملي تجاه أسعار الفائدة.

85  في المئة من الودائع للقطاع الخاص

يؤكد الجهاز المصرفي المصري أن ودائع القطاع الخاص تمثل نسبة لا تقل عن 85 في المئة من إجمالي حجم الودائع، في وقت تمثل فيه ودائع القطاع العائلي نحو 70 في المئة من إجمالي ودائع القطاع الخاص. ووفقاً للتقارير السنوية للبنك المركزي المصري، ارتفع إجمالي الودائع المصرفية في البنوك المحلية من 2.1 تريليون جنيه (127 مليار دولار أميركي) في يونيو (حزيران) العام 2016، قبل قرار تحرير سعر الصرف (التعويم) بأربعة أشهر إلى أكثر من 5 تريليونات جنيه (318.5 مليار دولار) حتى سبتمبر (أيلول) الماضي.

واقتنص الجهاز المصرفي من القطاع العائلي منذ قرار "التعويم" نحو 1.86 تريليون جنيه (118 مليار دولار) خلال أقل من أربع سنوات، عندما ارتفعت قيمته من 1.12 تريليون جنيه (71 مليار دولار) في يونيو 2016 إلى نحو 2.98 تريليون جنيه (190 مليار دولار) في سبتمبر 2020 بزيادة قدرها 2.53 تريليون جنيه (161 مليار دولار) عن إجمالي ودائع القطاع العائلي في يونيو 2010.

ويشمل القطاع العائلي الأفراد والهيئات المحلية التي لا تهدف للربح والعاملة في مصر.

كما قلّص البنك المركزي أسعار الفائدة 10.5 في المئة خلال أربع سنوات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016، إذ كانت أسعار الفائدة على الإيداع والخصم بالبنوك المصرية قبل ذلك التاريخ عند 11.75 و12.75 في المئة على التوالي، وبعد "التعويم" قرّرت لجنة السياسة النقدية رفع أسعار الفائدة ثلاثة في المئة دفعة واحدة، لتصل إلى 14.75 و15.75 في المئة على الإيداع والخصم حتى بلغت نحو 18.75 و19.75 في المئة على التوالي في يوليو 2017.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال العام الماضي، خفّضت اللجنة أسعار الفائدة العام الماضي بواقع أربعة في المئة على ثلاث دفعات، الأولى خلال ذروة انتشار فيروس كورونا منتصف مارس (آذار) الماضي، إضافة إلى خفضين آخرين خلال سبتمبر ونوفمبر الماضيين، لتبقى أسعار الفائدة الآن عند مستويات 8.25 و9.25 في المئة.

واختلفت آراء المتخصصين في حديثهم إلى "اندبندنت عربية" حول النتائج السلبية لخفض أسعار الفائدة على مدى السنوات الأربع، فالبعض يرى أنه خطر يقترب من أصحاب المدخرات، خصوصاً أنهم لا يملكون مصادر دخل أخرى، بينما يرى فريق آخر أن تراجع أسعار الفائدة لا يعني أن المدخرين خسروا مصادر الدخول في ظل تراجع معدلات الفائدة، بينما يقف فريق آخر من المستثمرين والممولين ممن تموّل البنوك مشاريعهم، منتظرين مزيداً من الخفض.

ناقوس الخطر

في البداية، دقت المتخصصة في شؤون الاقتصاد بسنت فهمي ناقوس الخطر، قبل أن تتآكل مدخرات أكبر شريحة من المصريين المدخرين في البنوك، من وجهة نظرها، وقالت إن 80 في المئة من المصريين يعتمدون بشكل أساس على أرباحهم من فوائد البنوك.

أضافت أن تلك الشريحة هي التي تسهم دائماً وتبادر بشراء شهادات الاستثمار القومية على غرار شهادة حفر قناة السويس الجديدة، عندما جمعت الحكومة المصرية ما يزيد على 64 مليار جنيه (4 مليارات دولار) من المودعين في مقابل شهادات استثمار لخمس سنوات، وحصولهم في المقابل على فائدة لم تقل عن 15 في المئة حينها، مشيرة إلى أن تراجع السياحة في مصر دفع عدداً لا يُستهان به من العاملين في هذا القطاع إلى تسييل أصولهم السياحية وربطها كودائع بالبنوك أو تحويها إلى شهادات استثمار.

 

الاستثمار لا يُجذب بخفض الفائدة

وحذرت فهمي البنك المركزي المصري من إجراء أي خفض جديد خلال الفترة المقبلة، مؤكدة أن جذب الاستثمارات لا يأتي من خفض أسعار الفائدة فقط، بل إن هناك عوامل أخرى منها كلفة الإنتاج والعمالة وكلفة الاستثمار، تسهم في زيادة أو تراجع حجم الاستثمارات.

المستثمرون... هل من مزيد؟

في المقابل، طالب نقيب المستثمرين الصناعيين محمد جنيدي، البنك المركزي بمزيد من الخفض في أسعار الفائدة، وقال إنها أحد عوامل جذب المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، موضحاً أن خفض أسعار الفائدة يعني تقليل كلفة الاقتراض ومن ثم كلفة تمويل المشاريع الجديدة، ما ينعكس على زيادة الأعمال وفرص العمل الجديدة، وضخ مزيد من المنتجات في الأسواق مما يسهم في تقليل الأسعار ويحجم التضخم.

الفائدة الإيجابية هي الحكم

ورفض المدير التنفيذي للبنك التجاري الدولي شريف سامي، الربط بين خفض أسعار الفائدة وتراجع عوائد المدخرين في البنوك، معتبراً أن الحكم على معدل أسعار الفائدة بشكل فردي غير عادل، موضحاً أن العدالة تقتضى درس وضع أسعار الفائدة قياساً بمعدلات التضخم التي تشهد تراجعاً في مصر بنسبة كبيرة.

وأشار على سبيل المثال إلى أنه لو كانت أسعار الفائدة في البنوك 15 في المئة، بينما معدل التضخم 13 في المئة، فالفائدة الإيجابية هنا تعادل اثنين في المئة فقط، وفي المقابل لو كانت أسعار الفائدة 10 في المئة بينما معدل التضخم خمسة في المئة، فالفائدة الإيجابية هنا خمسة في المئة.

وتابع أن أسعار الفائدة الإيجابية الحقيقية حالياً تسجل نحو أربعة في المئة وهى في أفضل معدلاتها، إذ إن معدل الفائدة 9.25 في المئة، بينما معدل التضخم لا يزيد على 5.4 في المئة، مؤكداً أن حجم ودائع القطاع العائلي في البنك التجاري الدولي لم تتأثر بشكل كبير بتراجع أسعار الفائدة، لافتاً إلى أنها لم تواصل الارتفاع بمعدلاتها الطبيعية ولكن في الوقت نفسه لم تتراجع.

التضخم يتراجع

في يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن البنك المركزي المصري تراجع المعدل السنوي للتضخم العام بنسبة 0.3 في المئة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ليسجل 5.4 في المئة مقابل نحو 5.7 في المئة مع نهاية نوفمبر 2020.

وقال المتخصص في شؤون الاقتصاد هاني توفيق إن اعتماد البنك المركزي على معدلات التضخم في تحديد أسعار الفائدة غير دقيق ولا يعبر عن الوضع الحقيقي، موضحاً أن محددات أخرى تقيس مدى انعكاس تراجع التضخم على حياة المواطنين والمستهلكين، لافتاً إلى أن أهم تلك المقاييس هي أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي زيادة جيدة تنعكس على معدل دخل الفرد سنوياً، بينما ما يحدث في الواقع هو زيادة طفيفة في حجم الناتج لا تؤثر بشكل كبير في مستوى الدخول، وبناء على ذلك لا تُعد معدلات التضخم المنخفضة حقيقية، وبالتالي فالحكم على أسعار الفائدة تغيب عنه الدقة والموضوعية.

350 مليار دولار الناتج المصري

ووفقاً لبيانات البنك المركزي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 5.527 تريليونات جنيه (350 مليار دولار) في نهاية العام المالي الماضي بمعدل ارتفاع بلغ 6.9 في المئة عن العام المالي السابق، عندما سجل 5.170 تريليونات جنيه (329 مليار دولار) بينما انخفض إجمالي الاستثمارات المنفذة بنسبة 17 في المئة نهاية 2019 - 2020، حيث سجلت نحو 800 مليار جنيه (51 مليار دولار).

أقل زيادة في القطاع العائلي

وكشفت بيانات "المركزي" عن ارتفاع الودائع غير الحكومية بالبنوك المحلية لتصل إلى مستوى 4.193 تريليون جنيه (267 مليار دولار)، بنهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مقابل 4.146 تريليون جنيه (264 مليار دولار) في سبتمبر السابق، بقيمة زيادة بلغت 47.5 مليار جنيه (3 مليارات دولار)، وجاءت الزيادة مدفوعة بارتفاع أرصدة القطاع العائلي بقيمة 41 مليار جنيه تقريباً لتسجل 3.47 تريليون جنيه (216 مليار دولار) نهاية أكتوبر الماضي.

أما الزيادة في مدخرات القطاع العائلي، فهي تعدّ الأقل على مدى ثمانية أشهر، ويعود ذلك بشكل أساس إلى توقف بنكي "الأهلي" و"مصر" عن طرح شهادات الادخار ذات العائد المرتفع، ما شجع باقي البنوك المحلية على خفض أسعار فائدة منتجاتها المختلفة.

المزيد من اقتصاد