Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يستعيد لبنان دوره في التجارة الإقليمية؟

مرفأ طرابلس بديل مؤقت عن مرفأ بيروت بعد انفجار 4 أغسطس

مرفأ طرابلس يستعد لاستقبال خطوط ملاحية جديدة في التجارة البحرية الدولية. (اندبندنت عربية)

في صباح عاصف تستمر الحياة في مرفأ طرابلس، وتسير حركة الملاحة بصورة طبيعية، حيث تنطلق البواخر التجارية إلى العالم. هذا الإجراء بحد ذاته يبعث على الأمل في لبنان الذي يعيش في شبه عزلة، وازداد الوضع الاقتصادي وطأة في أعقاب انفجار الرابع من أغسطس (آب) الذي دمّر أجزاء واسعة من مرفأ بيروت.

في الفترة التالية، توجهت الأنظار إلى مرفأ طرابلس الذي يقع في شمال لبنان، وتم الترويج له كبديل مؤقت عن المرفأ المركزي في العاصمة، وبعد مرور خمسة أشهر، يستمر مرفأ بيروت بالحد الأدنى من نشاطه، في وقت يطرأ مزيد من التطور على مرفأ العاصمة الثانية والجار لسوريا، ويبقى دور مرافئ لبنان رهن الدور المستقبلي لاقتصاد البلاد، في ظل التحولات الجيوسياسية في منطقة شرق المتوسط، واتفاق "أبراهام"، مما يُفقد لبنان جزءاً من دوره كوسيط بين الداخل العربي والغرب.

خطوط ملاحية جديدة

يستقبل مرفأ طرابلس حالياً 23 سفينة خلال الشهر الواحد، ومع انضمام خطين ملاحيين جديدين إلى الخطوط الدولية الثلاثة الحالية في مرفأ طرابلس، سيستقبل خمس سفن إضافية شهرياً لتصبح 28 سفينة. ويكشف رئيس مرفأ طرابلس أحمد تامر عن وصول أول باخرة ضمن الخط الأول في 31 يناير (كانون الثاني) الحالي، في وقت تصل طرابلس في 15 فبراير (شباط) أولى بواخر الخط الثاني، كما أنه سيتمكن من استقبال سفن عملاقة يصل طول إحداها إلى 335 متراً. ويؤكد تامر أننا أمام تطور كبير في عمل مرفأ طرابلس وإعادة تصدير الحاويات، حيث سيستقبل بواخر شركتين فرنسيتين، من ضمنهما إحدى الشركات التي تُعد ثالث أهم شركة عالمية في مجال النقل.

ويمر الخط الأول " Med express" في موانئ قطر والإمارات وكراتشي باكستان والهند وجدة السعودية وصولاً إلى اليونان وجنوى إيطاليا، وآخر "Megam" يمر بالخليج العربي ومصر وطرابلس لبنان ومرسين تركيا، وتتحوّل طرابلس مع هذه الخطوط إلى محطة أساسية في ملاحة شرق المتوسط، في وقت يُتوقع قدوم خط ثالث جديد على ضوء المفاوضات القائمة حالياً.

ويلفت تامر إلى أن هناك مجموعة مزايا تجتذب المستثمر الأجنبي، من الخدمة الجيدة التي شجعت إحدى الشركات لوضع طرابلس ضمن محطاتها الإقليمية ضمن خط التجارة البحرية الدولية، وينطلق من واقعة استمرار أعمال المرفأ على الرغم من شدة العواصف الحالية، ليجزم أن "الموقع الجغرافي لمرفأ طرابلس يساعده على الاستمرار في الملاحة، بينما العمل متوقف في مرافئ أخرى على البحر المتوسط بسبب العواصف".

ويسهم القرب من قناة السويس في زيادة أهمية المرافئ اللبنانية، لذلك تحتاج الشركات إلى مرافئ قريبة من القناة لتكون كمحطات مؤقتة في مسارها نحو وجهتها الأخيرة.

كما أن مرفأ طرابلس استفاد من تجهيزاته الحديثة والمتطورة لاستقبال البواخر الأجنبية العملاقة، وتأمين خدمة سريعة وآمنة، ويتضمن تجهيزات في مجال التحميل والتفريغ، من ضمنها رافعات ضخمة وحديثة.

إلى ذلك، يتمتع مرفأ طرابلس بمساحته الشاسعة وإمكان توسعته، وأحواضه بعمق 15,2 متراً، في وقت تصل أعماق مرفأ بيروت إلى 16 متراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويطمح القائمون على مرفأ طرابلس إلى تطوير عمله، ويشدّد تامر على عنصر الأمان، إذ تنتشر نقاط القوى الأمنية في أنحائه، كما أنه مُجهّز بالمواسح الضوئية الحرارية "سكانر"، إضافة إلى خضوعه لضوابط أمنية دولية، وتلك المرتبطة بالتعامل مع البضائع الخطرة، والتي تُطبق في طرابلس منذ فترة طويلة. ويطمئن تامر قائلاً، "نحن في الأساس لا توجد لدينا مواد خطرة".

وتستمر معاناة مرفأ طرابلس من الكشافين الجمركيين الذين يقومون بفحص الحاويات والتحقق من البضائع وقوائم الجرد، ففي طرابلس يوجد كشافان جمركيان فقط، بينما الحاجة إلى خمسة كشافين بالحد الأدنى لتأمين استمرار العمل، ويُنتظر من الحكومة اللبنانية إجراء مباريات بتعيين أعداد إضافية لتأمين انتظام سير أعمال التصدير والنقل البحري.

قرض البنك الإسلامي

ويتجه مرفأ طرابلس نحو توسيع مهماته ومساحته، وكل ذلك مرهون بقرض البنك الإسلامي الذي تبلغ قيمته 86 مليون دولار، وسيبدأ في 2021 عدد من المشاريع. ويتوقع تامر أن يتحوّل المرفأ إلى واحد من أهم مرافئ المنطقة خلال السنوات الثلاث المقبلة بعد إنجاز مشاريع البنك الإسلامي. ويتضمن مجموعة مشاريع بينها إقامة بنية تحتية متطورة، وإنشاء ساحات جديدة وأبنية إدارية، إضافة إلى شبكة جسور تصل المرفأ بالـ "أوتوستراد" الدولي العربي، كما سيتم تحويله إلى "مرفأ ذكي"، وتنتقل خدماته إلى العالم الرقمي. ويطمئن تامر أن القرض الإسلامي أُقر في مجلس النواب، وصدرت المراسيم التنفيذية، وصولاً إلى إجراء المناقصات التي استقرت على شركتين إحداهما مصرية والأخرى لبنانية، وينتظر مصادقة البنك الإسلامي من أجل مباشرة التنفيذ.

كما تطمح إدارة مرفأ طرابلس والفاعليات الاقتصادية بالشمال في أن يلعب المرفأ دوراً مركزياً في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يكون ضمن مشروع كبير يشمل تفعيل مطار القليعات (شمال لبنان)، وخط نفط العراق، ليستعيد لبنان جزءاً من دوره، إلا أن ذلك يتوقف على تبني الدول الإقليمية للدور الجديد.

أزمة الدولار عنصر تنافسي

وأدت أزمة شُح الدولار إلى فقدان العملة الوطنية قيمتها، إذ ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي من 1507 ليرة لبنانية إلى 8750 حالياً، لذلك فإن هذا أدى إلى تخفيف الكلفة التشغيلية الواقعة على الشركات الأجنبية التي تستمر بالدفع بالعملة الوطنية. ويلفت تامر إلى أن الأجور في المرافئ اللبنانية ما زالت تُدفع بالليرة اللبنانية، ومن هنا أصبحت جاذبة للشركات الأجنبية لأنها أصبحت أقل كلفة.

بانتظار مرفأ بيروت

هذه التطورات دفعت للحديث عن التوجه إلى اعتماد طرابلس مكان بيروت، وهذا الطرح يرفضه تامر الذي يشغل منصب المدير العام للنقل البري والبحري بالتكليف، لأن "هذه الخطوط لم تكن تتوجه إلى مرفأ بيروت بالأصل". ويشدد على أن "هناك سياسة تكامل بين مرفأ طرابلس ومرفأ بيروت، ولا يأخذ أحد مكان الآخر"، ويرفض تامر الخوض في قضية التأخير بإعادة إعمار مرفأ بيروت، لأنه من صلاحية إدارة مرفأ بيروت وهي مستقلة، ولكنه يعتقد أن هناك مشكلة بالتمويل في ظل الوضع الاقتصادي اللبناني الصعب.

كل شيء متوقف على الحكومة الإصلاحية

ويقول النائب ياسين جابر إن "من حسن حظنا أن انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس لم يطل محطة الحاويات والرافعات"، لأن دمارها كان سيؤدي إلى فقدان أية فرصة لإعادة المرفأ للحياة، ووقف حركة الاستيراد بالمطلق، واقتصر الدمار على العنابر.

ولا تنفصل عملية إعادة إعمار مرفأ بيروت عن المشهد السياسي والاقتصادي العام، لذلك يضع جابر إعادة ترميم المرفأ ضمن عملية إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني الذي يحتاج إلى ورشة عمل يقوم بتطبيقها فريق من المتخصصين، وتؤمن لها الأدوات، ويحدد جابر سلسلة خطوات يجب اعتمادها قبل الوصول إلى إعادة إعمار المرفأ، مشيراً إلى أن الأولوية يجب أن تُعطى للبشر، والبدء بإعادة الأهالي إلى بيوتهم وإنجاز الترميم، ومن ثم الانتقال إلى عملية إعادة إعمار المرفأ، والبدء بالإصلاحات البنيوية، وصولاً إلى تطبيق الخطط من قبل حكومة المتخصصين ذات الصلاحيات الاستثنائية.

وعن الجهة التي ستعيد إعمار المرفأ، يجيب النائب جابر، "في الخارج يتحدث الفرقاء بصوت عال وواضح ويقولون: ساعدوا أنفسكم لنساعدكم"، لذلك فالمجتمع الدولي يضع المرفأ في رأس قائمة الأولويات والأجندة.

لا إمكان لإعادة ترميمه

ولا يتوفر إمكان إعادة ترميم المرفأ في ظل التركيبة الحالية، وحكومة تصريف الأعمال التي يترأسها حسان دياب، وعملية التأليف التي كبّلها فيديو رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي اتهم رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بالكذب. ولذلك يشير جابر إلى أن "إعادة إعمار المرفأ مؤشر إلى بدء التعافي، إلا أن المطلب الأساس هو القيام بالإصلاحات البنيوية والهيكلية، لأنها ستُرسل رسالة بأننا غيّرنا المسار الانحداري، لأن الرئيس قال إننا ذاهبون إلى جهنم، وبالتالي لا بُد من التكويع من خلال أداء مُختلف عن الحالي، والبدء بتطبيق القوانين الإصلاحية".

ويرى النائب جابر أن لبنان وصل إلى أقصى حدود الانهيار. ويقول، "لا يوجد طرف سياسي محلي عاقل يقبل بالحال السيئة التي وصل إليها لبنان، ويقبل بما بلغه الشعب اللبناني، وسلسلة الانفجارات من الاقتصاد إلى المرفأ والوضع الصحي"، ويظن جابر أن أحد الأسباب هو "غياب القيادة القادرة على اجتراح الحلول ووقف المعاناة في هذا البلد الخَرب".