Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بايدن بيده لقاح كورونا لكن لا لقاح للانقسامات السياسية

بعد "نعم نستطيع" و"لنعد أميركا عظيمة" جاء الرئيس السادس والأربعون بشعار "إعادة البناء بشكل أفضل" فهل تصمد تعهداته أمام التحديات المتراكمة؟

وعد بايدن الأميركيين بأن يكون رئيساً وحدوياً ينهي الانقسامات الداخلية (غيتي)

بعد عقد ونيف من الظواهر الاستثنائية التي اجتاحت المشهد السياسي في الولايات المتحدة، على إثر انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود رفع شعار "نعم نستطيع"، وبزوغ نجم دونالد ترمب مرشحاً واجه الاستخفاف بادئ ذي بدء، ثم سيداً للبيت الأبيض قلب الموازين بشعاره المبشر بعودة العظمة الأميركية، أطل جو بايدن، الرجل الأبيض، والابن المخلص للمؤسسة في واشنطن، ليعيد رسم الصورة الرئاسية في إطارها التقليدي، متبنياً سياسات انتقالية تنقض عهد سلفه.

إعادة الهدوء لبلد منقسم

وبينما يرغب الرئيس بايدن في الدفع بالولايات المتحدة لمشاركة هموم العالم، والتأثير بنفوذها وقوتها الاقتصادية لحلحلة القضايا الدولية، تواجه إدارته انقسامات سياسية، في الوقت الذي يُحاكم الرئيس السابق بتهم التحريض على العنف، وتعيش البلاد ركوداً اقتصادياً بسبب الاستجابة البطيئة لمكافحة فيروس كورونا، إضافة إلى دور متضائل للدبلوماسية، يسعى الرئيس الجديد إلى إحيائه بهدف تعزيز العمل المشترك مع الحلفاء والمنظمات الدولية.

وعلى الرغم من أن ترمب أجبر بايدن على المرور بانتقال عسير للسلطة، تزامن مع التشكيك في نزاهة الانتخابات الرئاسية التي رجحت فوز خصمه، فإن أجواء الانقسام الأخيرة ليست جديدة على الولايات المتحدة، إذ يرى مراقبون أن المشكلات تراكمت منذ عهد أوباما، مستدلين بفوز رجل أعمال مثل ترمب لا يملك خبرة سياسية، عدا ذكائه في استغلال الحنق الشعبي الناتج عن فشل الإدارة الديمقراطية في احتواء الطبقة العاملة.

وفي العام الأخير من الولاية الثانية لأوباما، نشرت "أسوشييتد برس" سلسلة تقارير صادمة تحت عنوان "أميركا المنقسمة"، كشفت النقاب عن الانقسام الحاد الذي عاشته الولايات المتحدة، وكيف أن الاختلاف لم يعد يقتصر على جمهوريين وديمقراطيين، أو ليبراليين مقابل محافظين، بل تحول ليشمل شرائح أخرى مثل المطالبين بالعدالة العرقية، ونشطاء الحركة النسوية، والمشككين في التغير المناخي والمؤمنين بخطورته.

وبعد ما وصل ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2017، استأنف قطار التقارب العربي- الإسرائيلي نشاطه، بعد توقف دام 26 سنة، لكن ديناميكية الرئيس الجمهوري لم تخدم القضايا الداخلية، إذ شهدت ولايته احتجاجات واسعة مناهضة للعنصرية، وانتهت سنواته الأربع باقتحام موالين له مبنى الكونغرس، بينما تجري المصادقة على نتيجة الانتخابات لصالح خصمه جو بايدن.

وبينما فلت ترمب من تهم الديمقراطيين له بالتحريض على التمرد، كانت الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن الانقسام غرس أنيابه في قلب واشنطن أعمق من ذي قبل. وعن أعمال العنف يوم السادس من يناير (كانون الثاني)، يقول المؤرخ بجامعة برينستون، شون ويلنتز، ومؤلف كتاب "صعود الديمقراطية الأميركية"، الذي يبحث في تطور الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، إن "ما حدث كان الأسوأ منذ الحرب الأهلية"، وأتعس يوم للديمقراطية الأميركية منذ 12 أبريل (نيسان) 1861، تاريخ اندلاع الحرب الأهلية في ولاية ساوث كارولاينا.

عوائق الإصلاح

مثقلاً بأعباء التوقيت، يواجه جو بايدن عديداً من التحديات على رأسها مكافحة فيروس كورونا، وإن كان هذا التحدي هو الأكثر إلحاحاً فإنه ليس الأكثر صعوبة، كما يرى إيان بريمر، مؤلف كتاب "نحن في مواجهة هم: فشل العولمة"، الذي يقول إن اللقاحات يمكنها أن تقضي على الأوبئة في النهاية، لكن لا يوجد لقاح للانقسامات السياسية.

ويزعم بريمر أنه لا توجد ديمقراطية صناعية متقدمة في العالم أكثر انقساماً أو اختلالاً سياسياً من الديمقراطية الأميركية، مشيرا إلى أن العوامل التي دفعت بأقوى دولة في العالم إلى هذه النقطة، ليست وليدة أعمال الشغب في الكابيتول، بل تعود إلى ثلاث سمات مميزة للمجتمع الأميركي تجاهلها السياسيون لفترة طويلة، وهي التاريخ المضطرب للعلاقات بين الأعراق، والطبيعة المتغيرة للرأسمالية، وهشاشة المشهد الإعلامي.

فعلى صعيد الإرث العرقي، يحفل تاريخ الولايات المتحدة بقصص العنصرية، بدءاً من نهر ميسيسبي الذي كان محورياً لتجارة الرقيق، ووصولاً إلى التمييز في الأماكن العامة، ولم يضع الأميركيون حداً للفصل العنصري إلا بعد إقرار قانون الحقوق المدنية في عام 1964، أي بعد ما يقرب من قرن على نهاية الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة انتخبت عام 2008 أول رئيس أسود، فإن احتجاجات حركة "حياة السود مهمة" في الصيف الماضي، بحسب بريمر، كشفت أن العمل لم يكتمل بعد، فضلاً عن وجود شريحة من الأميركيين البيض في الجزء الآخر من القصة، يرون أن وضعهم الاجتماعي مهدد نتيجة للتركيبة السكانية والحسابات العرقية الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم هنالك الطبيعة المتغيرة للرأسمالية، النموذج الاقتصادي الذي قاد الولايات المتحدة لتكون القوة العظمى البارزة في العالم في النصف الأخير من القرن العشرين، وشجع سماته على الابتكار والنمو السريع حتى أصبحت أميركا موطناً لشركات التقنية الكبرى. لكن الرأسمالية، وفقاً لبريمر، سمحت أيضاً بعدم المساواة وتكافؤ الفرص، فهي كما تولد الثروة، فقد أثرت في حياة العمال.

ومن المعروف أن متوسط الأمان الاجتماعي للعامل الأميركي في مرتبة أقل بالمقارنة مع نظرائه الأوروبيين. وبينما ينضم كل من الأتمتة والذكاء الاصطناعي اللذين يهددان بقاء أعداد كبيرة من العمال في وظائفهم إلى العوامل المؤثرة في صناعة القرار، يأتي صعود سياسيين مثل بيرني ساندرز، ليؤجج الانقسام بين جمهور الناخبين القلقين بشأن موقعهم في المستقبل الأميركي.

ومن الرأسمالية إلى قطاع الإعلام، حيث يشهد العالم ثورة في الاستهلاك الإعلامي بفضل شركات التقنية، يقول رئيس شركة أوراسيا المتخصصة في الاستشارات السياسية، إن "الانقسام حدث بشكل أسرع مع وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن العنصر التخريبي الذي أدخلته شركات التكنولوجيا هو الخوارزميات المصممة لجذب المزيد من عائدات الإعلانات والاهتمام، التي غالباً ما تُحقق عن طريق الترويج للمحتوى المتطرف والمضلل".

خطورة الخطاب البلاغي

على الرغم من توقيعه أكثر من 50 أمراً تنفيذياً خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من ولايته، فإن بايدن لم يسلم من الانتقاد بسبب خطاباته التي يخشى مراقبون من أنها تكرس البلاغة على حساب مواجهة التحديات الحقيقية، وتعكس التقاطع بين بايدن وأوباما اللذين يعتبران الوحدة هدفاً. وفي هذا السياق، يرى جيمس آنتل، الكاتب في "واشنطن إكزامينر"، أن أوباما ترك الولايات المتحدة أكثر انقساماً لأنه بالغ في تقدير الدرجة التي يمكن عندها للخطاب والنوايا الحسنة تجاهل الانقسامات الحقيقية حول القيم والأولويات.

وأصبحت مخاوف فشل الإدارة الحالية في تخفيف حدة الانقسام جدية، بعد المقارنة بين خطابي بايدن وأوباما، إذ إن الكلمات التي قالها بايدن على منصة حملته الانتخابية في ديلاوير العام الماضي، "أتعهد بأن أكون رئيساً لا يسعى للتقسيم، بل التوحيد، لا يرى ولايات حمراء أو زرقاء، بل الولايات المتحدة الأميركية"، مشابهة لتلك التي صدح بها أوباما في عام 2008 بعد انتصاره على المرشح الجمهوري جون ماكين، "لم نكن قط مجرد مجموعة من الأفراد أو مجموعة من الولايات الحمراء والزرقاء، نحن الولايات المتحدة الأميركية".

لكن ألا توجد ولايات حمراء وزرقاء حقاً، ألم ترفض الولايات الديمقراطية طلب ترمب إرسال قوات الحرس الوطني لمواجهة أعمال العنف في الصيف الماضي؟

الكاتب في "نيويورك تايمز" عزرا كلاين، الذي يرى أن أوباما ترك وراءه دولة أكثر انقساماً من تلك التي وجدها، اعتبر أن الرئيس الديمقراطي صعد إلى المسرح السياسي بقوله إنه "لا توجد ولايات حمراء وزرقاء" بينما كان هناك بالفعل ولايات حمراء وزرقاء.

ولينهي بايدن حقبة الانقسام، يرى جيمس أنتل، أن الديمقراطيين بحاجة إلى الفعل أكثر من الاعتماد على الخطاب البلاغي لتحقيق أهدافهم، إذ إن الخلافات بين الليبراليين والمحافظين لا يمكن إزالتها بالخطب اللطيفة، ومن الحكمة ألا يحاول الرئيس الحالي ذلك، حتى لا يكشف خطابه عن الانفصال نفسه الذي قوض مبادرات أوباما اللفظية، الذي يتمثل في الإصرار على أن هذه الاختلافات لا تهم لأن الأميركيين خيرون إضافة إلى الإشارة الضمنية إلى أن الديمقراطيين يقاتلون قوى سياسية فاسدة"، ويتساءل الكاتب في "واشنطن إكزامينر"، "هل نحن بحاجة إلى القليل من التسامح والتواضع" على حد تعبير بايدن، أم أن سياستنا هي معركة "للدفاع عن الحقيقة ودحر الأكاذيب؟"

المزيد من تحلیل