Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرسام سبهان آدم: أتألم كلما شاهدت كائناتي المشوهة

استشرف العنف ووباء كورونا في لوحاته ويرى أن الكوابيس تحتل الواقع اليومي

الرسام السوري سبهان آدم (اندبندنت عربية)

لم تقطع سنوات الحرب الطويلة عمل سبهان آدم (الحسكة- 1972) على كائناته الغرائبية التي لا يزال يبتدعها في مرسمه الصغير في شارع العابد في دمشق. في هذا المرسم تابع الرسام السوري الذي اخترع ما يشبه تياراً للتشويه في الحركة التشكيلية، اشتغاله المضني على لوحته الصادمة، مستعيناً بعناده ودأبه للوصول إلى إنتاج كثيف. وهو لا يزال في مقدمة الفنانين الأكثر رواجاً وطلباً لأعماله التي وجدت طريقها إلى صالات ومتاحف في جنيف وباريس ونيويورك ودبي. وهو يصر على إعادة دورة حياة مخلوقاته العجائبية، منتقماً لصفاء جذورها البيولوجية الأولى، نحو إبداع يشبه حيوانية خلاقة، عبر سلالة لا تنتهي من مسوخٍ بشرية استمد الرسّام الإشكالي مشروعيتها من مناظر الحرب ومعجمها المرعب.

ثمة من يقول في سوريا أن آدم كرّس تياراً للتشويه في المحترف السوري، فكيف يرد على ذلك؟: "أجل أقبل هذا التوصيف، فتجاربي مختلفة عن سواها. فلقد بدأت مساري خطوةً خطوة، حتى تم إنجاز هذا البناء الذي يمكن أن نطلق عليه عمارة سبهان آدم. فمنذ ولادتي كرسّام لم أفصل بيني وبين عالم اللوحة، فأعمالي لم تأتِ قوية أو مكتملة منذ البداية. ففي كل سنة كانت تتم الإضافة إليها، والدليل أن معظم الرسامين غيروا أسلوبهم المتعارف عليه منذ سنوات إلى الآن، وذلك برأيي بفعل خضوعهم للموضة والرائج. أما أنا فلم أغير أسلوبي الذي أعتبره توقيعي الشخصي، أو قل حمضي النووي. أجل لقد بدأتُ بتيار التشويه والآخرون كانوا أتباعي في تقليده، وبعض الأحيان كانوا مجرد مريدين، بخاصة من الجيل الذي رافقني أو من يكبروني عمراً".

استشراف المستقبل

نلاحظ في لوحاته استشرافاً للمستقبل العربي والعالمي، وبخاصة ما يتعلق بتلك التي تصوّر فيها رؤوساً مقطوعة استشرافاً لظاهرة الإرهاب، أو تلك اللوحات التي تجسد كائنات ترتدي كِمامات توقعت رواج قناع الوجه اليوم في زمن كورونا. لكن عندما تسبق اللوحة ظرفاً تاريخياً معيناً؛ هل تستطيع العيش والاستمرار أم أنها تفقد شرعيتها؟ يجيب: "السياسي بوجه عام لا يتلمس الواقع بتفاصيله، دائماً عين المبدع مختلفة. منذ البداية كان لدي هذا الهوس بمراقبة حركة التاريخ والتلصص على حركية الكائن البشري، خصوصاً من نافذة المقهى الذي أقبع خلف زجاجه، مراقباً المصائر الكابوسية التي يحياها الكائن العربي. وهذا بالنسبة لأعمالي هو تحصيل حاصل". ويضيف سبهان: "أمامنا الكثير من تكتلات التخلف والتعصب والتطرف، وهذا ما يشكل خلطة من الصعب دائماً تفسيرها على المستوى السوسيولوجي، لكن الرسم قادر على أن يضعها في إطارها الصحيح ويجب عليه ذلك، بعيداً من أي رتوش أو تزيين، الرسم الحر الصافي من الأحكام المسبقة والتأويلات الإضافية. اللوحة مكشوفة للجميع، لكن الفارق أن الرسم لا يتكلم، أما السياسة فتُرغي وتُزبد دائماً من دون أن تقول لنا شيئاً".

بصرياً تبدو لوحة هذا الفنان السوري صادمة، فهي تعالج الواقع بتجريده من زينته، وبهجته وقضاياه الاجتماعية. كأنه يواظب على المكوث في المقهى، ومراقبة الحرب من وراء زجاجه، فما الذي تغير اليوم في نظرته لحركة الواقع من حوله؟ يجيب سبهان: "ما تغير أن هناك حصاراً مضروباً حول المزاج الذي كنت أستطيع أن أتجول فيه كحصان جامح في أماكن متعددة. الآن حوصرنا بالزمان والمكان وغباء الآخرين وحماقاتهم، سواءً على المستوى المحلي، أو حتى على مستوى سخافة العالم البعيد. هناك منظومة مشتركة سياسية وثقافية واجتماعية تستثمر في محاربة مخيلتكَ، تتكتل لتثبيط جهودكَ، تماماً كما حدث مع الفنانين في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية. بالمقابل هذا الحصار يحرّضكَ اليوم على العمل والإبداع، وعلى معاشرة الألم، وعلى تربية حساسيتكَ تجاه الآخر".

كلفة الحصار

تبقى الجوانب السلبية لهذا الحصار، كما يقول: "إننا ندفع يومياً كلفةً باهظةً لبقائنا هنا. ثم أنه بات من الصعب في المشهد التشكيلي السوري أن يستطيع الآخر الذي غادر المكان تجسيده في رسوماته. فالحرب لدى الكثيرين ممن غادروا، هي مجرد عزف على الأجندة. فالمُغادر لم يعش الألم، لم يعش تفاصيل الحرب التي عشناها، وما زالت سوريا بالنسبة له هي تلك التي تركها عام 2011. كأنّ ليس لديه علم أن جيلاً كاملاً لو تكلمتَ له اليوم عن سوريا ما قبل الحرب فلن يصدق، لن يصدق أنه كان هناك شبكة سكك حديدية تصل بين شمال البلاد وجنوبها، ولن يصدق الأمان الذي كان موجوداً. لن يصدّق أننا كنا نبيع لوحات قبل أن ننجزها! لقد كان هذا زمناً رائعاً ومضى"!

ولكن كيف يقيّم سبهان ما يقدم في المشهد التشكيلي السوري اليوم؟ يقول: "المشهد التشكيلي لا يختلف عن مشهد تجارة المخدرات والمافيا، وطبقة السياسيين في العالم، التشكيل السوري أصبح للأسف تابعاً ذليلاً لأكاذيب سخيفة، على أكثر من مستوى. إننا نفتقد لفنانين أُصلاء، ثم هناك حرب هوجاء تقودها دولة وسائل التواصل الاجتماعي، وهي دولة تنضح بالسخافات والتفاهات. فأنت لستَ أمام دولة مثل الصين أو أميركا أو روسيا، أنتَ أمام دول اسمها الإنستغرام والفيسبوك والتويتر. صحيح أن هذه الوسائل تساعد أحياناً على التسويق، لكنها تُقدم دائماً مائدة مسمومة، والغريب في الأمر أن الجميع يرغب في الأكل والتذوق".

في هذا الخضم هل يظن آدم أن الفن السوري فقد شخصيته؟ يجيب: "حتى الفن العربي فقد هويته وشخصيته، ولا بصمة له، هناك تجار يلعبون مع المزادات، مع غاليريهات (صالات) ليست لها علاقة بالعملية الفنية، بل تخضع لمزاج أشخاص بعينهم. هناك لوبي من التجار يساعدون بعضهم بعضاً، والفنان الذي يلجأ إلى هؤلاء فهو يكون حتماً ضعيف الموهبة. الفنان القوي هو من يكون وحيداً وبعيداً من هذه الطغمة من السماسرة. برأيي الإبداع دائماً هو عمل فردي، عمل يراهن على المنجز الشخصي. عن نفسي أقول أنني لا أراهن إلا على اللوحة من دون إحاطة من إعلام أو سواه، اللوحة هي التي تدافع عن نفسها، وتكتسب وجودها من قوتها الذاتية، لا من دعاية كاذبة".

ثمن الحرب

مرت الحرب على الرسام السوري في أقسى حالاتها، فمنذ عام 2011 هجر مرسمه الأساسي في مدينة الحسكة، وجاء إلى مرسمٍ صغير في "شارع العابد" الدمشقي لا يتسع لفضائه، فالحرب يقول: "جعلتنا نفقد مستقبلاً ومصيراً كاملاً دفعنا ثمنه باهظاً. أصارحكَ، في اليوم الواحد نلفظ آلاف الكلمات النابية على ما أصبحنا عليه، لكن المشكلة لا نعرف لمن نوجه هذه الكلمات القاسية؟ هل للذات، أم للآخر، أم لما حصل؟ المصيبة أن مسلسل الرعب مستمر، البعض توقع أنه سينتهي ضمن فترة محدودة، لكنه لا يزال مفتوحاً على كل الخيارات. هل معقول أن يغادر الإنسان الحياة وما زالت هذه السخافات مستمرة؟".

يعتقد آدم أن النظرة إلى الآخر خرجت من الانتماء المحلي على صعيد صياغة العمل الفني، وذهبت به إلى صالات أو متاحف الغرب، فكيف يرى اليوم إلى اللوحة التي أنتجها فنانون استلهموا تجربته؟ يضحك ويقول: "أولاً دعني أوضح أنه عندما أعمل على لوحتي لا أفكر بمن حولي أو جواري، بل أفكر بهذا الصيني الذي يعيش في بكين، أو الألماني المقيم في برلين... الآخر متورط معي في الزمان والمكان، ولا أفكر أن هناك جدلاً بيني وبين من قلّد أسلوبي. لوحتي هي لوحة مستقبلية، والغريب أنها أصبحت حاضراً نعيشه، صار لها وجودها وأناسها ومجتمعها، بل ومن يدافع عنها، إنها موجودة معهم في مخيلتهم. لقد أصبح هذا الأمر واضحاً للجميع، لكن السبق كان لي، فنحن من دفعنا الكلفة الباهظة. الآخرون عبروا على منجزاتنا، اقتربوا من هذا الأثير. معظمهم كان نُسخاً من هذه التجربة، أو على الأقل استفادوا منها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نظرته إلى الكائنات التي يرسمها هي نفسها لم تتغير، كما يخبرنا آدم ويوضح: "إن كائناتي لا تُرى من حيث أنا، بل من حيث الآخر، فالكائنات التي أرسمها ربما تسبب للآخر المتعة، أما أنا فأتألم كلما شاهدتُها. كائناتي في الرسم ولدتْ واستغرقت سنوات طويلة حتى اكتملت، هي اليوم أشبه بالتركيب الضوئي. كائنات كانت مقطّعة الأوصال، ومشوّهة خُلقياً، وهذا التشويه هو ما أعتبره أقرب إلى الجمال الأفلاطوني، الجمال الذي تمت إعادة تركيب اللحم والعظم له، وإنشاء كائن خاص له احتياجاته الخاصة. عندما أرسم لا أفكر بالآخر كيف يرى. كل ما أعرفه أنني اخترعت كائناً جديداً له عيون متعددة، وشعر مسبل أو مجعّد، له شارب القبضاي، هذا الكائن أعيد بناءه من جديد في كل مرة أجلس فيها إلى الرسم، سواء في شَعره، أو عَظمِ جمجمته أو لحمه، أو حتى شكل رأسه. باختصار هو كتلة متورّمة".

المزيد من ثقافة