Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الضحايا ينتقمون إلكترونيا في رواية "أحدنا هو التالي"

 الكاتبة الأميركية كارين ماكمنوس تدخل عالم الجريمة في أوساط الشباب

الروائية الاميركية كارين ماكمنوس (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - الدار العربية للعلوم)

 يُشكل الانتقام محرك الأحداث في رواية "أحدنا هو التالي"، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، بتعريب غيلدا العساف. وهي الرواية الثانية للكاتبة الأميركية كارين م. ماكمنوس بعد "أحدنا يكذب"، روايتها الأولى التي أدرجتها نيويورك تايمز على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، وامتداد لها في الفضاء والمناخ العام وبعض الشخوص. غير أنها مفارِقة لها في مجرى الأحداث ومآلاتها الأخيرة.

 في روايتها الثانية، تتناول الكاتبة انتقام الضحايا وآلياته والنتائج المترتبة عليه، في فضاء  ثانوية بايفيو، خلال خمسة وأربعين يوماً. ينخرط فيها  الطلاب في شبكة من العلاقات، تترجح بين الاتصال والانفصال، تتداخل فيها الزمالة بالصداقة والحب، وتقترن الثقة بالحذر والريبة،  وتتكلل بالارتباط بين طرفي مجموعة من الثنائيات، وبالافتراق بين طرفي مجموعة أخرى. وهي علاقات تدور في مناخ بوليسي محفوف بالتشويق والإثارة، يشتبه فيه الطلاب ببعضهم بعضاً، ويشك أحدهم في الآخر، ويختلط البريء بالمتهم، إلى أن تتكشف الحقيقة تباعاً بجهود بعضهم، وتوضع الأمور في نصابها. وهذا المناخ يبدأ في العنوان، ولا ينتهي في المتن.

مناخ بوليسي

  في العنوان، تشي عبارة "أحدنا هو التالي" بوجود مَنْ يتربص بالطلاب تباعاً، وتجعلهم يعيشون حالة من الترقب والانتظار. وفي المتن، ثمة لعبة تعتمد الرسائل النصية، تدفع المشارك فيها إلى الاختيار بين الحقيقة والجرأة، ما يترتب عليه انتهاك خصوصيته إذا ما اختار الحقيقة، وتعرضة للمخاطر إذا ما اختار الجرأة. وفي الحالتين، يتحول من يقع عليه الدور إلى ضحية للمتحكم باللعبة، ويتعرض للنميمة والتنمر من الآخرين، وقد تودي به الجرأة إلى التهلكة.

 لعبة الحقيقة أو الجرأة، وهوية المتحكم بها، وانعكاسها على المشاركين فيها، والنتائج المترتبة على المشاركة، هي الهواجس التي تشغل طلاب ثانوية بايفيو، في مقهى كونتيغو المجاور للثانوية، ناهيك بالنميمة والغيبة والخوض في شؤون الآخرين، ما يجعل الفضاء الروائي بؤرة للقيل والقال، ويفرغه من مضمونه التربوي. على أن اللقاءات في المقهى والأمكنة الروائية المدينية الأخرى تتمخض عن أنماط مختلفة من العلاقات، تتراوح بين الزمالة والصداقة والحب. ويستأثر هذا الأخير بحصة الأسد بينها، لا سيما أن شخوص الرواية من المراهقين الذين يتطلع كل منهم إلى شريك ينخرط معه في علاقات غرامية. ولذلك، ينجم عن هذا التطلع شراكات بين، ميف ولويس، وفيبي ونوكس، وبرونوين ونيت، وجولز وشون، من داخل الثانوية، وآشتون وإيلي، من خارجها. وفي المقابل، تنفصم عرى شراكات أخرى كانت قيد التبلور.

نتائج وخيمة

 إزاء النتائج الوخيمة المترتبة على اللعبة، المتمثلة في انتحار مبتكرها الأول، توريطه بعض الطلاب زوراً بقتله، وبث الشقاق بين الأختين إيما وفيبي لوتون، والتفريق بين بطلة الرواية السابقة ميف روغاس وصديقها نوكس مايرز، ومصرع الشاب براندون ويبر، وغيرها، وفي مواجهة أجواء القلق التي تثيرها اللعبة، تلجأ بعض الشخوص إلى محاولة تفكيك اللغز الكامن خلفها، فيقوم الصديقان المتضرران من اللعبة ميف ونوكس، مُستندَيْن إلى الإنترنت والفيديو والشهادات الحية والتحليل الصحيح والمقارنات الدقيقة والمطاردة الميدانية، باقتفاء أثر مستخدمها الجديد حتى تحديد هويته، وكشف نيته الجرمية، وإنقاذ عشاء وداع العزوبية لصديقتهما آشتون والمحامي إيلي كلاينفلتر من مجزرة محققة. والمفارق في هذه العملية أن ميف ونوكس كليهما يعاني من عطب جسدي أو نفسي، فالأولى مصابة بسرطان الدم وتتوقع موتها خلال ستة أشهر، والثاني يتجاهله أبوه ولا يمنحه فرصة العمل معه، فيأتي نجاحهما في كشف الفاعل، بالتزامن مع شفاء ميف من مرضها، ليجدد تعلقها بالحياة، وليحظى نوكس باهتمام والده به والاعتراف ببطولته. ويكون لصديقتهما الأخرى فيبي لوتون، المتضررة بدورها من اللعبة، دورها في العملية.

هوية الفاعل

 بنتيجة التحريات التي يقوم بها هذا الثلاثي، يتبين أن المشغّل الجديد للعبة هو جاريد جاكسون، وأنه يهدف من خلالها إلى الانتقام ممن يعتبر نفسه ضحيةً له، فجاكسون الذي يحمّل المحامي إيلي مسؤولية الزج بأخيه في السجن، جراء تورطه في قضية  ابتزاز وتلفيق تهم، ما أدى إلى انتحار أمه وتفكك أسرته وخسارة منزله، ناهيك بإصابة والده بسرطان الرئة، يخطط للانتقام من إيلي بتفجير عشاء وداع العزوبية. وإذ يلتقي في منتدى الانتقام الإلكتروني بإيما لوتون، التي تفكر في الانتقام من قاتل أبيها من طريق الخطأ براندون ويبر، ومن أختها فيبي التي خانتها مع صديقها ديريك بانتحال اسمها، يكتشفان أن ثمة تقاطع مصالح بينهما، ويتفقان على التعاون لتحقيق أهدافهما المشتركة. غير أن الأخيرة لم تكن تتوقع أن تصل الأمور إلى حد التسبب بالقتل، فما إن تتمخض عن مقتل غريمها حتى تطلب إليه وقف اللعبة، وتعلن انسحابها منها، لكن جاكسون الذي يوهمها بوقفها، يتابع تنفيذ الشق المتعلق به من الانتقام، دون أن يعلم أن ميف ونوكس يقتفيان أثره، ويقومان بتصويره، حتى إذا ما وضع القنبلة تحت المصطبة الخشبية للعشاء، يقومان بأخذها ورميها خلف المطعم وإنقاذ المدعوين من مجزرة محققة، ليتم بعد ذلك القبض على الفاعل وشريكته والتحقيق معهما.

وبذلك، تكون اللعبة صنيعة ضحايا للانتقام من آخرين، هم ضحايا بدورهم للفساد وسوء استخدام السلطة والتنمر والنميمة. غير أنه يخرج من هؤلاء من يأخذ على عاتقه كشف الحقيقة وإعادة الأمور إلى نصابها. وهنا، لا بد من الإشارة إلى العدد الكبير من الشخوص الذين ينخرطون في اللعبة، بشكل مباشر أو غير مباشر، فنقع بينها على الراغب في الانتقام، والواشي، والنمام، والمتنمر، والمتفرج، والمتوحد، وغريب الأطوار، والمغامر والشجاع. وهي نماذج تشي بها الأحداث المختلفة. وهذا العدد يعكس قدرة الكاتبة على التصرف بالشخوص، على كثرتها، وإسناد الدور المناسب لكل منها، ما يجعلنا إزاء فضاء روائي مكتظ بالأدوار والوقائع السردية. 

الإطار البوليسي

 هذه الحكاية المركبة، تضعها ماكمنوس في إطار بوليسي، تدور فيه الأحداث بإيقاع بطيء إلى حد المراوحة في المكان نفسه، أحياناً، ولا يخفف منها سوى حصولها في جو من اللعب والإثارة والتشويق، مما يقتضيه الإطار البولسي. ثم تأخذ الأحداث في النمو ضمن هذا الإطار الذي يشكل ناظماً لها، ورابطاً بين أجزائها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 تضع ماكمنوس روايتها في أربعة وثلاثين فصلاً، وتُسند مهمة رويها إلى الشخوص الثلاثة التي تقوم بكشف هوية مدير اللعبة وفضح مخططه، ما يجعلها تستحق شرف الروي بامتياز. وهي تراعي العدل في توزيع الفصول عليها، فتروي ميف اثني عشر فصلاً، وفيبي اثني عشر فصلاً، ونوكس عشرة فصول. وبذلك، نكون إزاء ثلاثة أسلاك سردية، تتعاقب، وتتجادل، لتشكل جديلة الرواية. والعلاقة بين هذه الفصول تقوم على التناوب في الفصول الأربعة عشرة الأولى، ثم يتم الإخلال بهذا التناوب جزئياًّ في الفصول اللاحقة. على أن جميع الفصول يجري تأطيرها في صيغة اليوميات، فتصدر الكاتبة كل فصل باليوم الذي تجري فيه أحداثه، وقد تُصدر خمسة فصول لثلاثة رواة، أو فصلين اثنين للراوي نفسه بيوم واحد، كما نرى في يوم الجمعة 27 مارس (آذار). وتفصل بين الفصول بثلاثة تقارير إخبارية تعتمد النمط الحواري. بينما تعتمد النمط السردي داخل الفصل الواحد الذي تقطعه مقاطع وصفية وحوارات مبتسرة ورسائل نصية. وبذلك، تقوم الرواية على تعدد الأصوات والأنماط والأجواء ما يمنحها التنوع ويجعلها بمنأى عن الرتابة السردية. ولعل هذه المواصفات مجتمعة وغيرها هي ما يجعل قراءتها محفوفة بالمتعة والإثارة والتشويق.             

المزيد من ثقافة