Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تبدو أعياد اللبنانيين في العام الحزين؟

كورونا والظرف الاقتصادي غيرا العادات والتقاليد وحرما الجميع فرصة الاحتفال مع الأهل

آلاف العائلات اللبنانية حُرمت في هذا العام فرصة الاستمتاع بالعيد (أ ف ب)

حل موسم الأعياد هذا العام وقلوب اللبنانيين فيها غصة. وعلى الرغم من محاولات تخطي الألم، تبدو شوارع بيروت حزينة لا تشبه ما كانت عليه في أعياد السنوات السابقة، إذ غابت الزينة المعتادة، باستثناء بعض المبادرات الهادفة إلى زرع الأمل في النفوس. فالحزن غالب في قلوب اللبنانيين، لكن تستمر مساعي البعض للبحث عن مصادر للفرح، لعل هذه فترة تعد بمرحلة جديدة أكثر إيجابية. فكيف بدا المشهد في لبنان قبيل الأعياد؟
يأمل البعض أن تكون الأعياد متنفساً للبنانيين وتخفف من الضغوط الناتجة من الوضع المعيشي الصعب، إلا أنه يصعب الهروب من الواقع الذي يفرض نفسه في ظل الأزمة المالية والاقتصادية الصعبة. يضاف إلى ذلك وباء كورونا الذي بدّل العادات والتقاليد المرتبطة بالأعياد، وحرم الكل فرصة الاحتفال في اللقاءات المعتادة مع الأصدقاء والأهل.
وإذا كان العالم كله يرزح تحت الضغوط الناتجة عن الجائحة، فإن الوضع أكثر صعوبة في لبنان. فآلاف العائلات حُرمت في هذا العام الاستثنائي، فرصة الاستمتاع بالعيد، مع ارتفاع معدلات الفقر في البلاد إلى أكثر من 55 في المئة، بحسب دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (إسكوا). بعدما كانت عند 28 في المئة في عام 2019. إضافة إلى ذلك، نجد معدلات البطالة مرتفعة، يرافقها فقدان الشعور بالأمان في ظل بحث مستمر عن مصادر لتأمين لقمة العيش.

قلوب حزينة ولكن

وفي ظل تراجع القدرة الشرائية لمعظم اللبنانيين، لم يكن متوقعاً أن تشبه أعياد هذا العام ما كانت عليه قبل سنوات. وحرمت الأسعار الخيالية للهدايا والسلع الغذائية والملابس، هذه المرة اللبنانيين حتى من الحلم بالاحتفال بالعيد. ويُضاف إلى كل ذلك، الحزن الذي يخيّم على بيروت منذ انفجار المرفأ.

بالنسبة إلى لينا بشّور، تختلف أعياد هذا العام عما كانت عليه في السابق، خصوصاً في ظل وباء كورونا. إذ تغيب رهجة العيد وأحاسيس الفرح المعتادة. وتقول "حتى اللحظة لسنا متأكدين ما إذا كنا سنجتمع في يوم العيد كما جرت العادة، أم لا، خوفاً من الفيروس على الأهل وعلى كل أفراد العائلة. في الوقت نفسه يصعب علينا تقبل فكرة تمضية الأعياد من دون أن تجتمع العائلة كعادتها، خصوصاً أن الزيارات غير ممكنة أيضاً".

وتشير بشّور إلى أن الكارثة هذا العام ليست في كورونا وحده، بل أيضاً في الوضع المعيشي الصعب وفي الارتفاع الجنوني للأسعار. "مائدة العيد لا تشبه أبداً الموائد المعتادة، إذ ألغيت منها أصناف عدة، أو جرى التخفيف منها، واستُبدلت أخرى بأصناف أقل ثمناً. كما نسيت العائلة هذه المرة موضوع التبضع وشراء ملابس جديدة للعيد. هذه الفكرة غير واردة مع ارتفاع الأسعار بهذ الشكل. لا نشعر بالعيد في هذا العام ولا بفرحته، وسيقتصر توزيع الهدايا على الأطفال في العائلة. هدايا بسيطة على قدر الإمكانات المادية، حتى لا يحرَموا من هذه اللحظة التي يترقبونها طوال العام".

وتحاول العائلات اللبنانية الاحتفال بالأعياد بما يتماشى مع الظروف الحالية، من خلال التجمعات التي ستقتصر على المقربين بأعداد محدودة، أو من خلال الاحتفال بحسب الإمكانات المادية.

الهدايا وموائد الأعياد

ميشال حاوي أيضاً من الذين قرروا الاحتفال بالعيد على طريقتهم بحسب الوضع الحالي. "ففرحة العيد يجب ألا تغيب من حياتنا"، وهذا ما حرص عليه، وإن فرضت الظروف تعديلات كثيرة في العادات المرافقة للأعياد. في عيدي الميلاد ورأس السنة اعتادت عائلة حاوي الاحتفال في المنزل، لكن هذه المرة تقتصر الاجتماعات على المقربين بسبب الوباء الذي حرمهم التجمعات الكبرى المعتادة.

أما بالنسبة إلى الهدايا وموائد الأعياد فحُددت على أسس مختلفة، "قد نشتري الهدايا للأطفال فقط وفق الميزانية نفسها التي نضعها في كل عام. لكن هذه المرة لم يعد المبلغ الذي كنا نخصصه يشتري هدايا قيّمة. ستكون الهدايا بسيطة ولها قيمة أقل ولو كانت مكلفة. كما كنا نقدم كلنا الهدايا لبعض، الأمر الذي لن نتمكن من القيام به هذه المرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تختلف أعياد هذا العام أيضاً بالنسبة إلى جوانا الحاج، إذ اتخذت عائلتها أيضاً قراراً بالحد من الهدايا لتقتصر على الأطفال، بعد أن كان الكل يتلقاها في السنوات الماضية. وقالت "لن نحرم الأطفال من العيد، فهو لهم وهم يترقبونه، وينتظرون الهدايا التي يفتحونها بشوق، ولن نسمح بأن يشعروا بأي تغيير. في المقابل لن يكون هناك هدايا للراشدين، لأن هذا غير ممكن مع هذا الارتفاع الذي نشهده للأسعار". ومائدة العيد ستتغير من حيث الأصناف التي ستشملها، ومن الطبيعي أن يستبدل بعضها بأخرى بما يتناسب مع الواقع الاستثنائي الذي نعيشه. لكنها ستبقى لائقة، على حد قولها وترضي مختلف الأذواق. "هدفنا أن نعيش فرحة العيد ومعانيه أياً كانت الظروف. فاجتماع العائلة الأهم، وهذا ما سنحرص عليه. أما الأنشطة الخاصة بالأعياد فأتجنبها، على رغم أنها تجذبني خوفاً من كورونا، ومن احتمال نقل العدوى لأهلي بشكل خاص".

ومع الارتفاع الكبير لأسعار سهرات رأس السنة بشكل فاق التوقعات، اختارت جوانا أيضاً أن تسهر في المنزل مع الأصدقاء، بدلاً من تحمل الأعباء المادية الإضافية لتمضية هذه السهرة.

بالنسبة إلى نديم عثمان، يبدو الوباء العائق الأساس أمام الاحتفال بشكل طبيعي في الأعياد. فقد اعتادت العائلة أن تجتمع مع الأصدقاء في سهرة رأس السنة، وذلك لن يكون ممكناً طبعاً هذه السنة، على حد قوله، بل ستقتصر السهرة على عدد محدود من الأهل والمقربين.

ويشير عثمان إلى أن الواقع الاقتصادي انعكس أيضاً على عادات الكل في الأعياد من مختلف الفئات الاجتماعية. فلا يبدو الوضع سهلاً على مَن هم من الطبقة الميسورة، لأن أموالهم محجوزة أصلاً في المصارف. لذلك سيكتفي الكل بهدايا رمزية بما يتناسب مع الوضع، إذ أن الإمكانات تراجعت بشكل ملحوظ.

أسواق مكتظة

في السياق، أفقدت الأزمات المتتالية الأعياد معناها مع زيادة المآسي التي غلبت على حياة اللبنانيين. على الرغم من ذلك، زحمة سير خانقة وأسواق تعج بالناس. هكذا بدا المشهد في الأسبوعين الأخيرين بعد انقضاء أسبوعي الإقفال العام في البلاد لمواجهة انتشار الوباء. يبدو اضحاً أنه في ظل الواقع المر السائد في البلاد، يحاول كثيرون البحث عن مصادر الفرح أينما كانت، لعل هذه الأوقات تساعدهم على التغلب على مشاعر الحزن والكآبة التي طغت على النفوس طوال الأشهر الماضية. لكن السؤال الذي يطرح هنا عما إذا كانت زحمة الأسواق تعكس الواقع السائد في هذه الفترة؟

بالنسبة إلى رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، يبدو الوضع مزرياً على الأرض من الناحية الاقتصادية ولجهة الحركة الشرائية. فمفاعيل الأزمة المالية والاقتصادية وكورونا وانفجار بيروت كانت كبيرة، وانعكست على موسم الأعياد بمعدل أكبر مما كان متوقعاً. "علّقنا آمالاً على موسم الأعياد، لكننا نعرف أن الصعوبات جمة لعدم قدرة التجار على استيراد كل الأصناف ولتراجع القدرة الشرائية للناس. قد تبدو الأسواق مزدحمة، لكن ما عدد الذين يدخلون فعلاً إلى المحلات التجارية للشراء والإنفاق؟".

انخفضت معدلات الشراء 80 أو 85 في المئة مقارنةً مع العام السابق، بحسب شماس. كان القطاع يترقب موسم الأعياد، خصوصاً بالنسبة إلى تجار الألبسة والألعاب والأجهزة الإلكترونية الأساسية في هذا الموسم. لكن بدا التراجع واضحاً بنسبة تخطت التوقعات. ففي مقابل مبيعات كانت تصل إلى 100 مليون دولار أميركي لا تتخطى اليوم 15 أو 20 مليوناً، نظراً للأزمة المصرفية وتراجع القدرة الشرائية للناس وطبعاً بغياب المزاج المطلوب للتسوق أيضاً في هذا العام.

صعوبات ومآس

ويعتبر الاستهلاك المحرك الاقتصادي الأساس، ما يزيد من المخاوف على الاقتصاد اللبناني. فالفئة الأكثر قدرة على الشراء من الطبقة الميسورة لا تتخطى 5 في المئة وفق شماس، كون الفقر يطال المجتمع كاملاً بمختلف فئاته. "اضطر التجار إلى تكسير الأسعار لعل ذلك يجذب المتسوقين على الرغم من أنهم ينتظرون موسم الأعياد لتحقيق الأرباح. ذلك لم يجد نفعاً أيضاً بسبب انعدام الثقة، خصوصاً مع عدم تشكيل الحكومة".

كذلك لم يبد المشهد مختلفاً في أسواق طرابلس، بحسب أمين سر جمعية تجار طرابلس غسان الحسامي، الذي يؤكد أن المبيعات في قطاعات الألبسة والألعاب الأكثر رواجاً في موسم الأعياد تراجعت 90 في المئة مقارنة معع العام السابق. هذا، على الرغم من أن أسواق طرابلس تمتاز بنشاط أكبر وحركة بيع لاعتبارها تقدم أفضل الأسعار. "تأثرت أسواق طرابلس مثل نظيرتها. فالحركة في الأسواق لا تأتي إلا في ظل الارتياح في المدخول. يحرص الناس اليوم على التركيز على الأولويات من غذاء ودواء بعد التراجع الكبير في قيمة العملة الوطنية والوضع المعيشي الصعب".

في هذا العام لا أعياد مع الأزمات المتتالية التي شهدناها والإقفال المتكرر بسبب كورونا ما تسبب بتزايد الخسائر، بحسب حسامي. فيما كان هذا القطاع يعول على موسم الأعياد هذا ضمن 5 محطات أساسية في العام إلى جانب أعياد الفطر والفصح والأضحى.

فإذا كان موسم الأعياد بمثابة الرافعة التي يعتمد عليها التاجر لسد العجز الحاصل وتحقيق التوازن، خصوصاً مع حجز أمواله وصعوبة الاستيراد، خابت آماله في هذا الموسم نظراً للضغوط المتزايدة على المواطنين، التي حرمتهم فرحة العيد. لكن تستمر المساعي لإدخال الفرحة في القلوب.

على الرغم من هذه الأجواء التي يغلب عليها الحزن بسبب الظروف، يبقى الإصرار على التمسك بالحياة وبفسحة الأمل لدى اللبنانيين، لعل العام الجديد يحمل معه انفراجاً وأياماً أفضل تساعد المواطن على تخطي كل ما مر به من صعوبات ومآس.