مصر تفتح أبواب مدارسها لأطفال سوريا

منظومة التعليم المصرية تحتضن 43 ألف طالب سوري بمنحة كندية تقدر بـ10 ملايين دولار

طلاب سوريون في مدرسة مصرية ضمن إطار برنامج لدمجهم في منظومة التعليم الحكومية (اندبندنت عربية)

تفتخر مصر بأن السوريين المقيمين على أراضيها لم يكتسبوا صفة "اللاجئ"، بل يعيشون فيها أقرب إلى مواطنين في بلدهم الثاني، بدءاً من محل السكن حيث لا مخيمات أو معسكرات، مروراً بالعمل وكسب العيش، وانتهاءً بركيزة أساسية اسمها التعليم الحكومي المصري.

منظومة التعليم الحكومي المصري تقاوم لتـُجري تحديثا وتغييرا بعدما عانت كثيراً على مدى عقود، وأخيراً تسعى لدمج الأطفال السوريين بداخلها، لتبرهن على أن مصر لم ولن تتوافر لديها نية وضع السوريين المقيمين في خانة "اللاجئين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجبات مدرسية

حصول الطالب السوري على الوجبة المدرسية المتمثلة في "البسكويت بالتمر" تماما كما يحصل عليها زميله المصري، تحولت إلى وسيلة لدمج الطلاب والطالبات السوريين. ربما تكون عبوة البسكويت بالتمر الموزعة على الطالب المصري وزميله السوري في الفصل نفسه رمزًا أكثر من كونها وجبة غذائية.

مشروع الدمج

 المشروع الضخم الذي شمل ما يزيد على عشرة ملايين طالب مصري وسوري على مدار السنوات الأربع الماضية يقول الكثير عن دمج السوريين من خلال التعليم، وهو ممول من قِبل الحكومة الكندية بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي بقيمة عشرة ملايين دولار يعد بمثابة رمز للدمج الاجتماعي للأطفال السوريين المقيمين في مصر بسبب الأحوال في سوريا.

المساواة

 سيمون برشمنت، نائبة ممثل برنامج الأغذية العالمي في مصر، قالت أثناء جولة في عدد من المدارس الحكومية المستفيدة من المشروع، إن البرنامج تمكن من تغيير حياة السوريين المقيمين في مصر عن طريق التعليم، وتحسين التغذية للطلاب الملتحقين بالمدارس الحكومية التي تستضيف الأطفال السوريين، وأكدت أن مثل هذه المشروعات قادرة على دعم الطلاب السوريين وأقرانهم المصريين عبر تقديم مساعدات تعليمية متكاملة لهم على قدم المساواة.

"المساواة" هي كلمة السر في كل ما يتعلق بشبكات الأمان الاجتماعي المقدمة للفئات المستحقة في مثل هذه الظروف. وإذا كان برنامج الأغذية العالمي يدعم مشروعات للتغذية المدرسية في مصر بالمدارس الحكومية التي تدمج المصريين والسوريين في فصول واحدة، بالإضافة إلى تعزيز قدرات المعلمين من خلال الدورات التدريبية المختلفة الخاصة بالتغذية، فإن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني المصري تتبع نهج الدمج منذ بدأت مصر تستقبل أعداداً كبيرة من السوريين الهاربين إليها من الأوضاع في سوريا.

إعفاء من المصروفات ومشاركة في الأنشطة

الأوضاع في سوريا دفعت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في مصر إلى إعفاء الطلاب والطالبات السوريين المتقدمين للالتحاق بمدارسها من المصروفات، تيسيراً على الأهل، بالإضافة إلى إخضاع الطلاب الذين لم يتمكنوا من إحضار شهاداتهم المدرسية من سوريا قبل السفر إلى مصر لاختبارات تحديد المستوى لسرعة قبولهم في المدرسة.

ما يزيد على 43 ألف طالب وطالبة سوري مندمجون حالياً بمدارس حكومية مصرية في مختلف المحافظات بالمراحل التعليمية المختلفة، لكن الدمج لا يحدث فقط عبر الخضوع للعملية التعليمية نفسها، لكن جهوداً مصرية إضافية تجري عبر بوابة الأنشطة.

 رئيس قطاع الأنشطة والخدمات التربوية في وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني السيد هشام السنجري، قال: "إن الوزارة تضع مشاركة الطلاب والطالبات الوافدين، لا سيما السوريين نصب عينيها، وذلك للمساعدة في إدماج الطلاب ضمن الأنشطة التي لا تنفصل عن العملية التعليمية، بالإضافة إلى البرامج الفنية والثقافية والرحلات الترفيهية التي توفرها الوزارة لطلاب المدارس الحكومية، والتي يتم تشجيع الطلاب الوافدين على المشاركة فيها. وتشجعهم الوزارة كذلك على المشاركة في المسابقات التي تعقد في مجالات العلوم واللغة العربية والموسيقى والتدبير المنزلي، لأن جميعها يساعد على التقارب بين الطلاب ودمج الوافدين وتشجيعهم معنوياً وليس فقط عبر إلحاقهم بفصول مدرسية"، وهو ما له أثر إيجابي بالغ على المستوى النفسي والإنساني.

مسرح العرائس

البرنامج الذي يرعاه برنامج الأغذية العالمي بالتعاون مع الحكومة الكندية ووزارة التربية والتعليم يهتم كذلك بمسرح العرائس، باعتباره وسيلة شيقة لتوصيل الرسائل العلمية للطلاب المصريين والسوريين في المدارس التي يشملها البرنامج وعددها نحو 570 مدرسة حكومية. المثير أنه يجري استخدام الدمى في هذه المدارس كأدوات تعليمية إبداعية ومعبرة لمعالجة القضايا المتعلقة بالتنمية الاجتماعية والعاطفية، وكذلك تشجيع المناقشات حول موضوعات حساسة مثل عمالة الأطفال والزواج المبكر والتنمر في المدارس.

إدماج الطلاب السوريين في المدارس الحكومية المصرية لا يتم بمعزل عن أولياء الأمور، ولذلك تبذل وزارة التربية والتعليم جهداً للتواصل مع الأهالي للتعرف إلى المشكلات التي تواجه أبناءهم للمساهمة في حلها.

رئيس الإدارة المركزية للعلاقات الثقافية في وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني السيدة هناء سعد الله، تقول: "إن الوزارة تحاول تذليل العقبات أمام الطلاب السوريين في مصر قدر الإمكان. وأبرز العقبات هي زيادة الكثافة في الفصول المدرسية، ودمج الطلاب السوريين من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما تم في عدد من المدارس في الإسكندرية ودمياط والجيزة".

ورغم الجهود المبذولة، على صعيد وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، وعدد من المنظمات الأممية والمنح المقدمة من عدد من الدول، فإن الأمر لا يخلو من مشكلات أخرى. فمثلاً، يشكو البعض من اضطرار الطلاب السوريين في المدارس الحكومية إلى دراسة مناهج مصرية خالصة، لا سيما فيما يتعلق بالتاريخ والجغرافيا.

زياد تمام، طالب سوري بالمرحلة الإعدادية، يقول: "إنه يدرس التاريخ المصري ويجده مثيراً للاهتمام، وكذلك الجغرافيا المنصبة على جغرافية مصر وأراضيها، وهو ما يضايقه أحياناً لأنه سيعود يوماً إلى سوريا، ويجد نفسه بحاجة لمعرفة تاريخ وجغرافية بلاده بشكل أكبر".

ورغم أن أكبر مشكلة كانت تواجه مايا أحمد، 12 عاماً، والتي تدرس في مدرسة مصرية حكومية أيضاً هي لهجتها التي سخرن منها بعض زميلاتها في البداية، فإن الأمر تحول إلى مجال لتبادل اللهجات. تقول والدتها: "كانت مايا تعود من المدرسة باكية في البداية. كانت زميلاتها يسخرن من لهجتها، وما هي إلا أيامٌ معدودة، حتى بدأن يتفاهمن ويكتسبن بعض الكلمات منها. وأصبح لديها صديقات كثيرات يزرنها وتزورهن".

الوضع الراهن لآلاف الطلاب السوريين في المدارس الحكومية المصرية قد لا يكون الأمثل من حيث الإمكانيات والرفاهيات، لكن الأمثل هو أن يتعامل الطلاب على قدم المساواة مع أقرانهم المصريين. ورغم وجود عدد من المراكز التعليمية المخصصة للطلاب السوريين في مصر، وبعضها يتلقى منحاً ومساعدات من قبل بعض المنظمات الأهلية، فإن كثيرين يفضلون إرسال أبنائهم للمدارس الحكومية المصرية لأسباب مختلفة.

ياسين شوقي، 42 عاماً، اختار أن يلحق أبناءه الثلاثة بمدارس مصرية لسببين: الأول مادي حيث تكلفة هذه المراكز باهظة التكاليف، والثاني لأنه يرى أن من الأفضل أن يندمج الصغار مع أقران لهم لم يمروا بتجربة الصراع. يقول شوقي: "ربما يعيش زملاء أبنائي مشكلات كثيرة مثل ضيق ذات اليد وانخفاض مستوى المعيشة، لكنهم على الأقل لم يخوضوا تجربة الصراع المسلح ومشاهد العنف وشهور التوتر والخوف والقلق التي عاشها أبنائي. الأسلم لهم أن يستعيدوا طفولتهم في أجواء عادية وليس في أجواء تجمع أبناء التجرية المريرة فقط".

 يضيف شوقي أن هناك ميزة أخرى لم يفكر فيها لكنه اكتشفها بعد أشهر من التحاق الأبناء بالمدرسة، ألا وهي قدرة الصغار على الاندماج في المجتمع بشكل أفضل، حيث التعامل مع المصريين من الجيران وفي الشارع، وكان هذا كله من بوابة الاندماج عبر التعليم".