Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العنف الأسري" يهز أركان البيت العربي

16861 حالة بالعراق خلال عام و78 جريمة بالقاهرة الكبرى في 2020 وارتفاع المعنفات إلى 33 في المئة بالأردن

كثير من النساء تتقبل ألم العنف الأسري بصمت تخوفا من العائلة والمجتمع (غيتي)

تصاعدت وتيرة حوادث وجرائم العنف عالميا بين أفراد الأسرة الواحدة لا بين الأغراب أو المعارف، وأضافت تداعيات عام الوباء (2020) العديد من مرويات ومآسي ضحاياها، وبطبيعة الحال لم تكن المنطقة العربية بمعزل عن هذه المجريات بعدما طغى العنف بين جدران بيوتها وتحت أسقفها، وبلغة الأرقام فإن النتيجة صادمة، إذ سجل الأردن زيادة حالات التعنيف بنحو 33 في المئة خلال عام كورونا، وفقاً لمديرية الأمن العام بالبلاد، وفي العراق أعلن مجلس القضاء الأعلى أن المحاكم سجلت خلال عام ‏واحد (2019) نحو 16.861 حالة عنف أسري، ورصدت مصر في هذا الشأن ما مجموعه 78 جريمة أسرية بالقاهرة الكبرى (العاصمة والجيزة والقليوبية) نجم عنها 82 قتيلاً في 2020، وفقا لإحصاء أجرته بوابة الأهرام المصرية.

وعلى الرغم من شكوى المراقبين من غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة حول مسوح واستطلاعات العنف الأسري، ناهيك عن الضحايا الذين يعجزون عن البوح خارج الذات وتحت جبر الأبواب الموصدة، تظل هذه المؤشرات مخيفة. "اندبندنت عربية" فتحت الملف الشائك في عدد من الدول العربية محاولةً دق ناقوس الخطر بشأن الظاهرة.

محاكم متخصصة في العراق

"أتقبل الألم بصمت حفاظاً على خصوصية العائلة، ولن أبوح بما يمر بي يومياً، فوالدتي لا تسمح لي بالحديث همساً عن الموضوع. العنف الممارس ضدي لن يؤدي لقتلي جسدياً، إلا أن أثره النفسي يلامس مستوى القتل".

هذا ما أخبرتنا به إحدى طالبات جامعة بغداد اللاتي استطلعنا آراءهن حول طبيعة العنف الأسري الممارس خلف جدران المنازل. لم ترغب بالطبع في ذكر اسمها، وكذلك زميلتها التي أوضحت أنها تعرضت إلى الأذى النفسي والضرب الجسدي هي وأخوها بعد وفاة والدتها من عماتها، وهي تجد صعوبة في الاستمرار بالدراسة. أخبرتنا أن "الأذى النفسي والجسدي يسيران معي كظلي ولا يمكنني التخلص منهما".

طالبة ثالثة أوضحت أن العائلة تغيرت أوضاعها بالكامل بعد اختطاف والدها قبل سنوات ولم يعرف مصيره إلى الآن، "فتغيرت والدتي كثيراً وأصبحت أكثر قسوة، وغالباً ما تعنفنا أنا وإخوتي جسدياً ونفسياً حتى أصبحنا نخاف ونتردد بالحديث معها".

شملت حالات العنف الأسري كل أفراد العائلة، وإن كانت الإحصاءات تشير إلى تعرض النساء للنسبة الأكبر من التعنيف. أوضحت إحدى الطالبات أنها "باتت تتقبل العنف النفسي بل وتراه أمراً عادياً، لكنها تعيش في خوف دائم من أنها قد تواجه في يوم ما ضرباً يؤدي بحياتها، أو يسبب لها عاهة مستديمة".

إحصاءات صادمة

مع تنامي ظاهرة العنف الأسري، وجّه مجلس القضاء الأعلى بتشكيل محكمة تحقيق وأخرى خاصة بـ "الجُنح" في كل مركز ومنطقة استئنافية بموجب البيان رقم (9) الصادر بتاريخ 10 يناير (كانون الثاني) 2021، لمواجهة الظاهرة والحد من انتشارها بما يمكن المتضرر من مراجعة المحكمة المعنية بسهولة، تبعاً للمكان الذي وقع فيه العنف الخاضع لولاية المحكمة المختصة مكانياً ونوعياً، تحقيقياً للمصلحة العامة.

الأرقام الرسمية الصادمة التي يعلنها المجلس في شأن الظاهرة تشير إلى أن المحاكم العراقية سجلت خلال عام ‏واحد (2019) نحو 16861 حالة عنف أسري، حصة النساء كانت الأكبر بين أعداد دعاواها إذ بلغت ‏‏12336 قضية، أما الخاصة بتعنيف الأطفال فبلغت 1606، بينما عدد قضايا تعنيف كبار السن وصل إلى 2919.

الإحصاء أوضح أن العاصمة بغداد احتلت المركز الأول في قضايا العنف الأسري بتسجيلها ‏‏4661 حالة، هي مجموع 1635 قضية في محكمة استئناف الكرخ، و3026 قضية سجلتها ‏محكمة استئناف الرصافة، بينما تلتها ذي قار بتسجيلها 2746 قضية ‏عنف أسري، علماً بأن هذه الأعداد هي التي تمكنت من الوصول للمحاكم، لكن هناك أخرى بقيت خلف الأبواب المغلقة، ولم تسجلها المحاكم بسبب قلة الوعي القانوني والأعراف الاجتماعية.

 

 

نزعة العنف تجاه الأبناء

صُدم أهالي بغداد بمنظر السيدة التي رمت أبناءها من جسر الأئمة في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، بعد أن صورتها كاميرات المراقبة، وهي ترمي طفليها ذوي العام الواحد والعامين من الجسر بسبب خلافات عائلية، وأصدرت محكمة جنايات الكرخ بعد اعتقالها حكماً بالإعدام مرتين شنقاً حتى الموت.

ويوضح المتخصص في الطب النفسي حميد يونس أن الخوف على الأطفال والنزعة إلى حمايتهم أمر ثابت في الدماغ البشري، لكن هذه النزعة موجودة جنباً إلى جنب مع الميل لقتلهم بعد ولادتهم بوقت قصير.

يضيف، "ربما صدم الجميع من المرأة التي قذفت بأطفالها إلى الجسر، لكن وأد الأطفال وبخاصة حديثي الولادة شائع بين النساء أكثر منه في الرجال، بل إن موظفي مستشفيات الولادة متعودون على رؤية اللقطاء الذين ترميهم أسرهم أو تجدهم الشرطة في حال يرثى لها".

الجائحة وتنامي العنف الأسري

يحدثنا يونس عن أسباب تنامي العنف الأسري بشكل ملحوظ مع جائحة كورونا وظروف الحظر الوبائي، فيقول "إن الأزمات المجتمعية زادت في ظل الوباء، ويعود ذلك إلى أسباب عصبية ونفسية، الأولى ترجع إلى أن أهم مناطق الدماغ التي تسهم في الحفاظ على صحتنا هي الساعة البيولوجية، التي تحافظ على أجسادنا وتصرفاتنا بصورة متناسقة، وإذا اضطربت فستختل الصحة البدنية والنفسية على حد سواء، بما في ذلك الاكتئاب والسمنة والسكري والسرطان، وهو ما حدث بعدما صعّب الحجر الصحي على الإنسان فهم ماذا عليه فعله ليعيد الإيقاع المنتظم إلى الحياة.

وفي غياب الروتين في العمل والخروج والتواصل الاجتماعي، تبدأ أعراض نفسية وجسمانية بالظهور، مثل اضطراب النوم وفقدان الشهية أو الشره للأكل أو تقلبات المزاج". أما السبب النفسي، فيرجعه يونس إلى أن الوحدة والعزل الإجباريين اللذان فرضتهما ظروف الجائحة يجعلان الفرد يعيد حساباته، فيضطر إلى التفكير والقيام بما لا يمكنه السيطرة عليه من أفكار سوداوية ومشاعر سلبية غير تلقائية، فلا مراء أن هذه الدوامات النفسية تدفعه إلى القلق والوساوس والاكتئاب.

اللامعقول

لا يوفر القانون العراقي حماية واضحة لضحايا العنف الأسري يوضح المحامي محمد جمعة، المتخصص في هذه القضايا، لأن الإجراءات القانونية لا توفر حماية سريعة وآمنه للمعنّف، "فمن يتعرض للعنف داخل الأسرة عليه أن يذهب أولاً لمحكمة التحقيق ويقدم شكوى للقاضي، وبدوره يحوله لمركز الشرطة لتقديم الإفادة في المركز، وبعدها يعود المعنّف للبيت ذاته الذي عُنّف فيه". يصف جمعة هذه الإجراءات بـ "اللامعقولة"، فكيف مثلاً للفتاة التي عُنفت في البيت أن تخرج وتذهب للمحكمة وتقدم شكوى، وبعدها تعود للبيت ذاته الذي عنفت فيه. وتساءل، "كم فتاة تستطيع أصلاً الخروج من البيت وتقديم الشكوى؟ لو حدث وخرجت من بيتها فالقانون العراقي لا يوفر حماية لها، ربما يتسنى هذا للزوجة، فلديها بيت عائلتها تذهب إليه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دار للمعنّفات

ويرى جمعة أنه لا بد من وجود دار للمعنّفات ليتم إيواؤهن فيها، وتخصيص خط ساخن لاستقبال الشكاوى ليتم اتخاذ إجراءات عاجلة لحمايتهن.

ويوضح أحد المتطوعين في "حملة لا للعنف الأسري"، ضرورة وجود قانون صارم يحمي الأفراد داخل الأسرة ويوفر لهم مأوى في حال فشلت الأخيرة في حمايتهم، وأشار إلى أن المنظمات المعنية بالمسألة ترى أن مسودة قانون العنف الأسري بحاجة إلى تعديل وإضافة فقرات لتسهم بشكل حقيقي في تحجيم الظاهرة.

من جانبه، يقول الباحث القانوني علي التميمي، إن "القوانين التي تتعلق بالعنف الأسري عبارة عن تشريعات مبعثرة هنا وهناك، كما أنها أصبحت لا تنسجم مع تعقيدات الحياة والتطور في مجالات التكنولوجيا والوضع الاقتصادي وتشعبات الحياة وصعوبتها".

وأضاف "ضرورة تشريع قانون لحماية الأسرة من العنف وصياغته بما ينسجم مع الأعراف العراقية والشريعة الإسلامية بعيداً من الاقتباسات المأخوذة من القوانين الأجنبية مطلب، لأنه كلما كان القانون عراقياً كان سهل التطبيق ويضمن الحقوق وفقاً للقيم المجتمعية".

الانتحار ظل لقضايا العنف الأسري

في بيان لوزارة الداخلية نشر قبل أيام، تحدث عن تمكّن قوات الشرطة من وقف محاولة انتحار لرجل وزوجته في محافظة الموصل بسبب العوز المادي. الفقر والمشكلات الأسرية والمخدرات تعد أبرز أسباب تنامي ظاهرة الانتحار، وغالباً ما تكون هناك شبهات جنائية تقف خلف ظاهرة الانتحار، فهي بالأساس حالات لعنف أسري تسجل على أنها انتحار. بالفعل تم اكتشاف هذه الحالات بعد التحقيقات الجنائية كما حدث في حادثة قتل أبناء لوالدهم، إذ أخبروا القاضي أنه انتحر، لكن بعد التحقيقات تم إثبات شبه جنائية تتعلق بقتلهم له بسبب الخلاف حول قضايا الميراث.

وتبقى ظاهرة الانتحار تشكل نسبة مرتفعة، إذ رصدت المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان بالعراق في سبتمبر (أيلول) 2020، حدوث 298 حالة انتحار منها 168 من الذكور و130 من النساء في عموم العراق خلال 2020.

ويوضح المحامي محمد جمعة أن انتحار الشباب يعود إلى المشكلات الاقتصادية وتراكم الديون، أما النساء فإن أكثر من 95 في المئة من حالات الانتحار دافعها العنف الأسري. ويرى أن دوافعه غالباً ما تكون بسبب الخوف من العقاب الأسري، لأن القانون العراقي لم يُعط حلولاً لهذه القضايا، فعدم وجود حل قانوني يدفع الفتيات إلى اليأس من الحلول، وغالباً ما يدفعهن إلى الانتحار.

الانتحار يبدو لفاعله الخيار الأمثل

من جانبه، يرى حميد يونس أننا نخطئ حين نوحد أسباب ومسببات الانتحار في نقاط معدودة، ذلك لأنه فعل غارق في خصوصيته، ومن الصعب جداً أن نلخصه في كلمتين أو ثلاث، فلا بد أن يكون هذا الفعل قد بدا لفاعله الخيار الأمثل والأخير من بين خيارات سيئة عدة، وأن أية محاولة لرسم خريطة لما كان يفكر فيه فاشلة، وكل منتحر لديه سبب وجيه في رأيه للانتحار، أو على الأقل هذا ما يبدو لمن يسعى إليه، وإن كان لدى معظمهم أيضاً أسباب لتجنب الفكرة".

 

 

الخوف من تفشي الانتحار كظاهرة

يتخوف ويحذر يونس من أن فعل الانتحار الذي يلقى استقبالاً إعلامياً ورأياً عاماً يصبح "ظاهرة"، ولربما يتفشى مثل الوباء كلما تعودنا عليه، لأن "المراهقين البسطاء والمضطربين وأصحاب العقول الهشة، ومن يعانون ضغوطاً نفسية واجتماعية" سيستسهلون الفكرة من بعد انتحار مشهور، فما بالك لو أن الحالات أصبحت تلقى رأياً أو سعاراً في مواقع التواصل الاجتماعي في ظل الجائحة.

ندوب كورونا الأسرية "عميقة" في الأردن

وفي الأردن، ظلت الظاهرة وفق معدلات طبيعية بالبلاد إلى أن انتشرت جائحة كورونا منذ مارس (آذار) 2020، حينها تضاعفت الأرقام على نحو لافت بسبب ما تركه الوباء من آثار وندوب اجتماعية عميقة.

وشهدت هذه الفترة ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة العنف الأسري، وفقاً لمديرية الأمن العام التي تقول إن عدد المعنفات زاد 33 في المئة، مما جعل كورونا المتهم الأول في قائمة أسباب ازدياد الإشكالات العائلية.

وخلال الفترة الماضية هزّت جرائم عنف أسرية عدة المجتمع الأردني، وتحولت بسبب بشاعتها إلى قضية رأي عام، وسط مطالبات مراقبين ومهتمين بضرورة توفير حماية للشهود في قضايا التبليغ، إضافة إلى محاربة ظاهرة إسقاط الحق الشخصي، لأنها تشكل عائقاً أمام القضاء للسيطرة على الظاهرة إلى جانب ما يعتري قانون العقوبات من قصور.

موروث اجتماعي

وإلى جانب ظروف الحجر الصحي والإغلاقات المتتالية، ثمة أسباب اقتصادية واجتماعية أسهمت في زيادة نسبة العنف الأسري في الأردن، بينها موروثات ومعتقدات اجتماعية تنظر إلى المرأة بنظرة "فوقية"، فأكثر ما يقلق المجلس الأعلى للسكان دراسة أجراها العام 2018، أظهرت تبرير معظم الأردنيات ضرب الزوجات والشقيقات، فضلاً عن بعض الأصوات التي تبرر العنف بحجة أن الرجال أيضاً يتعرضون للعنف من قبل النساء، وبأن الخوف من الانتقاد أو النبذ الاجتماعي يحرم أعداداً مهولة من الأزواج من تقديم شكاوى من هذا النوع.

غياب الإحصاءات

ويشكو مراقبون في هذا السياق غياب إحصاءات رسمية دقيقة حول هذه الظاهرة، إذ تعتبر جمعية معهد تضامن النساء الأردني أنها ناقصة وغير دقيقة وليست شاملة، خصوصاً أن آخر مسح سكاني حول العنف الأسري كان عام 2018، ما يؤثر في وضع السياسات وسن التشريعات وتنفيذ المشاريع والبرامج.

ويظهر مسح العنف الأسري أن نحو 1.5 مليون من المتزوجات فقط شملهن المسح، مما يعني وجود أعداد كبيرة من اللواتي يتعرضن للعنف غير المرئي لم يتم شمولهن، لا سيما غير المتزوجات.

ووفقاً لأحدث الأرقام الرسمية، بلغ عدد الإناث في الأردن نحو 5 ملايين، أكثر من نصفهن ضمن الفئة العمرية التي تراوح بين 15 و49 عاماً. وتقول الأرقام أيضاً إن امرأة من بين كل أربع نساء متزوجات تعرضت للعنف الجسدي أو الجنسي أو العاطفي في البلاد، وبلغت نسبة اللواتي تقدمن منهن بشكوى أو مساعدة قانونية ثلاثة في المئة فقط. وفي 2020، شهدت البلاد 16 جريمة قتل أسرية بعضها كان أكثر بشاعة، بينما تعرض واحد في المئة من الأزواج للعنف الأسري.

فئات هشّة

وتلفت جمعيات ومؤسسات حقوقية الانتباه إلى ما تسميه الفئات الهشة من المجتمع، كالأخت الكبرى في الأسرة التي ترملت أو لم تتزوج وبقيت عزباء لأنها اختارت رعاية مسؤوليات الأسرة، ويمكن أيضاً اعتبار الأطفال من الفئات الهشة التي تتعرض للعنف الأسري بصمت من دون أن تجد من يدافع عنها، وهي جريمة تستوجب التدخل السريع من قبل الجهات المعنية.

ويرى متخصصون أن تسرّب الطلاب والانقطاع عن مدارسهم يفاقم ممارسات الظاهرة ضدهم. وتُظهر الأرقام الرسمية تسجيل 3 آلاف حالة عنف بحق الأطفال، خلال الأشهر الستة الأولى من 2020، ودفع تزايد العنف الأسري في الأردن خلال جائحة كورونا السلطات إلى توسيع اختصاص وعمل مؤسسة حماية الأسرة والطفل، كما عملت الحكومة على تعزيز منظومة حماية الأسرة على المستوى الوطني.

وتوصي جهات حكومية بتوفير كوادر مؤهلة في وزارتي الصحة والتنمية الاجتماعية، واستكمال الإجراءات التشريعية لإقرار كل من قانوني الأحداث وحقوق الطفل، وتفعيل دور عيادات الطب النفسي، فضلاً عن محاربة الأسباب التقليدية للعنف الأسري مثل تراجع الوضع الاقتصادي للأسر ومحاربة التسرب المدرسي والزواج المبكر.

العنف الأسري في الوطن العربي

وكشف المكتب الإقليمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في الدول العربية، من خلال دراسة خصّت مصر والعراق والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين وتونس واليمن، وشارك فيها أكثر من 16 ألف شخص من الجنسين، مع التركيز على الممارسات المتعلقة بالعنف ضد النساء أثناء الوباء والحجر الصحي، عن أن نصف المشاركات في الدراسة تعرضن للعنف من أزواجهن أثناء الوباء، وأن أقل من 40 في المئة منهن طلبن المساعدة أو أبلغن عن الجريمة.

كما توصلت المنظمة إلى شعور عدد أكبر من النساء مقارنة بالرجال، بعدم الأمان في منازلهن، وأفادت امرأة واحدة على الأقل من بين كل خمس نساء في الدول التي شملتها الدراسة عن خوفها من العنف المنزلي من قبل الزوج أو أحد أفراد الأسرة، باستثناء لبنان، حيث كانت النسبة أقل بـ 51 في المئة.

وكانت هـذه النسبة أعلى في الأردن وفلسطين، حيث أعربت واحدة على الأقل مـن كل ثلاث نساء عـن خوفها من العنف المنزلي، علماً بأن مشاهـدة أو معرفة شخص تعرض للعنف قد تسبب إحساساً أكبر من التوتر والقلق، فمـن بين المجيبات اللاتي أفدن بعـدم شعورهـن بالأمان في منازلهن، أفادت النساء أكثر من الرجال بأنهـن شهـدن أو يعرفن امرأة واحدة على الأقل تعرضت للعنف في ظل الأزمة الحالية.

كورونا يصعد العنف المنزلي بالمغرب

على غرار باقي الدول العربية، عرفت حالات العنف الأسري ارتفاعاً خلال فترة تدابير الإغلاق المتعلقة بجائحة كورونا، حيث أجمعت على ذلك كل الإحصاءات، سواء الرسمية أم تلك التي قدمتها هيئات المجتمع المدني، مما حدا بمجموعة من الجمعيات خلال فترة الإغلاق إلى مراسلة الحكومة المغربية مشددة فيها على كون "معدل العنف تجاه النساء مرتفع جداً، ومن المرجح أن تتصاعد وتيرته بسبب التوترات التي بدأت تظهر جلياً داخل الأسر نتيجة الضغوط النفسية المرتبطة بوضعية الحجر الصحي"، موضحة أن حالات عدة استغل فيها الأزواج الحجر الصحي من أجل ممارسة الضغط النفسي والإكراه الجسدي لإجبار زوجاتهم على التخلي عن حقوقهن، وبأن العنف الأسري يمثل 52 في المئة من حالات العنف ضد النساء، بحسب المعطيات الرسمية.

من جانبها، أكدت رئيسة "شبكة إنجاد ضد عنف النوع"، التابعة للرابطة الديمقراطية للدفاع عن حقوق المرأة، نجية تازروت، أنه "حين يلتقي الفقر والقهر والجهل والهشاشة، ويضاف إليها الحظر والحجر الصحي، فإن كل أشكال العنف قد تحدث، وتبقى النساء الحلقة الأضعف في هذا الوضع الحرج".

واعتبرت وزيرة الأسرة والتضامن المغربية جميلة المصلي، أن "ارتفاع العنف ضد النساء يهم الجميع ولا يخص المغرب وحده، بل هو أمر نبّه إليه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ودعا إلى حماية النساء والفتيات من العنف الأسري، وسط تقارير عن تزايد ضحاياه"، مشيرة إلى أنه بحكم حجم وكثرة وتنوع المسؤوليات التي تتحملها النساء في منظومتنا الثقافية وشبكة العلاقات الاجتماعية القائمة، فمن الطبيعي أن يتفاقم الضغط النفسي على النساء، في ظل الوضعية الضاغطة التي يفرضها الحجر الصحي، وأن جميع أفراد الأسرة يعيشون وضعاً ضاغطاً، وهو من الناحية النظرية، ما قد يزيد حالات العنف".

وعلى الرغم من تلك النسب المقلقة، إلا أن الوزيرة اعتبرت أن "الإحصاءات التي توفرت لدى رئاسة النيابة العامة، التي تهم فحسب القضايا المرفوعة للقضاء، تبشر باستقرار الأسرة المغربية وانسجامها واستعدادها للتعايش والسكن الطبيعي الهادئ، ولو في أصعب الظروف مثل الحجر الصحي".

 

 

الكلفة الاقتصادية

نتج من العنف الأسري في المغرب عبء اقتصادي مهم يضاف إلى الضغط المالي الذي خلفته فترة الإغلاق، فقد خلصت دراسة المندوبية السامية للتخطيط (حكومية) إلى تحمل 22.8 في المئة من بين مجموع النساء ضحايا العنف الجسدي والجنسي اللاتي تعرضن للعنف كُلفاً إجمالية تقدر بـ 2.85 مليار درهم (300 مليون دولار)، وبقسمة هذه الكلفة على العدد الإجمالي للضحايا، يبلغ المتوسط نحو 957 درهماً (100 دولار) لكل ضحية.

ويحتكر الفضاء الزوجي وحده، بحسب الدراسة، أكثر من ثلثي الكلفة الاقتصادية الإجمالية للعنف بحصة 70 في المئة، بكلفة إجمالية تقدر بـ 1.98 مليار درهم ( 200 مليون دولار)، يليه فضاء الأماكن العمومية بحصة 16 في المئة، أي 448 مليون درهم (50 مليون دولار)، ثم الوسط العائلي بحصة 13 في المئة، أي366 مليون درهم (400 ألف دولار).

وفي ما يتعلق بشكل العنف، فإن 85 في المئة من الكلفة الاقتصادية الإجمالية تعود للعنف الجسدي بقيمة 2.4 مليار درهم (270 مليون دولار)، و15.3 في المئة بقيمة 436 مليون درهم (48 مليون دولار) للعنف الجنسي.

تفاقم العنف الأسري في مصر

وفي مصر، أجرت "بوابة الأهرام" إحصاء نهاية العام الماضي من واقع عناوين الحوادث التي وقعت على مدى السنة، وكشف عن زيادة كبيرة في عدد الجرائم الأسرية المرتكبة في القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) بما مجموعه 78 جريمة أسرية، نجم عنها 82 قتيلاً من أفراد الأسرة.

وكما هو متوقع فقد تبوأت النساء مكانة الصدارة في عدد الضحايا بنسبة 43 في المئة، والأطفال 26 في المئة، أي أن ضحايا الجرائم الأسريّة من النساء والأطفال يشكلون غالبية مطلقة بنسبة 69 في المئة. وجاء الضحايا من الرجال في ذيل القائمة بنسبة 31 في المئة.

الشك والمخدرات

نسبة كبيرة من هذه الجرائم تعود إلى "الشك في سلوك الزوجة أو الابنة"، وهو شكل كلاسيكي أحياناً يفضي إلى جريمة شرف في المجتمع المصري منذ عقود طويلة، أما بقية الجرائم الأسرية فتتراوح بين تأديب للزوجة أو الابن أو الابنة بضرب أدى إلى موت، أو تحت تأثير مواد مخدرة، والقليل منها جرى بسبب الوقوع في ضائقة مادية.

ومع تعدد الضوائق وتواترها في زمن الوباء ودخوله عامه الثاني، وما فرضه من قلق وتوتر وضبابية وفقدان وظائف وضياع أحلام وتبدد طموح ألقى بظلاله على كل بيت مصري، إلا أن في داخل كل بيت أيضاً إما حلقة أضعف يحلو للجميع أن "يفش غله" فيها، أو حائط صد يتكئ الكل عليه، أو صدر حنون يَضُم ولا يُضَم.

رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة المحامية نهاد أبو القمصان تقول، إن معاناة المرأة المصرية تفاقمت بسبب أوضاع كورونا، حيث الأوضاع الاقتصادية الهشة التي تعانيها كثير من النساء زادت بسبب الوباء، كما زادت نسب تعرضهن للعنف بأنواعه، بما في ذلك اللفظي والمعنوي الناجمين عن زيادة التوترات النفسية لبقية أفراد الأسرة.

معاناة تاريخية

الأسرة في منطقتنا العربية تعاني تاريخياً من العنف المنزلي الموجه في المقام الأول إلى المرأة، وهو عنف تفاقم مع الوباء.

مكتب شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية (إمرو) أشار في ورقة عنوانها "كوفيد-19 والعنف ضد المرأة في شرق المتوسط"، إلى أن العنف عادة يزيد ضد المرأة في حالات الطوارئ، وبينها الأوبئة. وأشارت الورقة إلى أن الضغوط النفسية وتفكك الشبكات الاجتماعية والحماية وتفاقم المصاعب الاقتصادية عوامل صعّدت أزمة المرأة العربية أوقات الطوارئ.

ويشار إلى أن إقليم شرق المتوسط يحتل المكانة الثانية على قائمة المناطق الأكثر ممارسة للعنف ضد المرأة في العالم، وكأن عوامل عدم المساواة بين الجنسين والأزمات السياسية وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لم تكن كافية، ليضاف "كوفيد-19" ويكون قشة إضافية لظهر النساء.

وتؤكد "إمرو" أن إجراءات العزل وتقييد الحركة والبقاء في البيت لاحتواء العدوى والأضرار الاقتصادية وقضاء أفراد الأسرة أوقاتاً أطول غير معتادة مع بعضهم البعض، جعل النساء والأطفال أكثر عرضة للعنف من قبل أفراد الأسرة الذكور.

"فش الغل"

الذكور في مصر مضوا قدماً في اعتبار المرأة في البيت منصة لـ "فش الغل" الناجم عن ضغوط "كوفيد-19" الاقتصادية والنفسية، ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه "المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة، فقد زادت معدلات العنف الأسري ضد المرأة في ظل جائحة "كوفيد-19"، وتبوأ العنف الممارس من قبل الزوج ضد زوجته مكانة الصدارة باعتباره أكثر أنواع العنف المتداول أسرياً في مصر خلال الوباء.

وبحسب الاستطلاع، فإن المشكلات الأسرية زادت بنسبة 33 في المئة خلال أشهر الوباء والإغلاق والعزل، كما تعرضت سبعة في المئة من الزوجات للعنف من قبل الزوج، وأبرز أشكاله الضرب والإهانة اللفظية.

العمالة غير المنتظمة

أشكال عمل المرأة في مصر كثيرة، لكن قطاع النساء العاملات في قطاع العمالة غير المنظمة يقول الكثير، وينضج بأكثر في زمن كورونا. ويمكن القول إن هذا القطاع المجحف وغير العادل هو من القطاعات القليلة جداً التي تحظى فيها المرأة بنصيب عادل ومساو شأنها شأن الرجل.

وتشير دراسة أجرتها مؤسسة "فريدريش إيبرت" المرتبطة بالحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني تحت عنوان، "فيروس كورونا وتداعياته الاجتماعية على النساء: إدارة الأزمة في كل من مصر وتونس ومصر"، إلى أن نسبة المشتغلين في هذا القطاع من النساء تقدر بـ 45 في المئة، وتتراوح الأعمال التي تقوم بها المصريات في هذا القطاع بين العمالة المنزلية والنظافة وتحضير المأكولات والخضراوات من البيت والأعمال الزراعية وغيرها.

أما نسبة النساء اللاتي يتكفلن بالأسرة في الحضر فبلغت نحو 17 في المئة، وفي الريف نحو 16.5 في المئة، بينما معدلات الأميات والمطلقات والأرامل في هذه الفئة يصل إلى 80 في المئة، مما يعني أن هؤلاء النساء ينتمين للفئة الاقتصادية الهشة أو بالغة الهشاشة. يشار إلى أن عدداً من الأسر المصرية التي كانت تستعين بعاملات نظافة منزلية استغنين عنهن في زمن الوباء، إما بسبب الخوف من العدوى أو بهدف توفير المصروفات، وقد أدى ذلك إلى دخول هؤلاء النساء في دائرة مفرغة من التوتر النفسي والضغط الاقتصادي، وتعرضت بعضهن لعنف الأب أو الزوج وأحياناً الابن نتيجة عدم قدرتهن على الاستمرار في القيام بدور العائل بسبب الوباء.

كلفة العنف

بحسب مسح الكلفة الاقتصادية للعنف الاجتماعي الذي أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر نتائجه في العام 2015، فقد جاء العنف النفسي على رأس القائمة، إذ تعرض نحو 40 في المئة من النساء للإهانة من قبل الزوج، و30 في المئة للصفع أو الرمي، و20 في المئة للدفع الشديد وشد الشعر، وأُجبِرت تسعة في المئة على العلاقة الحميمية مع الزوج رغماً عنهن. 

ويشير التقرير إلى أن الجائحة فاقمت هذه النسب بشكل كبير، لا سيما مع زيادة حجم وعبء الأعباء المنزلية الملقاة على عاتقها، إضافة لكونها إسفنجة تمتص غضب وتوتر ذكور البيت في ظل تداعيات الوباء.

وهذه التداعيات التي عقدت العزم على البقاء فوق الكوكب لحين إشعار آخر، تتطلب أكثر من المسكنات المتمثلة في تعظيم المساعدات الاقتصادية وشن حملات توعية واستشارات نفسية هاتفية للمعنّفات والمعنّفين، لكنها تحتاج علاجات جذرية تستهدف الأمراض المزمنة المتمثلة في تدني وضع المرأة الاجتماعي والثقافي، والتعامل مع الأطفال باعتبارهم ملكية خاصة للأهل، أو أرقاماً تضيف دخلاً مادياً للأسرة، والتعامل مع العنف المعنوي واللفظي باعتبارهما أموراً تافهة، والعنف الجسدي باعتباره وسيلة تأديب أسرية خاصة.