Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تكون الطاقة الشمسية جسرا إلى مستقبل مشرق؟

88 دقيقة، تولّد الشمس ما يكفي من الطاقة لإدارة حياتنا عاماً كاملاً. فلمَ لا نستخدمها أكثر؟ يسأل ستيفن كاتس.

من بين مميزات الطاقة الشمسية، الانخفاض الكبير لتكلفتها وسهولة إنتاج واستخدام الألواح الشمسية (غيتي)

ثمة رواية من تأليف البريطاني العظيم وصاحب البصيرة الثاقبة، الراحل آرثر سي كلارك بعنوان "المدينة والنجوم" (The City and the Stars). وفي سياق السرد الممتع لهذه الرواية، يتوقف كلارك لدراسة طبيعة آلة مثالية ويصل إلى الإستنتاج التالي: لا يجوز أن تحتوي أي أداة على قطع متحركة.

ستون عاماً مضت ولا يزال استنتاج كلارك وجيهاً وساري المفعول. فالقطع المتحركة هي لعنة المثالية، كونها تحدث غباراً وتتلف مع مرور الزمن وتتسبب بالفقدان التدريجي للدقة. وبحكم طبيعتها هذه، لا يمكن لآلة أو أداة تعتمد عليها إلا أن تخذلك مرة بعد أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من نافلة القول إن السيارة الكهربائية هي نوع من الاختراعات التي كان كلارك سيوافق عليها تماماً. ففي حين يتكوّن المحرك التقليدي العامل بالوقود من مئات القطع المتحركة، يكتفي المحرك الكهربائي الحديث بأقل من 10 قطع. وفي الوقت الراهن، كثيرون في أنحاء مختلفة من البلاد يكسبون رزقهم من تغيير مواسير العادم للسيارات. لكن في أقل من عشر سنوات، ستمسي كل السيارات الجديدة من دون عوادم ومع عدد قليل جداً من القطع المتحركة.

وحتى مع مراعاة المكاسب المتصوّرة للسيارات الكهربائية من حيث الكفاءة، سوف نحتاج إلى كمية هائلة من الطاقة لتحريك أسطول من السيارات. ويعتقد بعض الخبراء أنه بإمكاننا استمداد الغيغاواطات التي تنقصنا من الإشعاع الشمسي.

فكل 88 دقيقة، تمد الشمس كوكب الأرض بما يكفي من الطاقة لتأمين حاجيات البشرية مدة عام. ولو استطعنا تطويع جزء ضئيل من هذه الطاقة، لقضينا على كل مشاكل الطاقة لدينا إلى غير رجعة. والأفضل من ذلك أن الألواح الشمسية بتقنية الخلايا الكهروضوئية الحديثة باتت قاب قوسين أو أدنى من ترجمة الأفكار المثالية التي نادى بها آرثر سي كلارك، مع إمكانية توليدها الطاقة مباشرة من أشعة الشمس ومن دون تلوث. عندما كنت طالباً، رأيت في هذه الألواح بادرة رمزية للحركة البيئية، لا مصدراً رئيسياً للطاقة الكهربائية. ولكنني كنت مخطئاً. فطاقة الرياح توفر أكثر من 30 في المئة من كهرباء المملكة المتحدة اليوم، تليها الطاقة الشمسية التي تتخلف عنها بنسبة 4 في المئة فقط، مع العلم أن معدل نمو الطاقة الشمسية أسرع من غالبية أشكال الطاقة الأخرى.

ومنذ مدة ليست ببعيدة، لم يكن بمقدور أحد تحمل كلفة تركيب ألواح شمسية على سطح منزله ما لم يكن يحظى بدعم من الحكومة. لكن منذ بضع سنوات، بدأت الحكومات الغربية في خفض الإعانات المالية التي تخصصها للطاقة الشمسية، الأمر الذي أثار غضب الحركة الخضراء. لكن هذه الخطوة كانت محورية نوعاً ما في تاريخ الطاقة الشمسية، حيث دفعت بالشركات المصنعة إلى تقليل سعر الألواح الكهروضوئية بشكل كبير، لدرجة انتفت معها حاجتها إلى حوافز نقدية لبيعها.

وقد أبصر جهاز الخلايا الشمسية النور في خمسينيات القرن الماضي وكانت كفاءته آنذاك عند نحو 5 في المئة. وبحلول السبيعينات وعلى الرغم من الارتفاع الميؤوس منه في أسعار الألواح التي تتكون منها هذه الخلايا، تحسنت كفاءتها وباتت مصدر 10 في المئة تقريباً من الطاقة الكهربائية. ومنذ 10 سنوات، ركزت الشركات المصنعة للألواح الشمسية اهتمامها على أوروبا واليابان؛ ولكن الزمن يتغير ومع ما حدث في الصين من نهضة اقتصادية، انخفضت أسعار الألواح بمعدل اسثتنائي أفقد الطاقة الشمسية بريقها وحولها من تكنولوجيا مدهشة إلى تكنولوجيا عادية.

وهذا لا يعني أبداً أن اللعبة قد انتهت بالنسبة إلى القطاع الكهروضوئي في أوروبا، مع سعي عدد من شركاته الناشئة والمتخصصة في التكنولوجيا المتطورة وراء الطاقة الشمسية هنا في المملكة المتحدة. ونذكر من بين هذه الشركات، "أكسفورد بي في" (Oxford PV) المتفرعة من "جامعة أكسفورد" والموشكة على تصنيع منتج ابتكاري جديد يمكن أن يدفع بها قدماً. ويظهر أن هذا المنتج سيكون أغلى ثمناً من الألواح العادية، لكن على القدر نفسه من الكفاءة والفعالية.

كريس كايس، كبير موظفي التكنولوجيا لدى "أكسفورد بي في"، هو أحد أشد المؤمنين بالإمكانات التي تتيحها الطاقة الشمسية: "الطاقة الشمسية ناضجة بما فيه الكفاية، أي أنها لا تتطلب إعانات؛ وكل ما تحتاجه فعلاً هو إزالة العراقيل القائمة أمام التركيب، إذ يمكن للتكاليف غير المباشرة لهذه العملية أن تتجاوز ثمن الألواح بمرتين أو ثلاث مرات".

وقد علمنا أن "أكسفورد بي في" تضيف مادة البيروفسكيت إلى ألواحها لاعتقادها أنها ستزيد من كفاءة الخلايا الشمسية المستخدمة في هذه الألواح. ومع مرور الوقت، يرى كايس أن استخدام هذه الألواح سيتعمم على كل البلدان وإن كنت مستعداً لتصديق توقعات الرجل للقطاع ككل، فهذا زعم منطقي جداً!

"الطاقة الشمسية الكهروضوئية أرخص حالياً من طاقة الرياح. ولكنها لم تكن كذلك قبل عشر سنوات. وبحلول 2030، يتوقع إنتاج 30 في المئة من الاحتياج العالمي للكهرباء من الشمس، على أن تتخطى هذه النسبة الـ50 في المئة بحلول 2050".

أتذكر أنني قرأت عن الاحتباس الحراري في طفولتي وأتذكر اعتقادي حينها أنه أمر لا مفر منه وأن أحداً لن يحرك ساكناً لمنع حدوثه. ولكن هذا ليس ما يحصل حقاً؛ ولو تمكن مصدر جديد نسبياً، كالطاقة الشمسية، من تأمين نصف احتياجاتنا من الكهرباء، فسيكون ذلك مدهشاً بكل ما للكلمة من معنى.

ومن المتوقع لمردود التكنولوجيا الحالية أن يظهر في غضون سبع سنوات، لكن يمكن لهذا الرقم أن ينخفض إلى خمس سنوات مع الجيل التالي من الألواح الشمسية. وبالنسبة إلى الجوانب الاقتصادية للنظام الكهروضوئي، فهي أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى. لنفترض أنك ترغب في تركيب ألواح شمسية على سطح منزلك. من الناحية العملية، لا يتعدى سعر الخلية الشمسية الواحدة الـ12 في المئة من إجمالي التكلفة التي يحاول مصنعو الخلايا باستمرار خفضها، لكن الفوائد تبقى محدودة، على حد تعبير كايس. "وإذا خفضت تكلفة الخلية الواحدة بنسبة 20 في المئة، فإن التكلفة النهائية للتركيب لن تنخفض بأكثر من 2.4 في المئة، في حين أنه يمكن لتحسين كفاءة كل خلية بنسبة 20 في المئة أن يزيد إنتاجها بنسبة 20 في المئة ويقلص التكاليف على أساس كل واط بأكثر من 17 في المئة".

ومن شأن خلية شمسية معززة بالبيروفسكيت أن تلتقط الطاقة في الجزء الأزرق من الطيف الكهرومغناطيسي الذي تعجز ألواح السيليكون الحالية عن امتصاصه. وبفضل هذه القدرة الإضافية على الامتصاص، تتعزز نسبة الطاقة الشمسية التي يجوز تحويلها إلى طاقة كهربائية. وصحيح أن خلايا "أكسفورد بي في" ستكون أغلى ثمناً من منافساتها (مع التوقعات بأن تباع في المرحلة الأولى بضعف تكلفتها)، لكن بعض ما تتميز به من وظائف قد يرفع أداءها ويغلبها على مثيلاتها في العالم.

ولو أردتَ تثبيت ألواح شمسية على سطح منزلك، فسيكلفك ذلك الكثير ولكنه سيوفر عليك الكثير أيضاً. فمع مرور الوقت، ستنخفض فاتوة الكهرباء الخاصة بك؛ وفي بعض البلدان، قد تسمح لك الدولة ببيع ما فاض عنك من طاقة للشبكة الوطنية.

وفي بلدان أخرى، قد تصل الأمور إلى أبعد من ذلك بكثير، كما حدث في كاليفورنيا التي سنّت قانوناً يقضي بتزويد كل المنازل والمباني السكنية الجديدة بألواح شمسية اعتباراً من 2020. وإن كنت تقرأ هذا كناشط بيئي، فقد يتهيأ لك أنه أمر إيجابي تماماً، والحقيقة أن به جانباً سلبياً كغيره من القوانين. ويتمثل هذا الجانب السلبي في كونه يكلف أموالاً طائلة، الأمر الذي قد ينعكس على أسعار المنازل الجديدة ويرفعها بحوالى 10 آلاف دولار أميركي. وفي مجتمع يعاني بالفعل من أزمة سكنية متنامية، قد لا تكون الفواتير الإضافية المرتبطة بالطاقة الشمسية دائماً موضع ترحيب.

وفي هذا الخصوص، يذكّرني كايس بوجود مشاكل أخرى مرتبطة بأنظمة الطاقة الشمسية للمنازل، بعضها مستقل تماماً عن التكنولوجيا الفعلية: "العائق الحقيقي أمام استخدام الطاقة الشمسية هو التكاليف غير المباشرة التي يمكن أن تبلغ ضعف تكلفة الألواح الفعلية".

وفي الواقع، يمكن للتكاليف أن تتفاوت بين بلد وآخر. ويظن كايس أن تكلفة تركيب الألواح الكهروضوئية في الولايات المتحدة هي الأعلى في العالم. كيف لا وهي تتطلب عدداً كبيراً من التراخيص والتصاريح المعقدة التي قد يستغرق الحصول عليها وقتاً طويلاً؛ وكل هذه أشياء تحبط من عزيمة الناس وتبعدهم عن فكرة تركيب ألواح شمسية جديدة. "تتراوح كلفة التصريح في الولايات المتحدة بين دولارين و3 دولارات للواط الواحد في حين تزيد تكلفة اللوح عن الدولار الواحد لكل واط". ولا شك في أن إجراء تخفيض آخر على تكلفة صناعة الألواح سيكون مفيداً لزيادة الإقبال على تكنولوجيا الطاقة الشمسية، لكن تعديل القوانين والتشريعات ذات الصلة قد يكون أكثر فائدة.

هذا وقد ينفر البعض من الألواح الشمسية لافتقارها إلى العناصر الجمالية. فقد لا يرتاح الكل لوجوده في منزل يشبه دعامة في فيلم خيالي علمي. وقد بات من الممكن الآن تجميل الألواح الكهروضوئية لتظهر بمظهر القرميد العادي، ولكن هذا الخيار مكلف جداً.

ومن بين الأشخاص الأوائل الذين فهموا واستوعبوا التأثير الكهروضوئي هو المهندس الأميركي ويليام شوكلي الذي ولد في لندن عام 1910 وتولى إدارة "مختبرات بيل" في نيو جيرسي فأكسبته جائزة نوبل للسلام. وبالنظر إلى أعمال شوكلي المبكرة على الألواح الكهروضوئية، يتضح أن هناك حداً أعلى لكفاءة أي جهاز حالة صلب أو ما يعرف بـ"حد شوكلي-كيسير".

بالمختصر المفيد، من الصعب جداً الحصول على كفاءة تزيد على 33 في المئة من الخلايا الشمسية ومعظم الخلايا القائمة على السيليكون تعمل بكفاءة 20 في المئة تقريباً. لكن مجموعة "أكسفورد بي في" تؤمن بشدة أن ألواحها ستتمتع بكفاءة تتجاوز الـ35 في المئة، ومرد ذلك جزئياً إلى استخدامها مادة البيروفسكيت في تركيبتها. وفي الوقت الذي تجري شركات عدة حول العالم أبحاثاً معمقة حول البيروفسكيت، تعتبر "أكسفورد بي في" نفسها واحدة من الشركات الرائدة في ميدان صناعة الألواح الشمسية، مع حوالى 300 براءة اختراع، أي ثلث البراءات حول العالم.

منذ بضع سنوات، كانت أوروبا واليابان تسيطران على الإنتاج. لكن في الآونة الأخيرة، اتجه ثقل هذا الإنتاج إلى الصين وبلدان أخرى كماليزيا وفيتنام. وقد ترافق هذا الأمر مع تقلص تكلفة الوحدة الواحدة من الألواح الشمسية بنسبة 80 في المئة. ولكن ثمة جانب سلبي لصناعة الأجهزة الكهروضوئية في بلدان بعيدة منخفضة التكاليف، ثم شحنها إلى أوروبا، وهو أن 20 في المئة من ثاني أكسيد الكربون المنبعث من الألواح الكهروضوئية في الشرق الأقصى ناتج من عملية نقلها إلى أوروبا.

وتأمل "أكسفورد بي في" في أن تبدأ إنتاج كميات كبيرة من الألواح الشمسية هذا العام في مصنعها الأول في برلين. ونظراً إلى ندرة الشركات الناشئة الناجحة في بريطانيا، يمكن القول إن عدم اعتزام المجموعة التصنيع في المملكة المتحدة هو مصدر إحباط شخصي.

ومن وجهة نظر فرانك أفردانغ، المدير التنفيذي لـ"أكسفورد بي في"، الأكثر واقعية، "بحثنا كثيراً عن موقع ملائم. وكانت الوكالات الألمانية للتنمية الإقليمية خير عون لنا، وبفضلها تمكنا من العثور على معمل خارج برلين يمتلك خبرة سابقة في إنتاج الألواح الشمسية".

فمنذ سنوات والألمان يتربعون على عرش أوروبا في مجال صناعة الألواح الشمسية، ولهذا كانت لهم الأولوية في اقتناص الاستثمار الجديد، مع العلم أن قدرة المصنع في برلين متواضعة نسبياً ولإنتاج كميات كبيرة من الألواح، الأرجح أن نضطر لبناء معامل جديدة في أماكن أخرى.

وقد سبق لشركة "هيونداي"(Hyundai)  الكورية الجنوبية لصناعة السيارات أن عزّزت واحدة من سياراتها الهجينة بسقف يعمل بالطاقة الشمسية. والمعلوم عن مساحة اللوح الكهروضوئي المولّد لهذه الطاقة أنها واحدة من العناصر المحددة لمقدار الطاقة التي قد تتأتى عنه؛ وإن كان على مساحة المقطع المستعرض لسقف سيارة عادية، فهو ليس بالكثير. وفي الظروف الراهنة، أرى أن السير في هذا الاتجاه لن يؤتي نفعاً، لكن ثمة مجموعات أخرى تتطلع إلى تغطية كامل الجسم الخارجي للسيارة أو معظمه بألواح كهروضوئية وسيكون من الأفضل لو استخدمت لهذه الغاية ألواحاً بمعدل تحويل أعلى. فحتى في ضوء الشمس الساطع، لا يمكن للطاقة المتولّدة من خلية شمسية أن تزود سيارة كهربائية بما يكفي لتسييرها، لكن يمكنها أن تؤدي دوراً في إعادة شحن بطارياتها أثناء ركنها ساعات في الهواء الطلق.

وبالنسبة إلى أي مهندس بارد الأعصاب، لا تزال هناك مشاكل مرتبطة بالطاقة الشمسية، لكن العمل جار على قدم وساق للتغلب على عدد منها. والمثير للاهتمام بشأن أنظمة الطاقة الشمسية – لو قارناها بمصادر أخرى لتوليد الكهرباء – هو الانخفاض الصاروخي لتكلفتها والبناء السريع لمنشآت ضخمة لإنتاجها، وفي مقدمتها المنشآت التي بنيت في أنحاء الاتحاد الأوروبي لتوليد نحو 130 غيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول أواخر 2019، والتي لا تزال تشهد نمواً سريعاً في القدرات. للتوضيح، ينتج المفاعل النووي "سيلافيلد بي" (Sellafield B) نحو 1.8 غيغاواط من الطاقة. ومنذ سنوات قليلة، لم تكن الطاقة الشمسية منتجاً تنافسياً إلا في حالة ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي. وكان يكفي أن تسجل هذه الأخيرة انخفاضاً بسيطاً حتى تعود الأمور إلى مجاريها وتدخل الحركة البيئية في حالة إحباط. وفي الوقت الحاضر، يقف قطاع الطاقة الشمسية على قدميه ويتقدم بخطى أسرع مما كان متوقعاً.

© The Independent

المزيد من اقتصاد