Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رفع الدعم في لبنان: تعددت السيناريوهات والضحية واحدة

الوقود والطحين والأدوية أبرز السلع ومطالب بوقف التهريب قبل الترشيد وآلية مدروسة للقرار

تشهد سيناريوهات ترشيد الدعم تفاوتاً حول الأولويات (أ ف ب)

ينظر اللبنانيون إلى خطوة رفع الدعم على أنها كارثة ستحل على مختلف الفئات المجتمعية، خصوصاً الأكثر فقراً، الذين زادوا مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، باعتباره يمس سلعاً حيوية. وبينما يقترب القرار من الخروج إلى النور تتعدد السيناريوهات، وتُقترح خطط لترشيده بوضع أولويات لمواد تستثنى نظراً إلى الحاجة إليها.

والأسبوع الماضي، صرّح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأن دعم السلع الأساسية لا يمكن أن يستمر لما بعد الشهرين المقبلين، ومن المتوقع أن سلعاً أساسية مثل الطحين والأدوية والمحروقات سيطالها القرار لكن بنسب متفاوتة، لكن، إذا كان قرار الرفع أو الترشيد خطوة أساسية مع وصول الاحتياط الإلزامي إلى خط أحمر، فما تداعياته على المواطن اللبناني في ظل الظروف الراهنة؟

في السلّة الغذائية... هل استفاد المواطن؟

تشهد سيناريوهات الترشيد تفاوتاً حول الأولويات، ولعل هذا ما أسهم في الهدر الهائل الحاصل من دون تحقيق الهدف المرجو من الدعم، إذ لم تستفد الفئة الأكثر احتياجاً، فمن وجهة نظر نقيب مستوردي السلع الغذائية هاني بحصلي، فإن "السلة الغذائية" لم تخدم الهدف منها ألا وهو مساندة المحتاجين، مؤكداً أنها لم تصل إلى الجميع، ومتسائلاً، "ما الأهم؟ أن توضع سلع غذائية مدعومة في سوبر ماركت كبير، أم أن تصل إلى الدكاكين في المناطق النائية ليستفيد منها من هم أكثر حاجة؟".

كما يشير بحصلي إلى أن الاستفادة "لم تتخط الثلث"، بينما ذهب "الثلث هدراً" لعدم التوجه إلى الفئات المحتاجة، والثلث الباقي "إلى التهريب" عبر الحدود، انطلاقاً من هذا، قد لا يكون دعم السلة الغذائية ضرورياً، خصوصاً أن كثيرين لم يستفيدوا منه، على حد قوله.

ويبدو واضحاً أن القرارات الخاطئة هي العنصر الأساسي في الهدر، ففي الوقت الذي ترزح نسبة كبيرة من اللبنانيين تحت خط الفقر، بحسب بحصلي، لم تتضح الصورة بعد، ولم تتخذ القرارات النهائية في هذا الشأن.

وأثار رفع الدعم عن الطحين ضجة في البلاد، خصوصاً من حيث الخطة الموضوعة في إطار الترشيد التي تقضي باستمراره على الخبز الأبيض حصراً، ويحكي رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال كاسترو عبد الله، ما يقوم به أصحاب المخابز والأفران الكبرى التي تحوّلت إلى "كارتيلات"، على حد وصفه، ويقول، "تتحدث الأفران الكبرى عن خسائر، ونعرف كلّنا كيف أنها استفادت من الطحين المدعوم، ونهبته لتحقيق الأرباح، واحتكرت السوق. ونعرف ما جنته من مكاسب على حساب المواطن في مقابل كلفة لا تُذكر".

وشدد عبد الله على دور وزارتي العمل والاقتصاد لمراقبة الأفران التي تحولت إلى "محال تجارية"، والتحقق من التعاطي مع المستخدمين، وتأمين حقوقهم ومن الفواتير وغيرها من التفاصيل، حتى لا يكون المواطن ضحية كالعادة. لافتاً إلى أن ثمة خداعاً واضحاً في حجم ربطة الخبز، ليحققوا الأرباح منها أيضاً.

الدواء بين الأمن والترشيد

ولم يكن الأمن الدوائي للمواطن اللبناني بمنأى عما يحدث، إذ تدور أحاديث عن ترشيد الدعم لخفض الفاتورة على الخزانة، ووضعت خطة بانتظار موافقة مصرف لبنان، ووفق نقيب الصيادلة غسان الأمين، ستبقى أسعار أدوية أمراض المستعصية والمزمنة على حالها، وبحسب الخطة المطروحة، ستكون أسعارها على أساس سعر الصرف الرسمي، معتبراً أنه لا يمكن رفع أسعارها، لأن الجهات الضامنة لن تستمر عندها بالتغطية، وستحل كارثة اجتماعية كبرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما بالنسبة إلى أدوية الأمراض الحادة، فسيُرفع الدعم عنها جزئياً لتصبح أسعارها على أساس سعر المنصة الإلكترونية، وسيؤدي ذلك، بحسب الأمين، إلى مضاعفة سعرها، لكن ثمة بدائل لها، والأدوية التي يمكن الحصول عليها من دون وصفة طبية، فهي التي قد يُرفع عنها بشكل تام، ما يسمح بتوفير مبلغ يصل إلى 100 مليون دولار على الخزانة، وثمة اقتراح آخر بأن يُرفع عنها الدعم جزئياً، مثل أدوية الأمراض الحادة، وعندها يمكن توفير مبلغ 53 مليون دولار من الدعم.

ويقول الأمين إن الوضع لم يكن ليصل إلى ما هو عليه لو لجأت الوزارات السابقة إلى التخطيط. موضحاً أن "ثمة خطة أنادي بها من سنوات طويلة لفتح المجال لاعتماد الأدوية "الجينيريك"، التي لا تختلف إلا من حيث الاسم التجاري. هناك تعاط جدي معها أخيراً، لما يمكن أن تلعبه من دور إيجابي على الفاتورة الدوائية، بعيداً عن مصالح الشركات. الخطط الإصلاحية لم تكن يوماً موجودة، وإلا لكان الوضع أفضل بكثير".

رفع الدعم عن الوقود

الوقود أيضاً من المواد التي أصبحت في مرمى الترشيد، ولو بشكل جزئي، وهو ما أثار ارتباكاً بين المواطنين. في الاجتماع الذي عُقد بين مجلس الوزراء والشركات المعنية في القطاع، بدا واضحاً لنقيب أصحاب محطات الوقود في لبنان سامي البراكس أن الاتجاه نحو رفع الدعم عن الوقود أو على الأقل إلى خفضه بنسبة معينة.

ومن المتوقع أن يحدث ذلك على مرحلتين، تبدأ الأولى بنسبة 40 في المئة، ما يؤدي إلى رفع سعر صفيحة الوقود قريباً، وبالنسبة إلى المازوت، يشير البراكس إلى أن ثمة إصراراً على استمرار دعمه على الرغم من اعتراض بعض الآراء المغايرة، ويقول، "هناك اتجاه لتحديد الأولويات في المواد التي سيستمر دعمها، ويبقى المازوت من الأولويات".

دعم بمفهوم خاطئ

وبحسب المحلل الاقتصادي جاسم عجاقة، فإن الحديث عن مفهوم الدعم بهذا الشكل "خاطئ بالأساس"، موضحاً، "هو قرار حكومي بدعم سلع استهلاكية معينة أو خدمات، ويُدفع الفرق من الخزانة العامة، وتوضع ضمن الموازنة العامة للسنة التي يبدأ فيها القرار. لكن ما يقوم به مصرف لبنان ليس في الواقع دعماً بمفهومه الحقيقي، إنما هو يؤمّن الدولارات على سعر الصرف الرسمي أو على سعر المنصة الإلكترونية، وبالتالي فاستخدام مفهوم الدعم هنا ذو طابع تسويقي، ولا يعكس واقعاً اقتصادياً. والحديث عن رفعه هو تحرير كامل لسعر صرف الليرة".

من جهة أخرى، يشير عجاقة إلى أنه عندما اتخذت الحكومة قرار الدعم، كانت تدرك تماماً أن "ثورة اجتماعية ستحدث بوجود سوق سوداء لليرة اللبنانية"، مضيفاً، "اتُخذ القرار من دون تحديد آلية واضحة. كانت قرارات خاطئة تسببت بهدر الدولارات من دون مبرر"، وتابع، "يبدو مشهد الهدر واضحاً في ظل تهريب السلع إلى الكويت وتركيا وغانا وسوريا، إضافة إلى المحروقات. أذكر جيداً الحديث الصريح لأحد النواب عندما أشار إلى أن البضائع المدعومة لا تدخل إلى لبنان، بل تتجه مباشرة إلى حيث تباع، ما يشكل فضيحة واضحة وحقيقية".

وهذه الفوضى العارمة في القرارات غير المدروسة المتخذة تلقي بأعبائها على المواطن، ومن مواضع الخلل التي يذكرها عجاقة، "عدم وجود آليات رقابية" ترتقي إلى المستوى المطلوب، في ظل مافيا أصحاب النفوذ التي تؤثر في القرار السياسي، وكان التركيز بشكل أساس على تشكيل الحكومة والحصول على دعم صندوق النقد الدولي في ظل غياب خطة مقابلة مدروسة لتحقيق الحد الأدنى من التوازن.

هدر هائل

وتصل كلف الاستيراد التي يتحملها مصرف لبنان إلى حوالى 700 مليون دولار شهرياً، وبحسب عجاقة، فإن الخطة التي يجب العمل عليها للحد من الخسارة هي الترشيد بطريقة مدروسة، موضحاً، "بدلاً من أن تشمل السلة الغذائية 300 سلعة، منها ما لا يستهلكها إلا قلّة من المواطنين مثل الكافيار، يمكن تحديد خوالى 40 منها أساسية يحتاج إليها المواطن ذو الدخل المحدود".

كما أن دعم أكثر من 1500 نوع دواء غير منطقي، في الوقت الذي يمكن فيه مساندة الأدوية "الجينيريك" وكذلك الخاصة بالأمراض المستعصية، وينخفض إلى حوالى 200 صنف دواء، فأسلوب الدعم حتى اللحظة لا يعتبر مبرراً ولا منطقياً، هذا من دون أن ننسى عملية تهريب المحروقات الكارثية.

وأضاف أن خفض الدعم ممكن، لكن بشكل لا يتأذى فيه المواطن كثيراً. كما يسمح بالحد من التهريب ليصبح أقل فائدة للمهربين مع المراقبة من قبل الأجهزة الأمنية، ووزارة الاقتصاد بدأت بالعمل على الترشيد ولو متأخرة، لكن الترشيد إلى جانب وقف التهريب ووضع آلية مدروسة متكاملة بين مختلف الجهات المعنية للرقابة يسمح بخفض معدل الاستيراد إلى 300 أو 350 مليون دولار شهرياً، وهو مبلغ يمكن تغطيته بالتصدير ما يساعد في حل المشكلة، لكن تبقى هنا مشكلة أساسية تتمثل في أن التجار والصناعيين الذين يصدرون، يدخرون العائدات خارج لبنان، فلا يستفيد منها القطاع المصرفي لتزويد المستوردين.

ويراهن عجاقة على الآلية الرقابية وفق نظام متكامل بين الوزارات المعنية والأجهزة الأمنية لمنع التهريب، معتبراً أنها ضرورية لضمان عودة عائدات التصدير إلى القطاع المصرفي، للاستفادة منها في الاستيراد.

المزيد من العالم العربي