Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف حافظ الاحتياطي الفيدرالي على استقلاليته رغم ضغوط ترمب؟

ربط استمرار التيسير الكمي بتحقيق انتعاش مستهدف لأكبر اقتصاد في العالم

رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" جيروم باول (رويترز)

تعهد "الاحتياطي الفيدرالي" (البنك المركزي الأميركي) بمواصلة برنامجه للتيسير النقدي (ضخ السيولة في الاقتصاد عبر شراء السندات والأصول الأخرى) لفترة أطول مما كانت محددة في السابق، وأبقى على سعر الفائدة قرب الصفر. ما أعطى دفعة إيجابية قوية للأسواق إثر تزامن إعلان الاحتياطي مع توصل المشرّعين الأميركيين في الكونغرس إلى اتفاق على حزمة تحفيز للاقتصاد بقيمة 900 مليار دولار تقريباً سيجري التصويت عليها الخميس 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي.

كانت لجنة السوق المفتوح في "الاحتياطي الفيدرالي"، التي تحدد السياسة النقدية في الولايات المتحدة، عقدت آخر اجتماع لها هذا العام الأربعاء (16 ديسمبر) وأصدرت بياناً متوازناً حول توقعات نمو الاقتصاد الأميركي. وقال جيروم باول رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" في مؤتمر صحافي بعد الاجتماع إن البنك المركزي على استعداد لاتخاذ أي إجراءات أخرى في ضوء التطورات الاقتصادية، مشيراً إلى أن "بدء التطعيم باللقاح المضاد لفيروس كورونا يعطي دفعة للنمو وإن كان من الصعب القول إن التعافي عاد بقوة تماماً".
وربط بيان الاحتياطي للمرة الأولى المشتريات الشهرية البالغة 120 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية والأوراق المالية المدعومة حكومياً بعدد من الشروط الاقتصادية. وكان التعهد السابق أن تستمر تلك المشتريات "على مدى الأشهر المقبلة" فحسب، من دون توجيه واضح بخصوص موعد وقف البرنامج الهادف إلى مكافحة الركود. وقال البيان إن المشتريات ستتواصل "إلى حين إحراز تقدم ملموس صوب هدفَي اللجنة المتمثلَين بأقصى توظيف واستقرار الأسعار".

تقديرات إيجابية

عدّل صناع السياسة النقدية الأميركية توقعاتهم للاقتصاد في المدى القصير بشكل إيجابي، مع تقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في عام 2021 بنسبة 4.2 في المئة، مقابل توقعات بنمو بنسبة 4 بتقديرهم السابق. كما عُدّلت توقعات البطالة إيجاباً بتقدير انخفاض المعدل في العام المقبل إلى 5 في المئة، مقابل السابق بمعدل بطالة عند 5.5.
ووازن "الاحتياطي الفيدرالي" بين مؤشرات تحسن أداء الاقتصاد، التي خشي السوق معها أن يتوقف برنامج التيسير النقدي أو يُخفّض، وبين توقعات أن يكون منحى التعافي متذبذباً. وفي مقابل دعوات سابقة إلى زيادة حجم برنامج ضخ السيولة، وتقديرات أخرى بتقليل الحجم مع تحسن النمو، أُبقيَ على الحجم الشهري كما هو، مع ما يبدو أنه تمديد البرنامج بربط وقفه بالتعافي الكامل.
ويعني التعافي الكامل بحسب لجنة السياسات النقدية في "الاحتياطي الفيدرالي" استقرار الأسعار والوصول إلى عمالة كاملة في الاقتصاد (تراجع نسبة البطالة تماماً)، وتلك الأهداف قد لا تتحقق تماماً قبل عام 2023 وفق أغلب التقديرات والتوقعات. لذلك كان رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" حريصاً في مؤتمره الصحافي بعد الاجتماع أن لا يعلن "انتصاراً واضحاً" في معركة تعافي أكبر اقتصاد في العالم من تبعات أزمة فيروس كورونا.

وقال باول "في النصف الثاني من العام المقبل، سيكون أداء الاقتصاد قوياً، سنكون قادرين على إعادة الناس إلى وظائفهم، وستتمكن الأعمال من العودة إلى نشاطها، وهكذا. وتبقى المشكلة في الأشهر الأربعة أو الخمسة أو الستة المقبلة، كل ما علينا هو أن نجتازها". وردّ رئيس الاحتياطي الفيدرالي على الدعوات إلى زيادة حجم التيسير النقدي قائلاً، "لا نعتقد أن الاقتصاد يعاني من مشكلة في الظروف المالية الميسرة، بل يعاني من أثر الوباء". وامتدح باول اتفاق الحزبَين الديمقراطي والجمهوري على حزمة التحفيز الاقتصادي التي سيقرها الكونغرس الأميركي واعتبرها خطوة إيجابية لدعم التعافي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


استقلالية البنك

هكذا تقريباً مرت فترة رئاسة دونالد ترمب من دون أضرار جسيمة في استقلالية "الاحتياطي الفيدرالي" عن الإدارة السياسية، على الرغم من هجمات الرئيس وحملاته على البنك ورئيسه، مع أنه هو الذي عيّنه عام 2017. كما لم يُحسَم بعد الموقف من عشرات مليارات الدولارات المتبقية من برنامج تحفيز سابق أقره الكونغرس، وطلب وزير الخزانة ستيفن منوشين من "الاحتياطي الفيدرالي" تجميدها لينقلها إلى صندوق خاص، يصعب على الإدارة الجديدة الاستفادة منها لدعم الاقتصاد.
لكن هذا في النهاية ليس قرار "الاحتياطي الفيدرالي"، إنما يعود الأمر للخزانة – أي إنه سياسي. لكن في ما يتعلق بالسياسة النقدية، حافظ البنك المركزي على استقلاليته إلى حد كبير بمواجهة ضغط الإدارة السياسية. ويتذكر الجميع تغريدات ترمب وتصريحاته التي لطالما وصف فيها "الاحتياطي الفيدرالي" بأنه "عدو الأمة"، و"غير مبال" عندما لم يستجب له في خفض سعر الفائدة إلى الصفر أو بالسلب قبل أزمة وباء كورونا.

 وصل الأمر في يوليو (تموز) 2018 إلى حد تشبيه الرئيس ترمب، رئيس الاحتياطي الفيدرالي بأنه مثل الرئيس الصيني شي جينبينغ في عداوته لأميركا اقتصادياً. لكن "الاحتياطي الفيدرالي" لبّى طلبات ترمب إلى حد كبير في ما يتعلق بتحرير إجراءات ولوائح اقتصادية سهّلت الكثير للأعمال والشركات.
نتيجة هذا التوازن، تمكن "الاحتياطي الفيدرالي" من إدارة دفة السياسة النقدية بشكل جيد إلى حد كبير. وساعد في ذلك عدم قدرة الرئيس ترمب على تعيين شخصيات غير مؤهلة في مجلس إدارته كما حدث مع الراحل هيرمان كين الذي كان يترأس سلسلة محلات بيتزا، أو مستشارة حملة ترمب الانتخابية السابقة جودي شيلتون. اللذين لم يوافق الكونغرس على تعيينهما.
ربما ساعد الاحتياطي الفيدرالي وجود شخص مثل وزير الخزانة في إدارة ترمب، ستيفن منوشين، الذي جاء أساساً من البنك الاستثماري "غولدمان ساكس" ويُعدّ الشخصية ربما الوحيدة في إدارة ترمب التي تمزج بين الخبرة المالية الاقتصادية والمهارة السياسية، بعكس بقية مستشاري الرئيس الذين كانوا دوماً محل سخرية في الإعلام بسبب تصريحاتهم الاقتصادية والمالية.

هكذا نجح جيروم باول في إدارة دفة الاحتياطي الفيدرالي في النصف الثاني من رئاسة ترمب، وعلى الأرجح سيستمر هكذا حتى نهاية مسؤوليته في فبراير (شباط) 2022. ولا يُعرف بعد ما إذا كان الرئيس المنتخب جو بايدن سيجدّد له أم لا.