Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النفايات تضيف أعباء صحية إلى جوار كورونا في موريتانيا

تواصل الاحتجاجات بعد ملاحقة الأمراض الوبائية لمواطني نواكشوط بسبب مكب غير مطابق لمعايير السلامة

محتجون أمام مكب النفايات في موريتانيا   (اندبندنت عربية)

تشكّل النفايات خطراً صحياً وبيئياً كبيراً، وعلى الرغم من الأفكار التي تتعلق بنقلها وإعادة تدويرها ومراقبتها الدائمة، فإن التخلص منها بصفة تؤمّن صحة الإنسان وسلامة البيئة ما زالت تعتريه صعوبات وعوائق جمة في موريتانيا، إذ لم تطرح مشكلتها في البلاد بشكل جاد قبل عام 1988، لأسباب قد يكون من أهمها ضعف الوعي الصحي لدى السكان وعدم وجود منظمات مجتمع مدني في البلاد. وابتداء من سنة 1989، أوكل ملف النفايات إلى البلديات التي كانت تستعين في جمعها ونقلها بحملات تطوع يشارك فيها السكان في بعض الأحيان.

النفايات تؤرق نواكشوط

على الرغم من وجود النفايات في كل المدن والتجمعات السكنية بموريتانيا، فإن نقاش مخاطرها والبحث في متعلقاتها ظلّ حصراً على مدينتي نواكشوط ونواذيبو العاصمة الاقتصادية للبلاد، ومع الضغط السكاني الذي شكّلت التجمعات العشوائية أحد مظاهره، عادت مسألة النفايات تطرح  باعتبارها أهم تحدٍّ صحي وبيئي يواجه السكان. ومع بداية 2003، ازدادت مشكلة الانبعاثات النتنة الصادرة عن جبال القمامة التي احتلت شوارع وأزقة العاصمة، الأمر الذي أدى إلى حركة احتجاجات واسعة تطالب بحلّها. 

حل مرحلي فاقم الأزمة

حصلت موريتانيا على تمويل من البنك الدولي لمكبّ خاص بنفايات نواكشوط في 2003، ومنحت وزارة المالية وفق المقرر رقم 95، الصادر بتاريخ 15 يناير (كانون الثاني) 2004 قطعة الأرض التي سيقام عليها المكب المذكور وحدد الموقع بـ23.51 كيلومتر شرق نواكشوط - طريق الأمل.

 يقول المهندس محمد عالي الشيباني، الموظف السابق في مؤسسة الوكالة الحضرية للتنمية، أنه تم اختيار مكب النفايات الحالي من بين ثلاثة خيارات كانت محل بحث ونظر. بعد اكتمال بنى المكب التحتية، تعاقدت جهة نواكشوط (البلدية) مع شركة "بيزرنو" الفرنسية لنقل القمامة بسقف مالي يزيد على مليار أوقية، غير أن خطأين في البنية حكما لاحقاً على المكب بالفشل، تمثّلا في أن الشركة المذكورة لم تلتزم معايير الجودة والسلامة، وبدا أنها دخلت العملية من باب الانتهازية المالية، كما أن المكب أقيم في قلب منطقة آهلة بالسكان، ما أدى إلى تفاقم المشكلة في 2007.

قرية تفريت ومكب نواكشوط

تقع قرية تيفيريت عند الكيلومتر 25، وتفصلها مسافة 1.5 كلم عن المكب. وفي 2013، تفشّت أمراض الحساسيات الجلدية وتساقط الشعر وأمراض المعدة والصرع وضيق التنفس والربو بين سكان القرية في حالة أشبه بالحالة الوبائية. وباعتبار أن السكان متعلمون، فقد ربطوا بين هذا الوضع الصحي بوجودهم إلى جوار المكب الذي لا يتوفر على معايير السلامة كما يقولون، ومن هنا بلغ التوتر مداه ودخل الملف إلى ساحة المحاكم في 2015.

في هذا السياق، يقول خبير البيئة الدولي عبد الرحمن محمود، الذي كلّفته المحكمة الإدارية إعداد التقارير الصحية والبيئية للمكب، "إن الروائح النتنة التي انبعثت منه والأمراض التي تفشّت بين السكان المجاورين له هي التي فجّرت الوضع، وأذكر أنني عقدت آنذاك اجتماعات عدة مع مندوبين عن القرى المشمولة في قضية المكب من خلال خمس زيارات ميدانية، عاينّا فيها كل من بلغتنا إصابته بأعراض مرضية يشتبه في أن لها علاقة بالمكب، وقد بلغ عدد من قابلناهم 174 شخصاً، موزعين على القرى المعنية، إضافة إلى أسرتين في نواكشوط نازحتين من قرية تفيريت. وأدلى جميع هؤلاء بشهادات وأبدوا ملاحظات أجمعت على النظرة السلبية لوجود المكب في المنطقة، معتبرين جميعاً أن الحالات المرضية التي انتشرت في قراهم خلال السنوات الأخيرة ناتجة منه. ولم أسجّل خلال تلك المقابلات أي استثناء سوى اعتراض شخص واحد نفى أن يكون للمكب تأثير سلبي في صحة الناس أو في سلامة البيئة. وأشار إلى أن ربط السكان بين صحتهم ووجود المكب بجوارهم فاقم الوضع وجعل الملف يبلغ مداه ويأخذ مساره نحو التقاضي والاحتجاجات المستمرة".

الملف القضائي الأكثر تعقيداً وإثارة

 عام 2015، رفع سكان قرى تيفيريت والوئام السني والعقبة قضيتهم إلى العدالة بالطعن أمام الغرفة الإدارية في مقرر المنح المنشئ للمكب، وكان من نتائج هذا التقاضي القرار رقم 52-2019، الذي صدر عن المحكمة ذاتها في 4 نوفمبر (تشرين الأول) 2019 القاضي بعدم مطابقة المكب لمعايير السلامة، غير أن السلطات القضائية لم تنفّذ الحكم المذكور. 

يقول محامي القرى الشيخ حمدي إن هذا الملف معقد وصعب لأنه يرتبط بتمويل كبير وقوى مالية محلية مؤثرة. فجهة نواكشوط وحدها تحصل منه على دخل شهري بقيمة 200 مليون أوقية  (506 آلاف دولار) ناهيك عن أكثر من مليار أوقية تستفيد منها شركات نقل القمامة المتعاقد معها من طرف الدولة. ويضيف، "في اعتقادي أن هذا العامل من بين الأسباب التي منعت تنفيذ الحكم لصالحنا، غير أننا ما زلنا نثق بالقضاء الموريتاني ويشجعنا على ذلك أن الدولة خلال السنة الحالية قبلت التنفيذ في ملفات عدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والتقت "اندبندنت عربية" عدداً من سكان قريتي العقبة وتيفيريت وسألناهم عن مدى تأكيد الأطباء المخاطر الصحية للمكب فكان جوابهم جازماً، ومن بينهم إمام أحد مساجد قرية تيفيريت الشيخ محمد عالي، الذي قال، "قبل ثلاثة أسابيع من الآن، أصيبت ابنتي الرضيعة بضيق تنفس شديد نقلت على إثره إلى مركز الأمومة والطفولة في العاصمة، ونصحنا الأطباء بنقلها من القرية التي لم تعُد بيئة صالحة للسكن بسبب مجاورتها لمكب النفايات الخطير بحسب ما صرّحوا".

  ويوضح عبد الرحمن محمود أن "الأطباء الذين عاينوا أشخاصاً توفّوا في القرى المتضررة من المكب برهنوا أن وفاتهم ناجمة عن سكنهم بالقرب منه، فعلى سبيل المثال، أصيب شاب بشكل مفاجئ بعدما كان يتمتع بصحة جيدة بأعراض مرضية غريبة، شُخّصت بأنها سرطان الدم وقد سأله الطبيب عما إذا كان يعمل في مكب للنفايات. كما قابلنا سيدة خلال 2017 لم تكن تستطيع الكلام بسبب جرح تحت اللسان، قال الطبيب إنه ناتج من تلوث البيئة حيث تقطن".

ويردف، "أحصينا تسعة أنواع من الأمراض أصابت أكثر من أربعين شخصاً من سكان قرية تيفيريت، غالبيتها التي تتفشى في القرى المجاورة للمكب، تزداد حدة في فصل الخريف حينما تأتي ريح الجنوب السائدة في هذه الفترة بروائح المكب الكريهة. وبالنسبة إلى الأضرار البيئية، فقد سكان تلك القرى الكثير من حيواناتهم".

  كوفيد يطغى على ملف النفايات

ما إن دخل كوفيد 19 إلى الساحة حتى توقّف موضوع نفايات نواكشوط وما يتعلق به من مخاطر. ومنذ ثلاثة أشهر، عاد ملف النفايات يزاحمه، بل يكاد يفوقه اليوم أهمية وحضوراً في الإعلام المحلي الموريتاني. وقبل 90 يوماً، نظّم سكان القرى المجاورة للمكب حركة احتجاجات قوية، نتجت منها صدامات شديدة مع قوى الأمن، ما أدّى إلى سقوط عدد من الجرحى، إضافة إلى توقيف بعض سكان القرى على ذمة التحقيق. وفي  22  أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، طلب وزير الداخلية من ممثلي الحراك المناهض للمكب الحضور إلى مكتبه، فلبّوا دعوته وأخبرهم أن الدولة قررت إغلاقه واختارت مكاناً آخر لإقامة مكب للنفايات، كما ستشرع قريباً في معالجة الأضرار الصحية والبيئية التي تسبّب فيها. فكان شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، شهر أفراح وتهاني في تلك القرى، لكن تلك الفرحة لم تدُم. فقبل أسبوع من الآن، عادت قوافل الآليات المحمّلة بنفايات العاصمة إلى رميها في المكب وبدا كأن شيئاً لم يكن فخرج السكان إلى الطريق من جديد.

 ويسيطر ملف النفايات حالياً على الساحة الإعلامية والسياسية إذ أصبحت قرية تيفيريت، التي اختارها مناهضو المكب مقرّاً لحراكهم، قبلة للقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية وقادة المجتمع المدني، وتُطرح نفايات نواكشوط اليوم في البلاد على أنها تحدٍّ صحي وبيئي كبير.

المزيد من صحة