Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المأزق الكندي

كندا تعاني مأزقاً في حقوق الإنسان محورها الأديان والتسامح والعلمنة

انقسام في الشارع الكندي بشأن حقوق الإنسان في البعد الديني ("يوتيوب")

قبل أشهر قليلة، دخلت كندا في أزمة دبلوماسية مع السعودية بسبب انتقاداتها لملف حقوق الإنسان في الأخيرة بطريقة لم تقبلها السلطات السعودية. تمسّكت كندا بموقفها من حقوق الإنسان، وتمسكت السعودية بموقفها من السيادة السياسية. وانتهى الأمر بوضع العلاقات السعودية الكندية داخل ثلاجة دبلوماسية لأمد قد يطول. وفي أثناء ذلك، لم يزل الجدل في الشارع الكندي قائماً حول قانون العلمنة الذي تعتزم محافظة كيبيك الكبرى التصويت عليه قريباً، والذي ينص على منع جميع موظفي الحكومة من ارتداء الشعارات الدينية وإبراز رموزها. ولعل المراقب المحايد لهذا الأمر يتساءل ما الذي حدا بكندا أن تنتقد حقوق الإنسان في دولة تبعد عنها آلاف الأميال في الوقت الذي تعتزم فيه أن تحرم ملايين الكنديين من حقهم في ارتداء ما يرغبون من شعارات دينية سواءً كانت حجاباً إسلامياً أو قبعة يهودية أو عمامة سيخية أو صليباً أو حتى مسبحة! لماذا رأت الحكومة الفيدرالية الكندية أن تدخلها في ملف حقوق الإنسان لدولة ذات سيادة مستقلة مقبولاً من الناحية الدبلوماسية، بينما تدخلها في ملف حقوق الإنسان لمحافظة تابعة لها يعدّ خرقاً للحق الديموقراطي لهذه المحافظة؟ كيف يمكن أن يبرر السياسي الكنديّ هذا التناقض الذي يجعله يرمي الآخرين بالحجارة وبيته من زجاج؟

قد يرى البعض أن الموقفين ليسا على نفس المستوى من الإلحاح والأهمية في ميزان حقوق الإنسان، ولكن، في الحقيقة، أن عواقب هذا القانون الجديد قد تكون خطيرة لعدة أسباب. السبب الأول، أن القانون لا يفرق بين الشعار الديني والواجب الديني. فالمرأة الكندية التي ترتدي حجاباً تفعل ذلك إيماناً بوجوبه وحرمة خلعه. بينما المرأة الكندية التي ترتدي صليباً تفعل ذلك طوعاً، وتعلم أن ارتداءه أو خلعه لا يشكل حرجاً لأنه ليس واجباً دينياً مفروضاً بل ممارسة دينية طوعية. القانون لا يفرق بين الحالتين. وبالتالي، فإن أكثر المتضررين منه هم المسلمات المحجبات اللواتي قد يفقدن وظائفهن في الحكومة إذا تمسكن بالحجاب. هذا يعني تعريض فئات معينة من المجتمع الكندي إلى ضغوطات قانونية متعارضة مع المساواة التي يفترض أن تكون قاعدة أساسية في التشريع الكندي.

السبب الثاني أنه، وبالرغم من كونه قانوناً مقترحاً في محافظة كيبيك وحدها، فإنه قانون يضع سمعة كندا بأسرها في مأزق. الدولة التي تفاخر بكونها واحدة من أكثر دول العالم دعماً لحقوق الإنسان تفاجئ العالم بكونها تضيق الخناق على أبسط الممارسات اليومية لموظفي الحكومة في لباسهم. وبالنسبة لدولة مثل كندا، تعتمد بشكل أساسي في اقتصادها على استقبال المهاجرين، فإن سمعة الدولة تصبح أمراً ذا أهمية كبرى في ظل التنافس الكبير على هجرة العقول والأموال. وهو الذي تعترف به كندا وتؤكد دائماً، كما ورد على لسان وزير الهجرة الكندي السابق، أن أعظم أصل من أصول الاقتصاد الكندي هو الجنسية الكندية. 

والسبب الثالث أنه قانونٌ من شأنه أن يمهّد لقوانين أخرى أكثر تشدداً تخدم أحزاباً يمينة متطرفة ذات نزعات انفصالية. وهذا ما تحدث عنه السياسيون الكنديون أنفسهم من أن توسيع الهوة الاجتماعية والثقافية والقانونية بين محافظة كيبيك وبقية محافظات كندا إنما يمهد لمحاولات انفصال أخرى قد تنجح هذه المرة. ومن غير المستبعد أن يكون هذا القانون جزءًا من خطة طويلة المدى لإنجاح استفتاء انفصالي آخر بعد فشل الاستفتاءات السابقة في السبعينات والتسعينات الميلادية. ومن المعلوم أن محافظة كيبيك تحديداً تمنح نفسها دوناً عن بقية المحافظات الحق في استقطاب المهاجرين الذين ترغب في استقطابهم. وهذا، رغم صعوبته حالياً، قد يفتح المجال أمام سياسة انتقائية لمهاجرين يحملون ميولاً ثقافية معينة تجعل من الانفصال المستقبلي أمراً ممكناً. وهو الأمر الذي من شأنه، أعني الانفصال، أن يكون ضربة هائلة للاقتصاد الكندي قد تخرجها من قائمة الدول السبع أو الدول العشرين.

المزيد من العالم العربي