Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مراد القادري: الشعر المغربي ما زال يحتاج إلى قراءة

رئيس "بيت الشعر" يرى أن الوسائل الافتراضية توصل الشعراء إلى جمهور أوسع وتشرع آفاق اللقاء

الشاعر المغربي مراد القادري (اندبندنت عربية)

غالباً ما يشار إلى المغرب بوصفه بلد فكر ونقد، كأنما ثمة رغبة، مباشرة أو غير مباشرة، في إبعاد المغاربة عن دائرة الإبداع الأدبي. كانت هذه النظرة قائمة منذ عقود، ويبدو أنها تخففت مع تعاقب الأجيال وتداخل المراكز مع الهوامش. وربما لمثل هذا السبب تأسس "بيت الشعر" في المغرب عام 1996، رافعاً شعار "تعزيز حضور الشعر في مختلف مناحي الحياة وترسيخ وجوده كوسيلة للتواصل الإنساني والحضاري"، كما يقول بيانه التأسيسي.

في هذا الحوار نسأل مراد القادري، الرئيس الحالي لـ"بيت الشعر"، عن حصيلة إنجازات "البيت"، وعن دوره في جعل الشعر قريباً من الناس في زمن يبدو أن الجميع تخلى فيه عن هذا الجنس الأدبي العريق. كما نتساءل عما إذا كان "البيت" وقفاً على صنف من الشعراء دون غيرهم، محاولين معرفة السبب وراء محدودية أعضاء هذه الهيئة الثقافية. ونسأله أيضاً عن حضور "البيت" وشعره في الحياة الثقافية العامة، وعما إذا كان الناس ما زالوا في حاجة إلى الشعر. كما نعرف منه كيفية تعامل "بيت الشعر" مع الانتقادات التي توجه إليه.

ينشط مراد القادري في عديد من الهيئات الثقافية الوطنية والعربية، ويحمل دكتوراه في الأدب الحديث، وأصدر أعمالاً شعرية عدة، ويترأس "بيت الشعر" منذ 2017.

أحببنا أن نبدأ الحوار مع مراد القادري من تجربته الخاصة مع كورونا، ومحنته في مقاومة هذا الفيروس الذي أدخله إلى غرفة الإنعاش لفترة طويلة. يقول مراد عن هذه المحنة "هي تجربة خاصة. فعلى مدى الأشهر الأولى لوجود الوباء، كان الأمر بالنسبة لي شأناً بعيداً، يخص الآخرين، وقد كنت أتعاطى مع الأمر من خلال ما تعلنه مصالح وزارة الصحة المغربية من أرقام ومعطيات تكشف عن عدد الإصابات وحالات الوفاة والشفاء، وما إلى ذلك. ومع مرور الوقت، بدأ الوباء يقترب، فصرنا نراه يسرق منا وجوهاً نعرفها من أصحاب ومعارف وجيران. إلى أن حان دوري، فحلت العنكبوتة في صدري. قضيت مدة طويلة في المستشفى، تصل إلى ثلاثة أسابيع، توزعت بين غرف الإنعاش وغرف العزل، كان الموت يخيم على المكان. أنين المرضى الراقدين بجواري لا ينقطع الليل كله، وعندما يخفت أو يتوقف، أعرف أن هسيس الروح ونبض القلب قد توقف هو الآخر. طيلة فترة وجودي بالمستشفى، كنت أتابع صدى هذا الوجود في وجدان الأصدقاء المثقفين والشعراء والكتاب، من داخل المغرب، وخارجه، الذين أبدوا تعاطفاً واسعاً معي، إذ لم يكفوا عن متابعة حالتي الصحية والدعاء لي بالشفاء وتجاوز المحنة وآثارها الحرجة. فشكراً لهم جميعاً".

أردنا أن نقف مع مراد القادري عند أهم إنجازات "بيت الشعر" في الفترة الأخيرة، فذكرنا بأهم الملتقيات والنداوت الفكرية والدورات الأكاديمية التي كان الشعر جوهرها، والتي صدرت أعمالها في كتب: "الشعر والتربية"، و"الشعر والسينما"، و"شعراء إعلاميون"، فضلاً عن لقاءات احتضان الفوتوغرافيا للشعر والتي حملت عنوان "في الغرفة المضيئة". بالموازاة مع ذلك واصل "البيت" إصدار مجلته الشعرية "البيت"، وتقديم جائزته الدولية "الأركانة" التي حصل عليها في الفترة الأخيرة كل من شاعر الطوارق محمدين خواد، ووديع سعادة من لبنان، وتشارلز سيميك من الولايات المتحدة الأميركية، إضافة إلى مشاركة "بيت الشعر" في المغرب في تأسيس منتدى الجوائز العربية، الذي جاء بمبادرة كريمة من جائزة الملك فيصل العالمية، حيث تم انتخاب جائزة "الأركانة" عضواً في المجلس التنفيذي للمنتدى الذي يتخذ من العاصمة الرياض مقراً له.

كورونا لم يمنع استمرار الشعر

مع ظهور وباء كورونا، ومنع التجمعات المباشرة، لجأ "بيت الشعر" إلى العالم الافتراضي كبديل يتيح له مواصلة نشاطاته. يقول مراد القادري عن هذه التجرية في حواره مع "اندبندنت عربية": "بالنسبة لنا في (بيت الشعر) في المغرب، فقد مثل العالم الافتراضي حلاً عملياً وجديداً لتدبير الواقع المر والأليم الذي فرضته جائحة كورونا على مختلف القطاعات، بما فيها القطاع الثقافي والفني، الذي وجد نفسه محروماً من التقاليد التي كرسها على مدى عقود طويلة، وفي طليعتها متعة اللقاء المباشر والحميمي بين ممتهني الفعل الثقافي ومستهلكيه".

يضيف القادري "ولأننا نؤمن أنه يمكن تحويل التهديدات إلى فرص، فقد عملنا على تحويل محنة كورونا إلى منحة، من خلال استغلال الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية ووسائط التواصل الاجتماعي، وذلك ما خول لنا برمجة، عن بعد، لقاءات ثقافية وأمسيات شعرية ونقدية كما هو الحال في البرنامج الذي افتتحنا به الموسم الثقافي والشعري الجديد، والذي اشتمل على 12 فعالية ثقافية، استضافت شعراء ونقاداً حرصوا من مواقع شعرية وثقافية وفكرية على معاندة كورونا ومواجهة اشتراطاته التي تتجه نحو الحد من اللقاء الإنساني بما هو لحظة حوار وتواصل وإبداع".

وعن نجاح "بيت الشعر" في تحويل العالم الافتراضي إلى وعاء لأنشطته الثقافية يقول القادري "يمكن القول إن هذا الخيار، على الرغم من قسوته، كان ناجحاً، لأنه أكد ضرورة استدامة الحياة الثقافية والفنية، وعدم تعطيلها أو إلغائها تحت أي ظرف من الظروف، لأن في تعطيلها إفقاراً للحياة وللوجود الإنساني".

ويبدو أن من حسنات العالم الافتراضي الانفتاح على جمهور أوسع، ثم نقص التكلفة المادية واللوجستية للأنشطة. يقول القادري في هذا الصدد: "الواقع أننا وجدنا في العالم الافتراضي مجالاً خصباً وأكثر مرونة من الأنشطة ذات الطبيعة الحضورية، والتي، للأسف، تظل حكراً على القاطنين في المدينة التي تحتضن النشاط الثقافي، بينما الأنشطة المنظمة عن بعد، لا تتطلب تحضيرات لوجستية معقدة، في حين تضمن هي حضوراً متنوعاً يزداد يوماً تلو الآخر من خلال ارتفاع نسب المشاهدة في الوسائط الرقمية".

الشعر المغربي يحتاج إلى قراء

سألنا مراد القادري عن رهانات "بيت الشعر" في المرحلة المقبلة، فأكد لنا أن هذا "البيت" جاء منذ تأسيسه قبل 25 عاماً بهدف الاستجابة لما يتطلبه الشعر المغربي من مباشرة اللقاء حول الشعر والشعراء، وتثـمـين المعرفة الشعرية، ومصاحبة المتن الشعري المغربي بالقراءة النقدية، وتنظيم حفريات حوله، وإقامة محترفات القراءة والترجمة والنشر، وتعزيز التواصل مع شعراء المغرب العربي، واستضافة شعراء من الأقطار العربية ومن خارج العالم العربي، وتجسير الصلات بين الشعر والفنون.

يضيف مراد "تلك كانت رهانات مرحلة البدايات. وقد تعززت، ضمن سيرورة الفعل والممارسة اليومية والاحتكاك بالواقع الثقافي، برهانات أخرى مست مجالات النشر وتكريم التجارب الشعرية المميزة عالمياً من خلال أحداث جائزة (الأركانة). واليوم، وبعد هذا المنجز الثقافي والشعري الذي اتسم بالتفاوت من مرحلة إلى أخرى، يمكن لنا القول إن بعض رهانات التأسيس ما زالت قائمة".

يوضح مراد فكرته بقوله "شعرنا المغربي ما زال في حاجة إلى القراءة، وهو ما يطرح مسؤوليات جسيمة على الجامعة المغربية، وخاصة على كليات الآداب التابعة لها، حيث نلحظ أن بعض طلبتها ينصرفون لإنجاز بحوث ماجستير ودكتوراه لتجارب شعرية أجنبية، في حين أن بعض التجارب الشعرية المغربية في حاجة أكثر للقراءة والكشف والإضاءة، بل إن بعضها لم تمسسه يد البحث والباحث بعد، كما هي الحاجة إلى القيام بأبحاث مرتبطة بتاريخ الشعر المغربي وحفرياته، وإنشاء أو تكوين مكتبة متخصصة تتضمن جميع الوثائق التي لها علاقة بالشعر المغربي وإنجازاته المختلفة كيفما كانت طبيعة تلك الوثائق مكتوبةً، صوتية ومرئية".

وعن الرهانات العامة التي تمس الحياة الثقافية، وتبحث للثقافة عن حضور حقيقي داخل المجتمع يقول مراد "عبرنا في بيانات وبلاغات متعاقبة عن إلحاحنا المستمر على ضرورة اعتماد سياسة ثقافية متوافق حولها، تمثل خريطة طريق للثقافة المغربية، ويوضع معها قانون إطار لتنزيلها وفق أجندة زمنية محددة، وباعتمادات مالية تؤكد أهمية الثقافة وحيويتها لمجتمعنا، وانخراط كل مؤسسات الدولة والقطاعات الوزارية والجماعات الترابية والجهوية والقطاع الخاص والمجتمع المدني في بلورة هذه السياسة الثقافية. إن مثل هذه الإرادة العامة التي توفر مناخاً مؤمناً بالثقافة، هو الذي من شأنه تجسيد رهانات (بيت الشعر) في المغرب الراهنة والقادمة، ويعطي للشعر المغربي، بمختلف تعبيراته وأطيافه، مكانةً في حياتنا، ويضمن للشعراء المغاربة كرامتهم واعتبارهم المجتمعي".

ولأن "بيت الشعر" جمعية ثقافية تراهن على التفاعل مع الجميع، فمن الطبيعي أن تواجه بالنقد، خصوصاً من طرف المعنيين بالشأن الثقافي، لذلك أردنا أن نعرف كيف يتلقى "البيت" انتقادات الوسط الثقافي له ولسياسته. يقول القادري في هذا الصدد "أولاً يجب الإشارة إلى أن تقاليد النقد الموضوعي لم تتكرس، بالقدر الكافي، في حياتنا الثقافية، فغالب ما نقرؤه ونطالعه يبتعد عن المعنى الحقيقي الذي يشير النقد إليه، أي تلك العملية التربوية التي تستهدف التنبيه إلى الأخطاء والعيوب ونقاط الضعف في الممارسة. وقد ضاعف من ذلك وجود مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح للجميع الإدلاء بالملاحظات والآراء بكل حرية. عموماً، ليست لنا، في (بيت الشعر) في المغرب، أي حساسية سلبية تجاه الانتقادات التي نتلقاها. لا نخشى النقد، ولا نتوجس منه، وذلك لإيماننا العميق بأن عملنا لن يسلم من الخطأ أو القصور. وبناءً عليه، كنا، وما زلنا، نصغي لكل الآراء التي تتعلق بمؤسستنا، ونحرص على غربلتها والاستفادة من الموضوعي منها، وترك السلبي، الذي نراه متحيزاً أو مشحوناً بنظرة سلبية أو بمواقف وأحكام مسبقة".

الحداثة شرط

سألناه في السياق ذاته إن كان يحس بأن "بيت الشعر" فعلاً ملك لجميع الشعراء المغاربة، واستغربنا من كون "البيت" لا يوسع دائرة الانخراط لتشمل عدداً أكبر. فكان رده على النحو التالي: "بخصوص استفادة الشعراء المغاربة من (بيت الشعر)، يمكنني أن أجزم لك بأنه ملك لجميع المشتغلين بالمعرفة الشعرية من شعراء ونقاد وباحثين ومترجمين. ويمكن لك أن تتأكد من ذلك بالعودة إلى برامج وأنشطة (بيت الشعر)، وكذلك النظر فيمن ينشر في مجلته (البيت)، أو يستفيد من حق الطبع ضمن منشوراته، وستكتشف أن ثلثي هؤلاء ليسوا أعضاء في (البيت)، ولا تربطهم به أي علاقة نظامية أو انخراط. أما المسألة الثانية، والتي تهم توسيع دائرة الانخراط، أود أن أشير إلى أن (بيت الشعر) تأسس وفق نظام (الأكاديمية)، وهو بهذا المعنى ليس منظمة جماهيرية مفتوحة، يتقدم من له ديوان شعري أو كتاب نقدي بطلب العضوية ليحصل عليها. الأمر مختلف داخل بيت الشعر، الذي تظل هيئته التنفيذية هي المؤهلة لاقتراح من تراه جديراً بالعضوية، وذلك وفق عدد يحدده المؤتمر العام الذي ينعقد على رأس كل أربع سنوات. لقد انطلق (بيت الشعر)، في بداياته بـ66 عضواً، ثم ارتفع هذا العدد خلال السنوات الأخيرة، إلى 77 عضواً، ثم 99 عضواً، وذلك بهدف الاستجابة للدينامية التي يعرفها المجال الشعري في المغرب وتزايد المشتغلين بالشعر، سواء أكانوا شعراء أو نقاداً أو فنانين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أخيراً، سألنا رئيس "بيت الشعر" بالمغرب، إن كان الشعر لا يزال الشعر مطلوباً في الحياة الراهنة. فبدا جوابه حاسماً: "الحاجة إلى الشعر لن تخفت يوماً، بل ستزداد وتتقوى، خاصة في اللحظات التي تتكشف فيها هشاشة الإنسان وضعفه، كما هو الحال اليوم، حيث رقابنا يهددها فيروس صغير، وحيث الغياب والنسيان يتجاوران من أجل طمس الوجود البشري والرمي به في مهاوي السراب. الشعر نشيد البشرية به تغلب الإنسان على الجوائح والمصائب والكوارث، لائذاً منها، عبره، إلى الخيال والحلم. لذلك، فالشعر مطلوب ومرغوب فيه على الدوام، به نعيد خلق وجودنا الفردي والجماعي، ونتصدى من خلاله للنسيان الذي يتهددنا. بهذا المعنى، سيظل الشعر مطالباً، من جهة، بمواجهة دائمة ودؤوبة لكل ما يعمل على نسيان الوجود، وعلى التصدي، من جهة أخرى، لما يتم باسم الفكر والشعر، وإن لم يكن ينتسب إليهما".

المزيد من ثقافة