Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجدد الحديث حول صحة بوتين يفتح الباب أمام "التأويلات"

مجلسا الاتحاد والدوما في سباق "محموم" لتأمين الرئيس الروسي بهدف حماية مستقبل الدولة

سبق للرئيس فلادمير بوتين أن منح الحصانة لسلفه بوريس يلستين (غيتي)

عاد الحديث مجدداً حول الحالة الصحية للرئيس فلاديمير بوتين، مقترناً بمناقشة عدد من مشاريع القوانين في مجلسي الاتحاد والدوما يكفل منح ما يسمى بـ"الحصانة الأبدية" للرؤساء السابقين، في توقيت مواكب لتوقعات "غربية الهوى" حول احتمالات رحيل الرئيس الروسي مع مطلع عام 2021. ومن اللافت أن كل هذه التوقعات والاحتمالات جاءت في أعقاب إقرار التعديلات الدستورية حول إتاحة الفرصة أمام بوتين للترشح لفترتي ولاية أخريين تمتدان بعد انتهاء ولايته الرابعة في عام 2024 حتى عام 2036، وهو ما يثير كثيراً من الدهشة.

الحصانة المستمرة

ولعله يكون من الغريب أن نعيد إلى الأذهان أن الرئيس فلاديمير بوتين "قفز" إلى قمة السلطة في روسيا من خلال "الحصانة" التي وفرها لسابقه بوريس يلتسين في "صفقة" استمرت مناقشة بنودها لما يزيد على العشر ساعات، وافق خلالها على إقرار الحصانة ليلتسين ضد ملاحقات الشيوعيين، ومعترفاً له ولأسرته بكل الامتيازات مدى الحياة في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 1999، كشرط لتنازل يلتسين وتعيين بوتين قائماً بأعمال الرئيس.
ويتناسى المراقبون أن كل هذه الامتيازات التي نَعِم بها سلفه، تمتع بها بوتين من دون إعلان رسمي في عام 2008، حين تخلى عن السلطة طواعية لخليفته دميتري ميدفيديف الذي اختاره "خصيصاً" للقيام بمهمة "تحليل" اختراقه للبند الدستوري الذي يحظر استمرار الرئيس لأكثر من ولايتين متواليتين، وبموجب القانون رقم F3-12 بتاريخ 12 فبراير (شباط)2001، الذي ينص على الضمانات الممنوحة لرئيس روسيا الاتحادية ولأفراد عائلته بعد انتهاء مدته الرئاسية.
ومن الغريب في هذا الشأن أنه على الرغم من الإشارة إلى استمرار سريان القانون، بمعاودة الإشارة إليه في نص القانون مرة في عام 2007، استعداداً لرحيل الرئيس بوتين في عام 2008، وأخرى في عام 2011 استعداداً لرحيل الرئيس ميدفيديف، يعود الحديث حول الحصانة مجدداً في عدد من مشاريع القوانين التي تجري مناقشتها الآن في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 في كل من مجلسي برلمان الاتحاد والدوما حول إقرار منح الحصانة للرؤساء السابقين في سابقة تحدث لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، الذي رحل رئيسه ميخائيل غورباتشوف دونما حصانة أو امتيازات مالية، ولن ينعم كما قال بافيل كرشينيكوف رئيس اللجنة الدستورية وأحد معدي مشروع قرار مجلس الدوما، بما ينص عليه القانون الجديد من حصانة وامتيازات. وذلك ما لا يلتفت إليه أي من المراقبين المحليين أو الغربيين، وهو القانون الذي تمتع بموجبه كل من الرئيسين الحالي بوتين، والسابق ميدفيديف بالحصانة والامتيازات المالية بما فيها طائرة رئاسية خاصة لتنقلاته، فضلاً عن الاحتفاظ بقصره الرئاسي ومنظومة العلاج المجانية له ولأسرته مدى الحياة، بعد انتهاء فترة رئاستهما في عام 2008 للأول، وفي عام 2012 للثاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العودة الى السلطة

أما عن تجدد الحديث حول مرض الرئيس بوتين واحتمالات تنحيه عن السلطة في يناير2021، فلذلك تاريخ قديم يرتبط ضمناً بما يموج به الفضاء السوفياتي السابق من اضطرابات وتحركات، ومنها ما حدث ويحدث في أوكرانيا وبيلاروس وقيرغيزستان وأرمينيا. ويزيد من حدة هذه الأحاديث وما يختلط بها من "إشاعات" ما أكده رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو نقلاً عن بوتين شخصياً، حول أن الرئيس الروسي لن يرشح نفسه بعد انتهاء ولايته في عام 2024، وهو ما يبدو الأقرب إلى الصحيح والمحتمل بدرجة كبيرة، دحضاً لكل ما قيل حول التعديلات الدستورية الجديدة في روسيا وأنها تستهدف إعداد الظروف الملائمة لاستمرار بوتين في السلطة حتى عام 2036.
وإذا أضفنا إلى ذلك نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية وما أسفرت عنه من فوز جو بايدن المعروف بمواقفه المتشددة تجاه روسيا وزعيمها، فإننا نكون أمام أوضاع مغايرة تقول بضرورة تناول كل ما قيل ويقال على محمل الجد، لكن بعيداً عما تقوله الصحافة البريطانية والأميركية حول الرحيل المحتمل لبوتين في مطلع 2021.
وكانت مصادر الكرملين أكدت في أكثر من مناسبة على لسان دميتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الرئيس بوتين عدم صحة "الإشاعات" التي رددتها تلك الصحف ومنها "ذي صن" و"ديلي ميل" حول إصابة بوتين بمرض باركينسون أو "الشلل الرعاش".
وعلى الرغم من تكرار النفي ودحض كل ذلك، تتواصل هذه الأحاديث لخدمة ما يقولونه أيضاً، وأحياناً على محمل اليقين، حول أن بوتين سيترك السلطة في مطلع العام المقبل. وقد جاءت "نوبة السعال الخفيف" التي ظهرت لدى حديث بوتين مع أعضاء حكومته عبر "الفيديو كونفرنس" خلال الأيام القليلة الماضية، لتؤجج ما تقوله الأوساط الغربية حول "مرض بوتين". وانخرطت الأقلام في تعداد ما يمكن أن يكون بوتين مصاباً به من أمراض، ومنها ما يتعلق بعموده الفقري تارة، واضطراب جهازه العصبي الذي يؤثر على حركته تارة أخرى، إلى جانب ما قاله ستانيسلاف بيلكوفسكي المعلق السياسي اليميني المعارض حول أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يرسل إلى بوتين اثنين من الأطباء الإسرائيليين لمتابعة حالته الصحية بشكل دوري، وهو ما اعتبره من أسباب العلاقة الوثيقة التي تربط بين بوتين ونتنياهو! 

تسريع التشريع

على أنه يوجد على الجانب الآخر من يقول إن بوتين يبدو ذا مصلحة مباشرة في تأجيج مثل هذه الإشاعات والأخبار، حيث إنها تتيح له الكشف عن الطامحين إلى خلافته، وتحديد دائرة خصومه وأنصاره في النسق الأعلى للسلطة.
ويقولون أيضاً إن زعيماً بمثل ما يتمتع به بوتين من خبرات وقدرات، لا يمكن أن يغفل أنه ما من حصانة أو قوانين يمكن أن تحول دون محاكمته أو ملاحقته في حال جاء بعده من يمكن أن يقوم بذلك، في دولة تلعب فيها السلطة المركزية الدور الرئيس في تقرير شؤون البلاد والعباد، دونما اعتبار لقانون أو دستور.
ولعل ما شهده بوتين مع سقوط نظرائه في عدد من بلدان الفضاء السوفياتي السابق، يمكن أن يكون مثالاً على ذلك، ومنهم عدد من رؤساء قيرغيزستان وأوكرانيا من اللاجئين اليوم في روسيا، إلى جانب مولدوفا التي أسفرت نتائج انتخاباتها الرئاسية عن هزيمة إيغور دودون الرئيس السابق الموالي للكرملين، وفوز مايا ساندو ذات الميول الغربية.
وعلى الرغم من اتساع الهوة بين ما يجري في روسيا ومثيلاتها في الفضاء السوفياتي السابق، فإن هناك من العوامل ما يقول بأن الأبواب يمكن أن تظل مُشرعة أمام كل الاحتمالات، ومن دون أي اعتبار لتوازنات "أوليغاركية" أو سياسية، ما قد يكون تفسيراً لتسريع الجهود التشريعية لاستصدار قوانين جديدة استعداداً لمستقبل قد تتباين أطره وأركانه عما كانت عليه الأحوال خلال الأعوام القليلة الماضية.
ولعل ما يجرى بذله من جهود في شأن تأمين مستقبل الرئيس بوتين وزميله ميدفيديف، يستهدف ضمناً تأمين النظام السياسي في مواجهة المخاطر التي قد تنجم نتيجة استمرار الحاكم لفترة طويلة على رأس الحكم في دولة لا تنعم فيها المؤسسات الدستورية بالقدر الكافي من القوة والديمومة. وثمة من يقول في هذا الصدد إن الخروج الآمن للرؤساء والانتقال السلمي للسلطة من أهم شروط استمرارية الاستقرار السياسي والاقتصادي للدولة. ولعل ذلك ما يضعه الرئيس بوتين نصب عينيه، في توقيت بالغ الحرج، تقول كثير من ملامحه بضآلة احتمالات استمراره في السلطة بعد عام 2024، وليس في مطلع 2021 كما تتنبأ بذلك الصحف البريطانية والأميركية.
وذلك ما أكده ألكسندر نازاروف المحلل السياسي في مقاله الذي نشرته قناة "روسيا اليوم" على موقعها الإلكتروني ونقل فيه عن الرئيس بوتين ما قاله حول "أن العالم يدخل مرحلة من التحولات الهائلة"، مؤكداً اعتقاده حول "أنه في سياق الانهيار الوشيك للنظام الاقتصادي العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة الأميركية، ستخضع جميع الدول لاختبارات قاسية، ولن يتمكن بعضها من البقاء. في ظل هذه الظروف، يظهر جانب آخر من هذه المبادرات التشريعية ذو أهمية خاصة، وهو القضاء على أي مواقف يمكن أن تؤدي فيها المواجهة بين القوى السياسية أو بين السلطات الثلاث إلى شل عمل الحكومة المركزية، كما نرى ما يحدث في السنوات الأخيرة في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. حيث تظل روسيا جمهورية رئاسية قوية، وفي حالة الأزمات، سيكون للرئيس، أياً كان، كل السلطات لكسر الجمود، والحفاظ على فعالية جميع السلطات". 

المزيد من تقارير