Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليو كوبر رسم شابلن حلاقا يقصّ شعر هتلر

الفنان الذي رد الاعتبار إلى مهنة تصميم الأفيشات السينمائية ورافق كبار المخرجين العالميين

الرسام السينمائي الفرنسي ليو كوبر ( الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - موقع نون أو كاريير أون براي)

هناك مهنة لم يُرد لها الاعتبار كما يجب: مصمم الملصق السينمائي، المعروف أيضاً باسم الأفيش أو البوستر. الفرنسي ليو كوبر الذي رحل مطلع هذا الأسبوع عن 94 سنة في بيته الباريسي، كان أحد معلّمي هذه الصنعة. أتقنها حد أنه أضحى مرجعاً لها واسماً كبيراً فيها، فلجأ إليه عدد من السينمائيين المعروفين لإنجاز ملصقات أفلامهم. بقي نشيطاً على الرغم من بلوغه التسعينات من العمر. وقبل رحيله بفترة قصيرة، كان لا يزال يعمل على رسوم ألبوم للموسيقي فلاديمير كوزما في إعادة إصداره.

يسود اعتقاد أن جلّ ما نحتاج إليه في إعداد ملصق هو فكرة جيدة، ويكفي مثلاً أن نقلب قوانين الجاذبية ووضع الأشخاص بـ"المقلوب"، كما هو حال ملصق "نهر صوفي" لكلينت إيستوود، لجذب انتباه الجمهور. قد يكون هذا الاعتقاد صحيحاً، لكنه ليس كافياً في كل مرة. ملصق السينما لا يستطيع الاكتفاء بأن لا يجذب إلا للحظة. عليه أن يدفع المُشاهد إلى ارتياد صالة السينما في الوقت الذي لم يرغب فيه منذ لحظة دخولها. فالأمر لا يتعلّق بإيجاد حيل ما لاستقطاب الأنظار إلى الملصق، بل توجيه رسالة ما مؤلفة من سلسلة رموز، تدفع أحدهم إلى صرف ماله الخاص لحضور فيلم مدته ساعتان وهو جالس في كرسي. لبلوغ هذه الغاية التي لا يصل إليها إلا عدد ضئيل من الفنانين، ينبغي إتقان التفاصيل.

ليو كوبر (من أصل روسي) لطالما أجاد اللعب بالتفاصيل، تعلم الرسم والتصميم على يد الأفيشيست الفرنسي هيرفيه مورفان (1917 - 1980)، وعمل معه حين كان في العشرينات من عمره. هو الذي لم يستطع إكمال تعلّم الرسم أكاديمياً بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية واكتفى بدراسته بالمراسلة، وكان مورفان بمثابة معلم له. في البداية، عمل على تصميم لوحات إعلانية ضخمة كان يتم وضعها على واجهات صالات السينما في فرنسا.

ملصقات المدينة

في إحدى المقابلات، متذكراً هذه المرحلة من حياته يقول: "عندما عدت إلى باريس بعد إقامتي في قرية خلال الحرب، وشاهدت ملصقات بول كولان على جدران المدينة، أدركتُ أن الرسم هو فعلاً المهنة التي أريد مزاولتها لبقية حياتي. صديق عرّفني على هنري مورفان الذي علمني المهنة. ربما كانت لي جاهزية للتعلّم! لم نكن نصمّم سوى ملصقات أفلام. في تلك المرحلة، لم يكن هناك أفيش واحد لكلّ فيلم، بل نسخ عدة. مثلاً، كان يُرسم أفيش خاص للأرياف، لأن الموزعين كانوا يعتقدون أن أهل الريف أغبياء".

أوّل أفيش صممه كان لفيلم "أجمل خطيئة في العالم" (1951) لجان غرانجييه، ثم "زوجي رائع" (1953) لأندره أونبيل. بعدها، صمم ملصق "واحد، اثنان، ثلاثة" لبيلي وايلدر الذي أعجب المخرج كثيراً فروّج له.

الحق أن تجربته مع تشارلي شابلن تستحق أن تُروى. ففي العام 1954، كان تصميمه لملصق "الأزمنة الحديثة" (1936) الذي كلفه به الموزع الفرنسي لمواكبة عرض الفيلم في فرنسا، لفت انتباه شابلن. علماً أن اختياره لتصميمه لم يكن مصادفة، بل نتيجة مشاركته في مسابقة مع اثنان من كبار المصممين في تلك المرحلة، هنري تشيروتّي وجان مارا، وهو أصغرهم سناً. كان عليهم الجلوس في صالة السينما لمشاهدة الفيلم ثم تصميم نموذج. فأقدم كوبر على تعديل الملصقات القديمة لأفلام شابلن وتبسيطها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في العام 1972، لمناسبة إعادة عرضها في الصالات، دعاه شابلن الذي كان يشرف على كلّ شاردة وواردة، إلى تصميم ملصقات مجموعة من أفلامه القصيرة، وكلّفه أيضاً بإعادة رسم ملصقات أهم أفلامه، من "البحث عن الذهب" إلى "أضواء المدينة" و"الطفل" فـ"الديكتاتور العظيم" الذي يُعتبر ذروة اشغاله على شابلن، إذ لم يوافق على اقتراح أن يضع على الأفيش شابلن وهو يلعب بالكرة الأرضية بصفتها طابة. بل صوّره حلاقاً يقص شعر هتلر! وهكذا ارتبط اسمه باسم الكوميدي الأسطوري وأصبح الأفيشيست المفضّل لديه. وظل شابلن يلهمه لآخر حياته: ففي العام 2015، عندما قضى رفاقه وزملاؤه في مجلة "شارلي إيبدو" (كان صديقاً جداً للرسام كابو) تحت رصاص الإرهاب، خصّص لهم رسمة نُشرت في جريدة "ليببراسيون" يظهر فيها وجه شابلن وهو يعتمر قبعته الشهيرة، لكنها مدمّمة بعدما تحوّلت هدفاً للرصاص. اللافت في الصورة أن كوبر لم يستخدم أكثر من عشر ضربات قلم كي يعيد إحياء معالم وجه شابلن.

كوبر الذي عمل أيضاً كثيراً في مجال الدعايات والملصقات المسرحية، صمم ملصق "إيمانويل" لجوست جايكين الذي عُرض في العام 1974، الفيلم الذي ذاع صيته كثيراً وكانت له تتمات، وجسّد أبلغ مثال على السينما الإيروسية التي لمع نجمها في السبعينيات ومثّل تيار الانفتاح. هذا الملصق فاز بجائزة في مهرجان كان السينمائي. ويمكن القول إنه، إلى اليوم، الكثير من الأفيشات لم يصل إلى درجة الخلق والابتكار التي وصل اليها كوبر. بالقليل من التفاصيل، والكثير من الخيال، صمم ملصقاً قد يُعتبر مدرسة. مجرد تفاحة تحولت قشرتها إلى أفعى تمد لسانها. أما التفاحة نفسها فتحول الجزء المقشّر منها إلى مؤخرة، للاستدلال إلى إيمانويل. من الواضح أن كوبر نبش فكرته في حكاية آدم وحواء.

إبتكار فني

يروي كيف توصل إلى ابتكار ملصق الفيلم: "في الأوساط المهنية، كنت بدأتُ أصنَف مصمماً لأفلام كوميدية. ذات يوم، في مكتب شركة بارافرانس، أعلمني مديرها أنه سيخرج فيلم "إيمانويل" وأخبرني أنه لن يعطيني ملصقه، بل للرسام رينيه فيراتشي، فاعترضت وقلت له إنني أستطيع تصميمه. كنت رسمت تفاحة مقشرة، وكل ما فعلت هو إضافة صورة مؤخرة اقتطعتها من مجلة "لوي"، ثم الأفعى. بدا الملصق فضائحياً وترك أثراً. لم أفعل ذلك سوى للتسلية. بعدها تلقيتُ عروضاً كثيرة لأفلام خلاعية هابطة، وكان دائماً يُقال لي، افعل ما شئت، ولكن ضف عليه بعض الفسق".

في العام 1982، عرض كوبر لأول مرة نماذج أصلية لملصقات الأفلام التي صممها، بالإضافة إلى سلسلة من الرسومات الهزلية. هذا الجانب الهزلي فيه هو الذي كان قاده إلى العمل مع المخرج الفرنسي جان بيار موكي منذ العام 1987 في مجموعة أفلام أبرزها "المعجزة" حيث نرى على ملصقه غريق يخرج يده من المياه ماسكاً شمعة لا تزال مضيئة. مع موكي أطلق العنان لمخيلته في أفيشات جريئة ومجنونة. لم يكن يحب الرقابة، وكان موكي يوفّر له الحرية. اثنان كانا مهمين في مسيرته الفنية: شابلن وموكي.

في مطلع العقد الماضي، نشر كتاب "أن تكون جائعاً كالذئب: وتعابير فرنسية أخرى"، حيث كل رسمة من رسوماته تشرح تعبيراً فرنسياً شهيراً. ثم نشر تتمة لهذا الكتاب في عنوان "وضيع كالحمل وتعابير فرنسية أخرى". بين الكتابين، صدر له كتاب مخصّص للأطفال بعنوان "فرنسا ومناطقها"، حيث تم تصوير كل منطقة بروح الدعابة وبحرص على إعطاء المفاتيح الرئيسية لفهم جغرافيتها وخصوصياتها. صمم أيضاً رسومات كتاب "ماما، لمَ الكلمات؟" لمارك دولامار، والكتاب عبارة عن حوار بين ثلاثة أجيال: التلميذ نيلز (8 سنوات) والمدرّس مارك (44 سنة) ومصمم الملصقات (88 سنة).

كان يردد أن المخرج يملك 24 صورة في الثانية طوال ساعة ونصف الساعة كي يروي قصّة، في حين هو لا يملك سوى صورة واحدة لا يملك غيرها. لرسم ملصق جيد، يحتاج إلى أمرين: الخيال والتركيز. قرأتُ رأياً يقول إن بعض ملصقاته "أصبح جزءاً من الوعي الجمعي"، وهذا صحيح إلى حد بعيد. يكفي إدراج اسمه في محرك بحث "غوغل" (في خانة الصور) لنكتشف، ربما متأخرين بعض الشيء، كم ترك بصمته في هذا المجال، خصوصاً في منتصف السبعينيات التي كان يعتبرها العصر الذهبي لمهنته.

المزيد من فنون