Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوم اندلع ربيع باريس انطلاقا من المكتبة السينمائية

ماذا لو كان الوزير أندريه مالرو على حق في معركته ضد لانغلوا؟

هنري لانغلوا يحمل جائزة أوسكار فاز بها عام 1974 (غيتي)

حدث ذلك يوم التاسع من شباط (فبراير) 1968. وكانت مضت ستة أعوام على نزول الباريسيين إلى الشارع للمرة الأخيرة يتظاهرون. إذ منذ نالت الجزائر استقلالها، لم يكن ثمة ما يغري الطبقة المثقفة الباريسية بالتظاهر.

في ذلك اليوم، نزل مئات المثقفين إلى الشارع، وتحديداً، للتظاهر ضد واحد من كبار المثقفين الفرنسيين، بل الرجل الذي كان يجسّد، وحده تقريباً، نمطاً معيناً منهم، يمكن وصفه، بحسب الطريقة الغرامشية بـ "شغّيل الفكر والعمل": أندريه مالرو. لكنهم لم يثوروا ضد مالرو لأنه مثقف، بل لأنه وزير للثقافة، وبصفته هذه وقف بقوة وعناد ضد مثقف آخر، من نمط مختلف بالطبع، هو هنري لانغلوا، مؤسس المكتبة السينمائية الفرنسية وسيّدها. كان مالرو راغباً في إقالة لانغلوا، أما المثقفون الفرنسيون وعلى رأسهم أقطاب الموجة السينمائية الجديدة، فيريدون للانغلوا أن يظل سيّداً في المكان الذي أسّسه. وحمي وطيس المعركة.

وانتصر الوزير

كان الانتصار الأول للوزير لكن تلك التظاهرة التي شهدتها شوارع منطقة التروكاديرو، كانت الإعلان الأول عن أحداث أيار (مايو) التالية، وإشارة أساسية للشرخ العميق الذي بات قائماً بين الدولة الديغولية والطبقة المثقفة، وهو ما نراه واضحاً في الدقائق الأولى من فيلم الإيطالي برناردو برتولوتشي "الحالمون" كما في لحظات عديدة من فيلم الفرنسي ميشال هادجيفيسيوس. فيلمان يعتبران الأهم في محاولة التأريخ للمنسي مما حدث في ربيع باريس مايو (أيار) 1968 أو هذا ما يحاول أن يوحي به كل على طريقته، بدور مفترض لعبته الأحداث العنيفة التالية لتلك الاحتجاجات السينمائية فأدت دوراً أساسياً على الضدّ من نظرة كثر من المناضلين السياسيين المؤدلجين ممن يريدون دائماً نكران دور السينما في الأحداث.

مهما يكن من أمر هنا، ليست غايتنا العودة إلى تلك الحقبة وسجالاتها، بل نهدف إلى شيء آخر قد ينطلق من تلك الظروف ليصبّ في ذلك الصراع الذي احتدم بين حساسيتين ثقافيتين لكل منهما مبرراتها وأهدافها، ومناصريهما، ما يصعب القول اليوم أن هذا الجانب منهما كان يمثل دور الطيب المحقّ والآخر دور الشرير المفتري.

مع هذا يمكن القول بشكل عام هنا، إن التقدميين النخبويين في العالم كله كانت عواطفهم إلى جانب لانغلوا، بينما عقول معظمهم تحاول أن تفهم كيف يمكن لمثقف ومبدع كبير من طينة أندريه مالرو، أن يُسب ويهاجم وكأنه سياسيّ نازي، لا سيما من جمهرة مثقفين راحوا يكتبون اسمه مقروناً بكلمة ثقافة culture مع تغيير الحرف الأول منها لتصبح kulture إيحاء إلى "نازية" مفترضة عما كانه مالرو الذي يعرف الجميع أنه وضع حياته وأدبه وثقافته في خدمة النضال ضد النازيين! كان ظلماً كبيراً لكن المؤكد أنه كان نوعاً من الرد المتطرف والاستفزازي على ما كانوا يعتبرونه ظلماً يمارسه الوزير الديغولي ضد واحد من الوجوه الثقافية الأكثر بروزاً في الحياة الاجتماعية الفرنسية ذلك الحين.

الشرخ بين أبناء الصف الواحد

طبعاً يبدو هذا اليوم غامضاً وغريباً ويخلو من المنطق بخاصة أن الواقع يفترض بـ"المتخاصمَين" أن يكونا في صف واحد. لكن الأهواء لعبت لعبتها وقام الصراع الذي كان لا بد فيه لأندريه موروا ان يبحث عن دعم... اليمين الرجعي له، وهو يمين دائماً ما وقف ضدّه وناوأه، فيما وجد هنري لانغلوا نفسه مدعوماً من كل المتطرفين اليساريين الذين لم تكن المسألة بالنسبة إليهم "حكاية رمانة بل قلوب مليانة" بحسب ما يفيدنا قول عربي مأثور.

 

لئن كان الوزير الأديب قد فرض رأيه في ذلك الحين منتصراً على سيّد المكتبة السينمائية الفرنسية لا سيما حين اتخذت الأحداث سمات أقل ثقافية وأكثر دموية وتمكن الجنرال ديغول من جرّ قطاعات من الجيش إلى جانبه وتراجع الشيوعيون المناصرون لموسكو عن دعم جماعات اليسار المتطرف والتنظيمات الديمقراطية فصارت السينما وثقافتها ومكتبتها من آخر همومهم، فإن تنحية لانغلوا لم تستتبع في الحقيقة أية إطاحة للمكتبة ولا الثقافة السينمائية. كان لانغلوا الوحيد الذي أطيح به. من هنا، حين رأى أهل السينما أن مخاوفهم لم تكن في محلها، أُقفل الملف وعادوا يتذكرون أن  مالرو كان سينمائياً أيضاً ولعب دوراً كبيراً في نهضة الثقافة الفرنسية. انتهت المسألة بالنسبة إليهم مع تبجيل للانغلوا راح يتضاءل تدريجاً فيما المؤسسة التي كانوا يخافون عليها، تزدهر لتصبح لاعباً أساسياً في الحياة الثقافية الفرنسية.

سيّد المتحف في المتحف

أما هنري لانغلوا الذي انطوى بعد ذلك في مهب النسيان، فراح هواة السينما وأصدقاؤها يعودون بين حقبة وأخرى لتذكره في مناسبة أو غيرها في كل مرة يدور فيها الحديث على السينما والمتاحف ومراكز حفظ تلك الذاكرة المتعلقة بفن يرى كثر أنه إن لم يكن في طريقه إلى الاختفاء، فعلى الأقل في طريقه ليتبدّل وأساليب حفظه جذرياً.

يعرف أهل السينما وثقافتها أن لانغلوا كان في مقدمة الذين أمضوا عمرهم للحفاظ على ذاكرتها، التي جعل لها صرحاً في باريس امتد شعاعه ليشمل العالم كله. ولانغلوا الذي مات عام 1977 منسياً، ولد العام 1914 في أزمير في تركيا من أبوين فرنسيين وأولع بالسينما منذ كان طالباً ثانوياً في باريس، وأسّس في عام 1935 "حلقة السينما" التي كانت واحداً من أهم نوادي السينما الباريسية في ذلك الحين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صحيح أن المكتبة السينمائية الفرنسية لم تكن الأولى من نوعها في العالم، حيث مدن مثل ستوكهولم وبرلين ولندن ونيويورك، كانت سبقتها، التي أسسها لانغلوا حملت كل سمات العمل الممنهج، الواعي، المحافظ على ذاكرتها. من هنا كان من الطبيعي منذ تأسست في 1936، أن تصبح الصرح الرئيسي لأن لانغلوا عرف كيف يستقطب من حوله عشرات ثم مئات من محبي السينما وينظم عروضاً لأفلام نادرة أعد ترتيبها وإصلاحها، وتابع اكتشاف الضائعة.

انتصار المنهزم

من هنا يقال أن "السينماتيك الفرنسية" كانت المدرسة الأساسية التي خرجت معظم السينمائيين الفرنسيين. يضاف أنها بدأت تفقد أهميتها وتلتحق إلى حد ما بالسينما الأميركية منذ اللحظة التي غاب فيها لانغلوا.

منذ الهزيمة التي أحاقت بلانغلوا على يد أندريه مالرو، وبعد الحماسة الأولى التي أبداها المثقفون الفرنسيون - وفي خارج فرنسا أيضاً – للأول ضد الأخير، بدأ الكلام يكثر عن سوء إدارته وعن تركيزه العمل كله من حول شخصه. هكذا بدأ يفقد أهميته، حتى وإن كان انصرف عند أوائل سنوات السبعين إلى تأسيس متحف السينما، متجولاً في أميركا الشمالية، مكرماً محاضراً. وعندما مات في يناير (كانون الثاني) 1977، كان من الواضح أن أرثه سوف يكون ثقيلاً، وأن كثيرين سيرون أن مالرو لم يكن مخطئاً كل الخطأ في موقفه منه. اليوم، بعدما انتهى كل ذلك وصار لانغلوا نفسه جزءاً من ذاكرة السينما وتاريخها تستعاد ذكراه ويرى كثيرون أن مئوية السينما تدين لذلك المتفرد المتوحش الفوضوي، بجزء كبير من ذاكرتها، وأن محبي السينما يدينون له بالكثير.

المزيد من ثقافة