Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاولة لتفسير قصور الذاكرة السياسية في عالمنا المعاصر

كيف ينسى الشعب الأميركي سياسات وتصرفات أقدمت عليها حكومته وملأت الدنيا ضجيجاً بتبريرها ثم عدلت عنها؟

احتفل ترمب في مشهد هزلي بالقائد الكوري الشمالي الذي كان يتهمه بالديكتاتورية (أ ف ب)

يزداد عالمنا غرابة، فمنذ سنوات كنا نبدأ تحليل التطورات السياسية، خصوصاً الصراعات التي تنشب بين دول العالم، بالبحث في تاريخ هذه الظواهر، ونسجل أحياناً باندهاش أن العداوة والأفكار النمطية بين الشعوب تظل حاضرة ومؤثرة سنوات طويلة، وأن هذه المشاعر والدوافع النفسية تبدو جامدة أحياناً وعصية على التغيير، رغم اعتبارات موضوعية تستجد أحياناً تتسم بالتفكير الرشيد تدفع إلى تبني خيارات سياسية معينة.

لكن، ذاكرة الشعوب وما توارثته من أفكار كانت تحول دون تبني هذه الأفكار الرشيدة، التي تجد دوماً الساسة والنخب الاجتماعية والإعلامية، وأحياناً الثقافية، الذين يوظفون هذه المشاعر والدوافع النفسية المستمدة من الذاكرة لصالح نفوذهم السياسي والاجتماعي.

تحول الاهتمامات والانشغالات

وما زلنا نستطيع تلمس هذا القديم في كثير من التفاعلات الجارية، لكن ثمة ظاهرة جديدة تعايش هذه القديمة، وقد تتجاوزها، أخيراً، وهي ظاهرة ذاكرة الإعلام والبشر القصيرة في كثير من المواقف خلال السنوات الأخيرة. لعلنا نذكر أننا استيقظنا ذات صباح بعد شهور على تولي دونالد ترمب الحكم، وهو يدق أجراس الحرب ضد كوريا الشمالية، التي بادلته التصعيد، وليحبس العالم أنفاسه وكأن هناك حرباً عالمية تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل على الأبواب. ومن فرط الانهماك الإعلامي والسياسي العالمي صدق الملايين عبر الكرة الأرضية أن هذا السيناريو على وشك الوقوع، رغم أن البعض، وأنا منهم، آنذاك استبعدنا تماماً هذا الخيار.

كان التوجه العام يريد أن يصدق هذا التصعيد، ثم بعد أسابيع بدأت المفاوضات بين واشنطن وبيونغ يانغ، واحتفل ترمب في مشهد هزلي بالقائد الكوري الشمالي الذي كان يتهمه بالديكتاتورية، ثم في مشهد تال فشلت هذه المفاوضات كما كان متوقعاً أيضاً، كونها كانت مؤسسة على افتراضات غير دقيقة. عموماً ليس هذا بيت القصيد، بل كيف نسي العالم والإعلام بشكل خاص هذه القضية، ولم يتوقف كثيراً عند دلالاتها السياسية؟

وليست هذه القضية هي الوحيدة، فمثلها عشرات المسائل، ومن يجري دراسة متابعة لما يشغل العالم في العقدين الأخيرين من خلال الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، سوف يلحظ بوضوح سرعة تحول الاهتمامات والانشغالات من قضية أو ملف إلى آخر، وكيف تتصرف هذه الوسائل بطريقة تثير الدهشة، ويصبح متلقي هذه الرسائل ووسائل التواصل إما في حالة لهاث خلف ما تفرضه هذه الوسائل أو اغتراب وعدم اكتراث بما يشغل هذه النخب وهؤلاء الساسة أو ارتباك وتشوش.

جمود الذاكرة السياسية

وفي الحقيقة، فإن الظاهرة الجديدة التي نتحدث عنها لا تعني الاختفاء الكامل لظاهرة جمود الذاكرة السياسية الذي تعرفه أغلب شعوب العالم كذلك، لكن الملفت للانتباه أن العالم خلال العقدين السابقين يتحول أكثر نحو الطبيعة الجديدة، ما يحتاج إلى تفسير، ربما لا يزال في مراحله المبكرة وقيد التبلور، لكن من المفيد محاولة الاقتراب من الأمر.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، ومع ثورة الاتصالات، وحالة السيولة والتغير تكتسح أغلب بقاع الأرض. ففي خلال عدة عقود لم تسقط الشيوعية فقط في هذه الدول، بل تحولت بشكل متسارع إلى النموذج الغربي، وانضم أغلبها إلى التحالف الأطلنطي، ومعظمها إلى الاتحاد الأوروبي، ولم تنهر تقاليد عدة عقود من الشيوعية فقط، بل طبيعة تقاليد بعض هذه المجتمعات، وامتد التحول إلى أغلب دول الجنوب التي كانت تطبق الأفكار الاشتراكية، وازدادت ظاهرة الهجرة الشرعية وغير الشرعية في كثير من دول العالم.

وفي العقدين السابقين وحدهما، أي بعد بداية القرن الحالي، كانت هذه التحولات أسرع وتيرة وحدّة، وخلقت ظواهر اجتماعية جديدة في أغلب دول العالم، وشعر كثير من سكان الأرض، أن ما تعلموه في طفولتهم لا يمت للواقع المعاصر بصلة، وأنه من الصعب استمرار نفس الأفكار والمفاهيم، وتشير متابعة كثير من المجتمعات إلى أن كثيرين لا يعرفون بدقة ماذا حدث، وما هو قادم.

ازدحام شديد

الزحام هنا متعدد الأوجه، ليس فقط تضخم النمو السكاني في أغلب دول العالم، باستثناء أوروبا وحدها، وحتى هذه فأغلب مدنها الرئيسة مزدحمة، بسبب حركة الزيارات الكثيفة قبل كورونا. وهناك زحام الأحداث وتلاحقها ولهاث العالم في متابعتها والتعامل معها.

وفي الواقع، فإن التضخم السكاني في الكرة الأرضية يعني في ذاته تفاعلات أكثر، فما تشهده أنماط العلاقات بين قرابة 50 دولة أسست الأمم المتحدة مقارنة بما يزيد اليوم على مئتي دولة بالضرورة هو أمر مختلف، فإذا كان سكان الأرض قد تضاعفوا تقريباً في العقود الأخيرة، فعدد الدول تضاعف عدة مرات منذ الحرب العالمية الأولى، ومع زيادة التقدم والرفاهية البشرية تنوعت التفاعلات إلى حد تصعب معه المتابعة.

منذ عقود قليلة كان السبق الصحافي والدبلوماسي أن تعرف الخبر بعد حدوث الوقائع بساعات، واليوم أدت وسائل التواصل الاجتماعي إلى تجاوز سرعة الإعلام في العالم وتدفق هائل للمعلومات الصحيحة وغير الصحيحة، وأصبحت وسائل الإعلام في حالة تنافسية جادة من التواصل الاجتماعي، وهناك ملايين من البشر حول العالم يستقون معلوماتهم بالأساس من هذه الوسائل، وحتى الذين لا يتابعون أغلب هذه الوسائط بشكل كامل مثلي يكفيهم ما يرونه في القليل الذي يتابعونه لمعرفة الحجم الهائل من التدفقات التي تسبب الشوشرة وتغرق الناس في متابعات جديدة، أياً كانت قيمة هذا المحتوى.

ظاهرة صرف الأنظار

في الحقيقة، فإن مبعث التساؤل الرئيس الذي تدور حوله هذا المقال ليس مناقشة العناصر السابقة التي نعرفها جميعاً في ميادين الإعلام والسياسة والدراسات الاجتماعية، إنما السؤال الذى يطرحه البعض، خصوصاً من غير القريبين من صناعة الأخبار والمعلومات والقرارات كذلك، وهو ما إذا كانت هناك جهات ما تحرك اهتمام الرأي العام، وتجعله حيناً يركز على مسألة ما، كوريا الشمالية مثلاً، وعندما تخفق الحكومة الأميركية في علاج الملف، فإنها تشجع مصادرها، أو حتى تتحرك سياستها نحو خلق بؤرة اهتمام أخرى تصرف الانتباه عن هذا الإخفاق وتركزه في مكان آخر أو أزمة أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي التقدير، فإن هذا الاعتبار له وزنه في هذه الظاهرة، سواء بواسطة مؤسسات سياسية أو صانعي قرار أو أجهزة مخابرات حول العالم في صناعة ظاهرة صرف الأنظار عن الأحداث، حتى لو كان ذلك باختلاق أزمات جديدة أحياناً، وكان الرئيس السابق ترمب يجيد هذا النهج في انتقاله بين الملفات، كلما أخفق أو تعثر في مكان ما يسارع باختلاق أزمة جديدة في مكان آخر. وفي لبنان على سبيل المثال يفسر كثير من الأحداث الضخمة والتطورات بهذا الشكل.

إن متابعة سجل الحراك الشعبي وقبلها التطورات السياسية اللبنانية وكيف جرى صرف الانتباه بأزمات أخرى من وقت إلى آخر هو أمر واضح للغاية، ويحدث في كثير من دول العالم، وربما في جميعها، وبدرجات مختلفة. وكلما كان المسيطرون على الأمور من نخب سياسية واقتصادية واجتماعية أقل اكتراثاً بالصالح العام زاد الميل إلى تشتيت الانتباه لدى الرأي العام الداخلي أو الخارجي، بما في ذلك إلى الحد الذي لا يكترث بخلق أزمة جديدة مكلفة في سبيل التغطية على إخفاق سابق.

وتأتي الخلفية السابقة من كثرة الزحام والتفاعلات وسرعة التحولات وتدفق وسائل الاتصالات لتصنع بدورها زخماً جديداً من التشتيت والنسيان للرأي العام وللبشر الذين أصبحوا بدورهم أقل صبراً وأكثر تشوشاً، بسبب هذه الخلفية العامة، فتضعف المحاسبة، وينسى الناس بأكثر من ذي قبل، وربما يكون سجل شعوب المنطقة العربية في نسيان كثير من التجاوزات من أطراف خارجية وإقليمية يخففه كثيراً كيف ينسى الشعب الأميركي سياسات وتصرفات أقدمت عليها حكومته، وملأت الدنيا ضجيجاً بتبريرها ثم عدلت عنها، وكأنه لا ثمن دفعته لذلك، ونماذج سياستها في أفغانستان والعراق وكوريا الشمالية خير شاهد على ذلك.

المزيد من تحلیل