Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دبلوماسية "حوض الأحمر" هل تحمي الملاحة البحرية من الاعتداءات؟

تشهد المياه التي تتشاركها السعودية مع مصر والسودان هجمات متزايدة أخيراً

تتعرض السفن التجارية في البحر الأحمر إلى اعتداءات متواصلة في الآونة الأخيرة (أ ف ب)

لم يكن العبور من خلال البحر الأحمر بالنسبة إلى السفن التجارية الدولية يشكّل نزهة في أي وقت من الأوقات، وهو البحر الذي يقسم الشرق الأوسط المضطرب نصفين، ويمر من خلاله.

غير أن الاضطرابات وعمليات الاستهداف التي كانت تطال العبّارات وسفن الشحن، حتى العسكرية، لم تكن تتجاوز عنق البحر الجنوبي في مضيق باب المندب، في حين ظلت المنطقة الطويلة التي تطل عليها سواحل السعودية ومصر والسودان شبه آمنة من قوارب المعتدين.

إلا أن هذه المياه التي تشهد سنوياً مرور بضائع وسلع بنحو 2.5 تريليون دولار، ما يشكّل قرابة 13 في المئة من التجارة العالمية، بحسب تصريحات رسمية، لم تعُد في الآونة الأخيرة بالهدوء المعتاد، بعدما باتت هجمات ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران تسابق هجمات القراصنة التي نشطت في وقت سابق قبالة سواحل الصومال وفي خليج عدن.

الحوثي القرصان الجديد

ميليشيات الحوثي التي امتهنت حروب الجبال عقوداً طويلة، عرفت بوصلتها أخيراً طريق البحر، لكن على طريقة الجبال التي تمرّست عليها. فذلك النوع من الحروب الذي يتجنّب أشكال المواجهة، وتسديد ضربات دقيقة ومحدودة بات يستخدم على الصعيد البحري، عن طريق المياه المقابلة للشواطئ التي تطلّ عليها الميليشيات.

وأعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، الذي تقوده السعودية في نوفمبر (تشرين الثاني) فقط، عدداً من عمليات الاستهداف والقرصنة التي طالت سفناً في البحر الأحمر. وقبل أسابيع من الآن جرى استهداف سفينة تجارية قبالة سواحل البحر الأحمر، تورط فيه الطرف ذاته، بحسب المتحدث باسم التحالف العميد تركي المالكي.

وكانت السفينة التجارية لمشغّل يوناني أبحر من مرفأ سعودي، قبل أن يستهدفه لغم بحري تسبب بأضرار لجزء من هيكله، بحسب شركة "أمبري" البريطانية للأمن البحري.

ولم يتوقف الهجوم عند هذا الحد، فقد أضاف المتحدث أن بلاده نجحت في "تدمير زورق مفخخ وإحباط عمل إرهابي يستهدف الملاحة جنوب البحر الأحمر". وسبق هذا الإعلان بيوم، تدمير التحالف ألغاماً بحرية في جنوب البحر، إيرانية الصنع من نوع "صدف"، مشيراً على لسان متحدثه إلى أنه "أزال ودمر ما مجموعه 163 لغماً بحرياً نشرتها الميليشيات الحوثية بشكل عشوائي في تلك المياه".

وفي الشهر ذاته أيضاً، اعترفت الميليشيات باستيلائها على ثلاث سفن في البحر الأحمر، من بينها سفينة سعودية كانت تقطر حفاراً بحرياً لكوريا الجنوبية في المياه الدولية قبالة اليمن.

سلسلة العمليات التي بدأت الجماعة التي تستولي على المنفذ البحري في محافظة الحديدة تنفيذها، منذ سيطرتها على السلطة في صنعاء وبدء الحرب في البلاد، باتت تشكّل هاجساً متزايداً في الأسابيع الأخيرة عقب تصعيدها هجمات القرصنة التي بدأت بالزحف شمالاً في البحر الأحمر، الذي ظل محميّة تجارية للدول الكبيرة على ضفتيه.

الأمر الذي بات يستدعي تعاملاً جديداً من قبل الدول المشاطئة لهذه المساحة المائية المهمة للتجارة الدولية ولتجارة الدول الثلاث الكبيرة حول الحوض الأحمر.

عُنق البحر

ونتيجة لذلك، شهدت الأيام الماضية نشاطاً دبلوماسياً بين العواصم المشاطئة، بدأت بين القاهرة والرياض، بعد أن زار وزير الخارجية المصري سامح شكري العاصمة السعودية، على رأس وفد ضمن أعمال لجنة المتابعة والتشاور السياسي بين البلدين.

وتناول شكري مع نظيره الأمير فيصل بن فرحان، ملفات المنطقة التي يسهل التنبّؤ بقضاياها الكثيرة، إلا أن حضور سلامة وأمن مياه البحر الأحمر بشكل رئيس في البيان الختامي كان لافتاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فالقمة الوزارية التي شهدها اليوم الأول من ديسمبر (كانون الأول)، أكد فيها الطرفان أهمية ضمان حرية الملاحة في المياه الإقليمية على رأسها البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مندّدَين بأي محاولة لضربها، إضافة إلى الخليج العربي الذي لم يهدأ في يوم من الأيام. وعبّر الجانب المصري عن رفضه أي اعتداءات على أراضي السعودية ومياهها، داعياً إلى ضرورة العمل المشترك ضمن هذا الملف.

وعلى الرغم من بعد القاهرة عن أي استهداف مباشر لسفنها حتى الآن من قبل القراصنة الجدد، فإنها تعي تماماً ماذا يعني خنق البحر الأحمر من عنقه الجنوبي على سلاسة الملاحة وعبور السفن التجارية عبر قناتها المائية المهمة (السويس)، التي تسيطر على العنق الشمالي لهذا البحر الكبير، إذ تسبب نشاط عمليات القرصنة في العقد الأول من القرن الحالي، في توتير عملية الشحن التجاري والنقل من خلال المعبر، بعد أن تحوّلت المناطق المطلة على خليج عدن والمضيق اليمني إلى منطقة عسكرية مليئة بالقواعد من كل دول العالم لحماية سفنها.

فضلاً عن ذلك، تمتلك مصر تجربة صعبة مع القراصنة في هذه المضيق بالتحديد، إذ إنها خاضت معارك مع الذين أتوا من القرن الأفريقي، كان أبرزها الاحتجاز الذي تعرّض له مركبا "ممتاز 1" و"سمارة" في 2009، قبل أن تنجح السلطات في تحرير ركاب السفينتين بعملية مشتركة مع القوات اليمنية في حينها.

الأمر الذي بات يستدعي تعاملاً جدياً وتنسيقاً مختلفاً، يحضّر لأي مرحلة مقبلة تضطر فيها هذه الدول إلى لعب دور يبقي 13 في المئة من التجارة الدولية في مأمن.

السودان بات جزءًا من الإجماع

منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، لعبت الرياض دوراً رئيساً في الجهود التي تحاول أن تعبر بالسودان من المرحلة غير المستقرة التي يعيشها.

وكان العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز قد استقبل في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، في أول زيارة خارجية مشتركة للمسؤولين السودانيين منذ تأسيس هياكل السلطة الانتقالية في البلاد بموجب الوثيقة الدستورية الموقّعة بين المكونين العسكري والمدني في 17 أغسطس (آب) 2019.

وتمخّضت العلاقات المتجددة بين البلدين، بزيارة أجراها وزير الخارجية السعودي أمس الثلاثاء، أي بعد أسبوع من قمة الرياض مع جارتها مصر، الذي يسعى من خلال هذه الجهود التي تتطابق مع خطوات مشابهة بين القاهرة والخرطوم، إلى إعادة الدولة الكبيرة المطلة على البحر المشترك بينهم إلى طاولة الإجماع والقرار الموحد، في القضايا التي تشكّل همّاً جماعياً للثلاثي العربي الكبير.

ولم تختلف أجندة اللقاء الذي جمع الوزير السعودي مع البرهان، عن ذلك الذي جرى قبل أسبوع، وهو الذي تناول أهمية التعاون المشترك لتأمين مياه البحر الأحمر من العمليات التي تستهدفه، في حضور جديد للسودان في قرار الإقليم بعد سنوات من الانعزال الذي مارسته حكومة الإسلاميين التي أطاحتها الثورة.

هذا الملف الذي من المتوقع أن يتصدر الملفات ذات الاهتمام المشترك الذي سيطرحه الطرفان في لقاءاتهما المقبلة، هو أحد دوافع الدعم الكبير الذي تتلقاه الخرطوم من الرياض لترتيب المرحلة الانتقالية، بخاصة أن ضمان استقرار السودان شرط أساسي لضمان استقرار الحوض المائي المهم لحركة التجارة الدولية. في هذا السياق، يقول مساعد اللحيان، الباحث في العلاقات الدولية إن "أهمية السودان بالنسبة إلى السعودية تبدأ من كون الخرطوم أحد أكبر الدول المطلة على البحر الأحمر، هذا البحر الذي يشهد في الآونة الأخيرة حركة استهداف وقرصنة للسفن التجارية التي تمر به"، مضيفاً، "لذلك يحتاج هذا البحر إلى تعاون واسع من الدول المشاطئة له، ما يرفع من أهمية تعميق التعاون بين البلدين".

وفي الصدد ذاته، يتابع اللحيان "يمكن ملاحظة هذه الأهمية من سعي السعودية المستمر لإنقاذ السودان اقتصادياً، حتى في السنوات الأخيرة للنظام السابق عندما وظّفت ثقلها الدبلوماسي لرفع العقوبات عن الخرطوم منذ 2016"، وهذه المحاولات دلالة "على أن الرياض تدرك أن استقرار الخرطوم مهم لأمان حركة الملاحة"، التي تشكل الرابط الرئيس بين البلدين.

وتمثّل الحرب المشتعلة في اليمن كما كانت في الصومال قبل سنوات طويلة، عجلة الدفع التي تخلق حالة "اللااستقرار" التي يعيشها "حوض الأحمر"، ما يعتبر هاجساً كبيراً بالنسبة إلى دوله التي تضطلع باستحقاقات اقتصادية مهمة يجسّد البحر الممتد بين القارتين طريقاً رئيساً له.

المزيد من تحلیل