Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما دلالات فوز تشاد بـ "أمانة التعاون الإسلامي"؟

الدولة الأفريقية عانت عزلة سياسية وثقافية وصارت لا تُذكر إلا على هامش التوترات في إقليمها

فوز السياسي والدبلوماسي التشادي حسين إبراهيم طه بمنصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي (أ ف ب)

 

جابهت تشاد تحديات أمنية متزايدة خلال الفترة الأخيرة، ولكنها أثبتت تعاونها في مكافحة الإرهاب مما قادها إلى دائرة الضوء، وحصلت على مزيد منه بفوز السياسي والدبلوماسي التشادي حسين إبراهيم طه بمنصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة، يوم السبت 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، خلفاً للأمين العام يوسف بن أحمد العثيمين الذي وصل إلى نهاية ولايته هذه الدورة.

ويعكس ترشيح طه الذي زكته السعودية مع توافق المجموعة الأفريقية، مبادئ التوزيع الجغرافي العادل والتداول وتكافؤ الفرص بين الدول الأعضاء، كما يعكس اهتمام المملكة بعلاقات الجوار الأفريقي، خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد زعزعة داخلية، وتكالباً دولياً على أفريقيا من دون اعتبار لأمن محيطها الإقليمي، وهو كذلك فرصة لتبرز تشاد دورها في المنظمات الدولية.

والأمين العام الجديد ليس غريباً على منظمة التعاون الإسلامي، إذ شغل ملف المنظمة خلال توليه وظيفة مستشار أول في سفارة بلاده في السعودية، كما شغل مناصب عدة في منطقة الشرق الأوسط، ومنصب سفير بلاده لدى تايوان وفرنسا، وسفيراً غير مقيم لدى الفاتيكان، كما شغل منصب وزير الخارجية، ومنصب نائب الأمين العام لرئاسة الجمهورية التشادية.

فراغ استراتيجي

على الرغم من أهمية وقوع تشاد في حوض بحيرة تربط شمال أفريقيا مع شرقها وغربها، وفي طريق سلكته القوافل الدعوية والتجارية قديماً من الجزيرة العربية عبر السودان، مروراً بها إلى أفريقيا وجنوب الصحراء، إلا أنه مع التاريخ الحديث أحاطت بها عزلة سياسية وثقافية، فأصبحت لا تُذكر إلا على هامش أحداث حرب دارفور في السودان، أو خلال التوترات في ليبيا. هذا الواقع أنتج فراغاً استراتيجياً، ولكن بعد تولي الدبلوماسي التشادي موسى فكي منصب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في 14 مارس (آذار) 2017، تغيرت النظرة إلى تشاد، وأصبحت جزءاً من حركة التفاعلات الإقليمية التي شغلت الفراغ جزئياً. وهناك أيضاً طلب تشاد بقبولها كمراقب في جامعة الدول العربية، واعتماد العربية لغة رسمية إلى جانب الفرنسية.

 وبحصولها أيضاً على منصب الأمين العام للمنظمة، فإن الميزة التي تحققها تشاد من ذلك مدعّمة بحقيقة أن منظمة التعاون الإسلامي لا تقيد نفسها في هوية إقليمية معينة، ولكن وجودها في الأمانة العامة لهذه الدورة سيلعب دوراً في إعادة صياغة مفاهيم جديدة للمصلحة القومية للدول الأعضاء، بحكم عضويتها وسياقها الجغرافي بالنسبة إلى أفريقيا، إذ بإمكانها تعزيز علاقة تعاون مثمرة ومستقرة، واتخاذ أي قرار بالإجماع على مستوى الأعضاء، سيكون له اعتبار على الوضع الإقليمي في نطاق أفريقي – عربي، وكذلك فإن المنهج العملي الذي تتبناه المنظمة، يجعل الاتفاق على الأطر العامة يتجه نحو العقلانية، وعدم التدخل المسيّس الذي يشوب بقية المنظمات الإقليمية، وسيسد ذلك حاجة عدد من الدول الأعضاء الضعيفة التي تعتمد على المنظمات في أزماتها الإنسانية، عوضاً عن حكوماتها. وتتمثل الأهمية الثانية في أن المنطقة المحورية التي تشغلها تشاد أصبحت مسرحاً للتنافس الإقليمي والدولي، نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية المتزايدة، وكذلك بيئة لنشاط الجماعات الإرهابية التي تحاول خلق نفوذ يحيط بها من غرب أفريقيا إلى شرقها، مُشكّلة حزاماً إقليمياً ملتهباً.

مكافحة الإرهاب

كان عنوان الدورة الـ (47) لمجلس وزراء الخارجية للدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي التي انعقدت في نيامي بالنيجر في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، هو "التحديات الأمنية والإنسانية التي تواجهها دول الساحل الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي". وطوال السنوات الماضية، ظلت تشاد تعاني هجمات إرهابية من عناصر "بوكو حرام"، وانتقالهم إلى داخلها رداً على إرسال السلطات التشادية قوات إلى نيجيريا والنيجر والكاميرون ومالي، مما دعاها إلى التنسيق مع هذه الدول ضد المجموعة المسلحة التي تستهدف بلدان بحيرة تشاد، إذ يُعد جيشها من أكفأ جيوش المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال هذا العام، وقعت هجمات إرهابية في 23 مارس (آذار) في "بوما"، أسفرت عن مقتل 98 جندياً، وجرح 47 آخرين، بالتزامن مع هجوم على مركبات عسكرية في ولاية يوبي بنيجيريا في اليوم نفسه، خلّف أيضاً مقتل 47 جندياً.

ومنذ العام 2015، علّقت تشاد نشاط بعض المنظمات الإنسانية الإسلامية غير الحكومية، في محاولة للتصدي للتطرّف الديني، وفق مراقبة عامة لعمل المنظمات، إذ ذكرت الحكومة أن بعضها ارتكبت مخالفات، ولا تحترم كراسات الشروط أثناء مزاولتها أنشطتها المرخصة من طرف وزارة الداخلية. ولم يردع هذه الجماعات الرد الذي نفذته قوة العمل الإقليمية المشتركة متعددة الجنسيات، التي تضم عشرة آلاف جندي من دول بحيرة تشاد، والتي تشكلت العام 2015 لمحاربتها، إذ تفاقم خطرها بعد انشقاقها إلى مجموعتين، بايعت إحداها تنظيم "داعش" في ولاية إقليم غرب أفريقيا.

 وإضافة لإرسال جنودها إلى بحيرة تشاد، تستضيف إنجامينا مقر عمليات القوة الإقليمية الفرنسية لمكافحة المتشددين، وتتكون من 3 آلاف جندي تُعرف باسم "بارخان"، بدأت تشكيلها مطلع أغسطس (آب) 2014 بالتعاون مع أربع مستعمرات فرنسية سابقة على الساحل الأفريقي، وهي مالي وبوركينا فاسو وموريتانيا والنيجر، ويُشار إليها باسم "جي 5 الساحل".

اتجاه وقائي

 وضعت تشاد من جهتها حداً توقف عنده تمدد نفوذ هذه التنظيمات الإرهابية إلى خارج حدود غرب ووسط أفريقيا، حتى لا تجد مجالاً للتوسع أكثر، والوصول إلى منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في حال التآلف مع تنظيم الشباب الصومالي، كما نفذت اعتماداً متبادلاً بينها وبين دول البحيرة لتقطع سعي التنظيمات الإرهابية إلى نشر التوتر في أفريقيا جنوب الصحراء. وتتحرك هذه التنظيمات من خلال دافعين، الأول نشر أفكارها وأيديولوجيتها بقوة السلاح، والثاني يتمثل في التواؤم مع بعض التنظيمات المتشددة، ومنافسة البعض الآخر وفقاً للمكاسب التي يمكن أن تحققها في أي من الحالتين.  

 هناك عمليات ذات صبغة رسمية لتطوير الأمن الإقليمي، لا تقع أعباؤها أو مهماتها مباشرة على منظمة التعاون الإسلامي منفردة، وإنما بالتنسيق مع بقية المنظمات الإقليمية، ويمكن أن يتم ذلك وفق استراتيجية تخضع للتوجيه السياسي للبلدان ذات الصلة، لتكون دليلاً سياسياً يفكك تعقيدات التمدد ويوفر اتجاهاً وقائياً، إذ تتعلق هذه الزاوية بالأمن القومي والجوار المتوتر، وحتى لا يربطها المتطرفون وجماعات الإسلام السياسي بالدِين، مثلما أعربت تركيا من قبل عن قلقها من طرد تشاد منظمات إسلامية غير حكومية.

سياق التعاون

 أبرزت منظمة التعاون الإسلامي اهتمامها بالأبعاد الأمنية لعدد من المناطق التي تشمل عضويتها مثل دول الساحل، وعلى الرغم من أنه ليست لديها سياسة أمنية مثل المنظمات الأخرى، إلا أنها مؤهلة لأن يكون لها دور في الاستراتيجية الأمنية المشتركة في سياقها، وبالطريقة التي تناسب كيانها. إذاً، فما هو مركزي بالنسبة لمنظمة التعاون يتمثل في توسيع دورها المحدود في الحفاظ على علاقات سلمية بين الدول، إلى أن تكون فاعلة في حل المشكلات الدولية، على أنها ليست معنية بالوحدة الدينية فقط، لكنها تلعب أيضاً دوراً مهماً في القضايا الأمنية والاستراتيجية، إذ تُعد منظمة التعاون أحد نماذج المنظمات المهمة الملتزمة بالاندماج وفق شروط عضويتها، كما تحاول بهدوء تعويض ما لازم بعض المنظمات الإقليمية من جدل حول خلافات الدول السياسية، والتفسير المناقض لأشكال الفهم التقليدية للسلطة والقوة.

وفي حين أثبتت إجراءات المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى فشلها في احتواء التوترات والصراعات القائمة في أفريقيا، فإنه من الممكن أن تسد منظمة التعاون الإسلامي بعض الثغرات بتوسيع دائرة التعاون في ما بينها، خصوصاً أن بقية المنظمات الإقليمية تمت تهيئتها منذ استقلال دولها الأعضاء على مستوى واحد من التهديد المرتكز على أفكار تحررية، فنشأت على أساس المواجهة لا على وضع الحلول.

المزيد من تحلیل