Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ألتراس" تونس من مدرجات الملاعب إلى ساحات الاحتجاج

يصل غضبهم أحيانا للتصادم مع قوات الأمن في البلاد

مواجهات بين الألتراس والأمن في تونس  (أ ف ب)

لإيصال صوت شباب تونس بعد الاحتجاجات الأخيرة التي اجتاحت البلاد، لم يجد النائب ياسين العياري أفضل من أغنية "ألتراس" أحد الأندية التونسية ليوضح الأمر؛ فتح شاشة هاتفه ووضعه أمام مكبر الصوت بمجلس نواب الشعب ليُسمع زملاءه قبل أن يتوجه لهم قائلاً، "هل تريدون معرفة ماذا يريد الشباب المحتج؟ اسمعوا هذا". وتعالت أهازيج بعبارات قوية مرددة، "سرقة وغُورة وهم يحبوا الحصانة، في كل دُورة الحاكم رشوة وجعالة، شحال من حُومة عايشة تهميش وبطالة، ناس مقهورة صارت زطلة وسكارى".

هذا مقطع من أغنية حققت مشاهدات قياسية على "يوتيوب"، وجه خلالها ألتراس "الوينرز للنادي الأفريقي"، رسالة قوية تظهر مدى غضب الشباب على تفاقم ظاهرة البطالة وسياسات التهميش من طرف الدولة، منتقدين نواب الشعب الباحثين عن الحصانة من أجل الإثراء والتستر على جرائمهم، متهمين في الوقت ذاته القوات الأمنية بالفساد.

وقوبلت احتجاجات تونس الأخيرة بقمع غير معتاد من رجال الأمن، أدى إلى وفاة شاب متأثراً بعبوة غاز مسيل للدموع جنوب البلاد، الأمر الذي جعل بعض الحقوقيين يحذرون من عودة الدولة "البوليسية. "اندبندنت عربية" من جانبها حاولت التواصل مع مسؤولي وزارة الداخلية المعنيين بالشأن لمعرفة تفاصيل التعاطي الأمني في الاحتجاج والرد على اتهامات جمهور "الألترس"، لكن الناطق الرسمي بعد أن حدد لنا موعداً، لم يرد على اتصالاتنا.

معركة من أجل الحرية

"الألتراس"، بحسب تعريف موسوعة ويكيبيديا، هي كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق أو الزائد عن الحدّ، وهم مجموعات من مشجعي الفرق الرياضية ويعرف أعضاء "الألتراس" بانتمائهم وولائهم الشديد لفرقهم وتشجيعهم بالأغاني التي عادة ما  تنقسم إلى أهازيج للتشجيع وأخرى لإيصال رسائل إلى السلطة.

ولمعرفة ارتباط هؤلاء الشباب بهذه المجموعات توجهنا إلى أحد أعضائها الذي يقطن بمنطقة الجبل الأحمر الشعبية بالعاصمة تونس، معاذ، الذي يبلغ من العمر 22 سنة، فقال باقتضاب شديد، "لا أشعر بوجودي خارج نشاطات ألتراس للترجي الرياضي التونسي"، مضيفاً، "الألتراس هو الشيء الوحيد الذي يربطني بتونس".

مواصلاً، "الدولة ضيقت على حريتنا منعت عنا الملاعب، ولم توفر لنا مواطن شغل، حتى أنها منعتنا من الهجرة". ويصل  تعصّب "الألتراس" أحياناً إلى التصادم مع قوات الأمن، ويعتبر الأمر بالنسبة إليهم بمثابة معركة من أجل الحرية والعدالة.

هذه الأغاني التي تنادي بالحرية، وتنتقد السلطة لم تقترن باللحظة الثورية في 14 يناير (كانون الثاني) 2011 بل تعود إلى تاريخ أقدم من ذلك، ففي عام 2004  في وقت تعيش تونس وشعبها تحت وطأة نظام ديكتاتوري، تعالت أصوات المشجعين بأحد ملاعب العاصمة مرددة بلهجة محلية، "إذا السلطة والحكومة حكمت بأحكامها. ما لا قلى الحرية وين مكانها"، وهي الكلمات التي فتحت مواجهة بين الأمن والمشجعين.

وتبنت مجموعات "الألتراس" العديد من القضايا وعلى رأسها قضية الحرية من خلال الأغاني التي اشتهرت خارج حدود تونس أو من خلال عدة مظاهر أخرى على غرار الصورة المعتمدة "لألتراس المكشخين" لفريق الترجي الرياضي التونسي؛ إذ اختارت هذه المجموعة صورة الزعيم جثانيمو شعاراً لها، الذي يعد أحد قادة الهنود الحمر في نهاية القرن التاسع عشر وهو مقاتل من قبيلة "أبات رش جثيكاهو"، قاد هجمات ضد المستوطنين والجنود البيض في كل من الولايات المتحدة والمكسيك، أيضاً مجموعة "ألزاباتيستا أسرثنزا"، التي استوحت اسمها من "جيش ألزاباتيستا" لجيش التحرير المكسيكي. هذا التنظيم الذي أحاط نفسه بالغموض، ولعب دوراً رئيساً في الاحتجاجات الأخيرة، والليلية منها بخاصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الوعي الاحتجاجي

من جهتها عقبت لنا الباحثة في علم الاجتماع شيماء بن رجب، بقولها، إنه "في ضوء الأحداث الأخيرة التي عاشتها بعض محافظات تونس لاحظنا مشاركة فئة عمرية تراوحت بين مراهقين وشباب لا تتجاوز أعمارهم 25 سنة بحسب وزارة الداخلية، كما تبين أن أغلب هذه المناطق تعاني تهميشاً وغياباً في البنية التحتية وتفتقر لأبسط المرافق العمومية". مضيفة، "الشباب الذي قاد هذه التحركات، التي لا يمكن وصفها بتحركات احتجاجية ذات هدف محدد بل يمكن تعريفها بالهبّة؛ أي أنها الفعل البدائي للانتفاضة، يجمعهم رابط معين". وتساءلت، "كيف اكتسبت هذه الفئة العمرية هذا الوعي الاحتجاجي"؟.

بالرجوع  إلى المناطق التي شهدت أهم أحداث العنف، بخاصة في العاصمة تقول بن رجب، "يمكن ملاحظة حضور مجموعات الألتراس، وأن نسبة كبيرة من شبابها من المنتمين لهذه الحركة التي تم وصمها منذ عهد النظام السابق بشتى أنواع العنف وتواصل هذا الوصم إلى ما بعد 14 يناير على رغم أنهم كانوا من أبرز الفاعلين الاحتجاجيين".

تابعت، "أن نمط احتجاجهم وأسلوبهم أثر في العديد من الحركات الاجتماعية والاحتجاجية بعد ثورة يناير 2011، التي تربى عليها شباب التسعينيات ومراهقو الألفية الثالثة الذين وجدوا أنفسهم في الجبهة الأمامية لهذه التحركات"، وأضافت، "ثم إن أساليب المحتجين في المواجهات مع الأمن في الاحتجاجات الأخيرة هي أساليب الألتراس نفسها القائمة على استخدام الألعاب النارية (الشماريخ) كما يسميها التونسيون وغيرها من أساليب هذه المجموعات في الاحتجاج"، مستخلصة، أن هذا يرجع إلى تأثير هذه الظاهرة في الشباب، خصوصاً أنها شكلت ثقافة فرعية موازية للمتعارف عليه".

صدى المجتمع

وبشأن سبب احتجاج هذه المجموعات تقول، "أولاً تم إقصاء أعضاء هذه الحركة من فضائها الرئيس وهي ملاعب كرة القدم. بالتالي أصبح الشارع التونسي فضاء جديداً للتعبير عن غضبهم إزاء الوضع العام".

يذكر أنه منذ انتشار جائحة كورونا في مارس (آذار) 2020 منع دخول الجماهير إلى الملاعب، كما أن الجامعة التونسية لكرة القدم ومن أجل التصدي لظاهرة العنف داخل الملاعب أصدرت أوامر بتقليص عدد الجماهير قبل ذلك سنوات، ما أسهم في غياب مظاهر التشجيع الحماسية والأجواء الاحتفالية التي تميزت بها الملاعب التونسية.

من جهة أخرى تقول بن رجب، التي كان لها عدة دراسات حول هذه المجموعات، إن "عدم فهم ظاهرة الألتراس وغيرها من الظواهر الشبابية ورسم صورة نمطية في مخيلة المواطن، وتحويل هذه الحركة لمجرد مجموعات عنيفة من شأنه أن يسهم في المزيد من تأزم الوضع الراهن".

ولا يحصر تاريخ "الألتراس" في تونس وجود هذه المجموعات للتشجيع فحسب، بل إن لها دوراً أساسياً وفعالاً في العديد من المحطات النضالية التي شهدتها البلاد خلال العديد من المناسبات، وهذا يعود لكونها تمثل صدى المجتمع، إذ تجمع مختلف فئاته.

المزيد من تقارير